د.مثنى إبراهيم الطالقاني – ماذا كان يجب أن أفعل لأستحق صفة “الخدمة الجهادية” التي مُنحت للبعض؟ هل كان علي أن أكون خارج العراق، أتنقل بين باراته وشوارعه، وأتقاضى منحة الأمم المتحدة دون عناء؟ أم كان علي كمواطن آنذاك أن أبقى في وطني، أواجه الجوع والظلم، وأتحمل اضطهاد حكومتي وحكومات العالم أجمع؟ أي جهاد هذا الذي ينال صاحبه الامتيازات والأموال وهو بعيد عن ساحات المعاناة؟ وأي منطق هذا الذي يجعل من الابتعاد عن أرض الوطن، في أشد أوقاته حاجةً لأبنائه، جهاداً يستحق التكريم؟
إن من يبحث عن الحق والعدل يدرك أن الجهاد الحقيقي كان لمن صمد داخل العراق، لمن قاسى الجوع والحرمان، لمن عانى من الحصار والاضطهاد، وليس لمن كان بعيداً عن ساحات المعاناة الحقيقية.
فالجهاد لم يكن رحلة هروب من العراق بحثاً عن ملاذ آمن في الخارج، بل كان مواجهة قاسية مع واقع مرير لا يرحم، حيث أصبح البقاء في الوطن معركة يومية للبقاء على قيد الحياة.
الجهاد هو تلك الأم التي خبزت علف الحيوانات وأقنعت أطفالها أنه خبز حنطة، كي لا يشعروا بالجوع.
لم تحمل سلاحاً ولم تهتف بالشعارات، لكنها خاضت معركتها الصامتة في المطبخ، تحارب الجوع بقوة صبرها وإبداعها في صنع ما يسد رمق أطفالها.
كانت ترى أطفالها يحدقون فيها بأعين متسائلة، ولا تجد إجابة سوى ابتسامة زائفة تخفي خلفها وجعاً لا يوصف.
ذلك هو الجهاد الحقيقي الذي لم يُكافأ برواتب وامتيازات.
الجهاد هو تلك الزوجة التي تناست نفسها، وبدل أن تشتري قلم الكحل، اشترت ثلاث بيضات لأطفالها، كي لا يناموا جائعين، كانت تراقب النساء حولها يتجملن، يلبسن أحدث الأزياء، يضعن مساحيق التجميل، لكنها لم تكن تفكر إلا في سد جوع أطفالها.
كانت تخرج من منزلها بثياب قديمة، بوجه شاحب، لكنها كانت تحمل في داخلها قلباً قوياً لا يعرف الاستسلام.
لم تطلب شيئاً من أحد، لم تمد يدها لأحد، كانت تعرف أن الحياة في العراق لا ترحم، وأن عليها أن تكون هي السند لعائلتها.
الجهاد هو تلك المرأة التي فقدت معيلها، ومع فقدانه فقدت الشعور بالأمان، لكنها لم تستسلم، بل خاضت حرباً أخرى ضد الفقر والحاجة، فعملت في أي مجال تستطيع، حملت على كتفها أعباءً أثقل من طاقتها، تحملت نظرات المجتمع القاسية، وواجهت ظروفاً قاسية، وأطعمت أولادها “المثرودة ‘المحروگ أصبعه'” فقط من أجل أن تضمن لأطفالها حياة كريمة.
هذه المرأة التي ضحت بكل شيء، والتي ما زالت تواجه الظلم في ظل الديمقراطية الزائفة والمافيات العائلية التي نهبت البلاد، أليس جهادها أعظم من جهاد من عاشوا في الخارج؟
ورغم هذا كله، يأتي “نوري المالكي” ليؤكد: “طالما أنا موجود، لا يتم المساس برواتب رفحاء الفاحشة تحت عنوان الخدمة الجهادية”!. فكيف يمكن أن يقبل العقل أن تُصرف الملايين لمن عاشوا في الخارج، بينما من صمدوا في الداخل يواجهون أزمات اقتصادية خانقة؟ كيف تُكافأ فئة على مجرد ابتعادها عن العراق، بينما تُهمل أخرى عانت وتحملت وصبرت؟
وفي هذا السياق ذكرت النائبة البرلمانية المستقيلة “ماجدة التميمي”، أن “قانون رفحاء أقره المالكي لأنه وحده يستلم 10,000 اسم وهمي رفحاوي، مقسم على السياسيين، وأقل سياسي منهم يستلم راتب 1,000 اسم رفحاوي وهمي.”
لقد انتهى “جهاد” عراقيي الخارج بأفضل صورة ممكنة، فقد عادوا إلى البلاد ليحصلوا على امتيازات ورواتب لا يستحقونها، بينما من ظلوا هنا، من جاعوا وعانوا وقاسوا، ما زالوا يعيشون في معركة لا تنتهي. جهادهم مستمر، لكنه جهاد منسي، لا تذكره القوانين، ولا تكافئه الحكومات، بل يزداد تعقيداً وقسوة مع غلاء الأسعار وفرض الضرائب والأزمات الإقتصادية .