قوانين رفاهية لوطن تعصفه الكوارث؟

علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي

تخيلوا مشهداً عبثياً: منزل تغمره النيران من كل جانب . سقفه ينهار . أساساته تتصدع . وعائلته تختنق بالدخان . ثم يأتي من يقول لهم بكل جدية : “لنبدأ أولاً بطلاء السور الخارجي”. هذا إلى حد بعيد . ما يبدو عليه المشهد التشريعي في العراق اليوم. ففي بلد يرزح تحت أزمات بنيوية تمتد من انقطاع الكهرباء المزمن وأزمة سكن تُثقل كاهل الملايين . وقطاع صحي يعاني من اختناقات حادة .نجد مجلس النواب منهمكاً في نقاشات مستفيضة حول الانضمام إلى معاهدات حماية الطيور المهاجرة ومكافحة التدخين. وكأن ثمة تصوراً ضمنياً بأن الدولة تجاوزت بالفعل تحدياتها الأساسية . ولم يتبقَّ أمامها سوى استكمال معايير الرفاهية المؤسسية.

هل هذا هو كل ما تبقى ليُبحث؟

لا أحد يعترض على أهمية البيئة أو الصحة العامة . فلكل دولة الحق في بناء منظومتها القانونية وحماية مواردها الطبيعية. لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول القضايا الثانوية إلى واجهة تحتل صدارة المشهد التشريعي . بينما تظل الكوارث البنيوية بلا معالجة حقيقية. حين يصبح التشريع البيئي ليس استكمالاً لمسيرة إصلاح . بل بديلاً عن الخوض في الملفات الأكثر إلحاحاً . وحين تُرفع شعارات الحماية الدولية فيما الحماية الاجتماعية ما تزال تبحث عن حدها الأدنى.

إن هذه الازدواجية في ترتيب الأولويات تكشف عن فجوة متسعة بين جدول أعمال المؤسسة التشريعية وواقع الشارع. فحين يغرق المواطن في وحل البطالة . وتواجه السيادة المالية والسياسية تحديات عميقة.

ويستشري الفساد في مفاصل الدولة، يصبح من المثير للتساؤل أن يطل علينا مشرّع ليؤكد بكل اهتمام أنه يحمي “الطيور المهاجرة”. الطيور على الأقل لديها وجهة تعرفها وموسم هجرة محدد . أما المواطن فقد ضاقت به السبل. أي خلل في ترتيب المنطق هذا الذي يجعل حماية السمان تتصدر المشهد بينما حماية كرامة الإنسان تنتظر دورها في قائمة الانتظار؟ وأي شعور هذا الذي يخفق لأجنحة الطيور المرهقة فيما أطفال ينامون في عتمة الحرمان بلا كهرباء؟

المشهد لا يتوقف عند المفارقة بل يتجاوزها إلى سؤال أكبر عن الانسجام بين التشريع والأولوية الوطنية. نحن أمام برلمان يبدو في بعض محطاته وكأنه يعيش في فضاء منفصل عن نبض الشارع. برلمان يعطي أولوية متقدمة لمعرفة ما إذا كانت اتفاقية “رامسار” للأراضي الرطبة قد صُدقت أم لا . بينما المواطن نفسه لا يجد أرضاً يابسة يبني عليها غرفة يأوي إليها مع أطفاله. لقد أصبحنا في حالة انفصام وطني كامل: جهة تناقش “التدخين” وشعب يحترق بنار الحرمان.

يتحمسون لـ”التنوع البيولوجي” بينما التنوع الطائفي يلتهم ما تبقى من وحدة البلاد. لو كان الاهتمام بالمواطن هو الباعث الحقيقي . والخوف عليه هو المحرك الفعلي . لكانت الأولوية المطلقة لمعالجة انهيار الأمن . وإصلاح اقتصاد يعاني من تحديات هيكلية . وتوفير خدمة كهرباء لا تُذل الكرامة . وبناء مستشفيات تليق بالإنسان.

إن ما نراه ليس مجرد تشريع . بل غياب واضح للرؤية في ترتيب الأولويات، الانشغال بقوانين “الرفاهية المتقدمة” في زمن الكوارث الأساسية يعكس خللاً في فهم اللحظة التي يعيشها البلد. إنه مؤشر على أن ثمة فجوة بين ما يُناقش تحت القبة وما يعيشه المواطن خارجها. لم يعد العراق بحاجة ماسة إلى نواب يشرعون عن “الطيور” في هذا التوقيت بالذات . فالطيور العراقية أصبحت أكثر حظاً من البشر: تهاجر حين يشتد الحر . وتجد ماءً حيث يحلو لها، وتغرد خارج أسوار الفوضى. أما المواطن . فبقي ينتظر تشريعاً واحداً ينصف حياته قبل أن ينصف حياة من هم أقل منه معاناة.

إنها لمفارقة تستحق الوقوف عندها طويلاً أن يُدار ظهر البرلمان للأساسيات لمواجهة الثانويات. حين تشرع لمعاهدات التدخين وأنت واقف على جبل من الأزمات المشتعلة . فأنت لا تحمي رئة المواطن بل تُثقل كاهله بمزيد من التساؤلات عن جدول الأعمال، هذه ليست رفاهية تشريعية هذا خلل خطير في ترتيب الأولويات. وكأن لسان حال المشهد يقول: “ليواجه العراقيون الجوع والمرض، لكن برئتين نظيفتين وبطيور تحلق بأمان في سماء لا كهرباء فيها”.