هل يمكن للسوق أن يروّض فوضى العراق؟

علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي

لفهم الإشكالية التي يطرحها تطبيق اقتصاد السوق في العراق . لا بد أولاً من تفكيك المفهوم ذاته. اقتصاد السوق ليس مجرد غياب للدولة وفتح الأبواب للتجارة . بل هو نظام متكامل يقوم على مبدأ أن الأسعار .والإنتاج وتوزيع الموارد .تُحدد عبر تفاعلات العرض والطلب في سوق تنافسية.

يقوم هذا البنيان فلسفياً على فكرة “اليد الخفية” التي صاغها آدم سميث . حيث يقود السعي الفردي للربح . ضمن قواعد لعب واضحة .إلى تحقيق منفعة جمعية. ولكن هذه الآلية . لكي تعمل . تحتاج إلى شروط صارمة: سيادة القانون. حماية الملكية . وفرة المعلومات .تكافؤ الفرص . وبنية تحتية تسمح بانسياب السلع والخدمات بلا احتكاكات قاتلة.

هنا تكمن الفوائد النظرية لهذا النظام :فهو محرك كفؤ للنمو .يحفّز الابتكار ويخصّص الموارد النادرة بأعلى كفاءة ممكنة. لكن ما يبدو أنيقاً في الكتب المدرسية. يصطدم بواقع عراقي مركب . تجذّر لعقود في اقتصاد اشتراكي شمولي، لينتقل فجأة إلى هجين مشوّه. عند تطبيق هذا النموذج في بيئة كالعراق.

تتحول المزايا إلى نقمة. السوق الذي يفترض أن يكافئ الكفاءة .أصبح يكافئ القوة والنفوذ .حيث الطبقة السياسية هي التاجر الأول .فتحولت الدولة من راعٍ للتنافسية إلى أكبر منافس يحتكر القرار والمال والمنافذ الحدودية. في نظام حيث السياسي هو المستورد والموزع وصاحب المصرف .لا توجد “يد خفية” بل يد ظاهرة تنتزع الثروة لصالح جماعة مغلقة . مما يجعل اقتصاد السوق فكرة طوباوية في ظل إقطاع سياسي-مالي.

أما الشرط الثاني الغائب .فيتمثل في البنية التحتية المتهالكة . وهي ليست مجرد جسور وطرق . بل شرايين الاقتصاد. اقتصاد السوق الذي يعتمد على حركة سريعة رخيصة للبضائع لا يمكنه أن يعمل في بلد تغيب فيه الكهرباء عشر ساعات يومياً . وتتحول فيه الطرق إلى مستنقعات والموانئ إلى معابر للسمسرة والابتزاز. هذه العاهة البنيوية تجعل كلفة الإنتاج والنقل في العراق هي الأعلى إقليمياً . فتلغي تلقائياً أي ميزة تنافسية . ويصبح السوق سجناً للسلع الرديئة والمستهلك اليائس . لا ساحة للعرض والطلب الشفاف.

وفي قلب هذا المأزق .يقف الفساد والبيروقراطية كحارسين مخلصين للفوضى . لا كمجرد معطلين.

الفساد في العراق ليس استثناءً في المنظومة . بل هو المنظومة ذاتها : إنه الآلية الحقيقية لإدارة “السوق” القائم.

أما البيروقراطية فهي ليست تعقيداً إدارياً فحسب . بل درع لحماية الامتيازات . حيث كل معاملة هي فرصة لجبي “ضريبة” غير رسمية . تثقل كاهل الاقتصاد وتقتل أي روح مبادرة لا تحظى بالحماية السياسية.

في هذا السياق . تصبح معدلات البطالة والفقر المرتفعة ليست مجرد أعراض . بل نتيجة منطقية. لا يمكن لاقتصاد سوق حقيقي أن ينشأ في ظل غياب خطة واستراتيجية واضحة من الدولة لبناء إنسان منتج . وليس مجرد مستهلك يعيش على ريع النفط. وبما أن العراق بلد ريعي يعتمد على النفط بنسبة 90% . فإن فكرة السوق ذاتها تصبح مشوهة جوهرياً. الاقتصاد الريعي يخلق ثروة من باطن الأرض لا من جهد البشر.

ويربط مصير البلد بتقلبات سوق طاقة عالمية . ويُنتج دولة راعية توزع الموارد لشراء السلم الاجتماعي . بدلاً من دولة تنموية تجمع الضرائب فتُحاسَب وتُحاسِب.

في اقتصاد تسيطر عليه عقلية الريع، لا يكون الهدف هو “ربح السوق” عبر كفاءة . بل “ربح الدولة” عبر الوصول إلى المورد النفطي مما يجعل السيطرة على السوق مستحيلة لأن السوق نفسه لم يتشكل قط . بل هناك فوضى منظمة تُدار بأدوات المافيا السياسية.

أخيراً.. غياب القوانين التي تخدم اقتصاد السوق هو القشة التي تقصم ظهر البعير. ففي غياب قانون منافسة يحمي المستهلك وسوق مالي منظم لا يتم التلاعب به وقضاء مستقل يحل النزاعات التجارية بسرعة ونزاهة . تتحول التجارة إلى غابة . وتصبح المخاطرة مغامرة غير محسوبة العواقب مما يطرد رأس المال الوطني قبل الأجنبي.

العراق لا يحتاج إلى “تطبيق” اقتصاد السوق كوصفة سحرية . بل إلى بناء شروط قيامه أولاً: دولة مؤسسات تحتكر العنف والقانون لا القوت والمال . وقيادة لديها رؤية لنقل البلد من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع. قبل ذلك . سيبقى السؤال معلقاً بقوة: هل يمكن للسوق أن يروّض فوضى العراق؟ الإجابة المؤلمة هي: لا . بل إن الفوضى هي من ستستمر في ترويض السوق لصالحها.