حليم سلمان – كاتب عراقي
نحو مالية عامة متنوعة وأفق اقتصادي جديد.
يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، تتشابك فيه ضغوط الراهن ومتطلبات المستقبل. فبينما تواصل أسعار النفط تقلباتها المزمنة، وتلقي التوترات الجيوسياسية بظلالها على حركة التجارة الإقليمية، أصبح جليًا أن الهياكل المالية التقليدية، القائمة على الريع النفطي الأحادي، لم تعد قادرة على توفير الاستقرار الكافي لاقتصاد يطمح إلى التحول والنهوض.
تكشف الأرقام عن اختلال هيكلي عميق، إذ تعتمد الموازنة العراقية على الإيرادات النفطية بنسبة تبلغ نحو 90 %، فيما لا تتجاوز مساهمة الإيرادات غير النفطية عتبة الـ 10 % من إجمالي الموارد العامة، ما يجعل الاقتصاد الوطني رهينًا، بشكل شبه تام، لتقلبات السوق الدولية، ومكشوفًا أمام أية صدمة خارجية، كاضطرابات الممرات الملاحية، أو تراجع الطلب العالمي على الطاقة.
الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، والتوترات في مضيق هرمز، جاءت لتعيد تسليط الضوء على هشاشة هذه البنية. السؤال: كيف يمكن لاقتصاد مرتبط بمنفذ واحد وسلعة واحدة أن يحقق الاستقرار والنمو المستدام؟
في مواجهة هذا الواقع، تعلن القيادة الاقتصادية في البلاد، عن توجه إصلاحي طموح، يقوم على إعادة تصميم فلسفة المالية العامة من جذورها، إذ بدلًا من دور الدولة التقليدي، بوصفها موزعًا للثروة النفطية، تسعى الرؤية الجديدة لتحويلها إلى منتج فاعل للموارد، عبر شراكة حقيقية مع القطاع الخاص. تتمحور هذه الرؤية حول هدف مرحلي طموح؛ يتمثل في رفع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى ما يقارب الـ 45 %، كمرحلة تأشيرية أولى ضمن مسار التنويع الشامل.
كما ترسي هذه الرؤية تمييزًا دقيقًا بين التنويع الاقتصادي، بوصفه شرط الضرورة الذي يجب أن يتحقق أولًا، والتنويع المالي، بوصفه شرط الكفاية الذي يتبعه ويعززه.
وسط هذه التحديات، يبرز ملف الجمارك، باعتباره أحد أوجه الكفاءة الضائعة، في ظل ظاهرة إعادة تصنيف البضائع للإفلات من التعرفة المقررة، ويعوَّل على الأتمتة لسد هذه الثغرات وضمان انتظام التحصيل.
غير أن أعمق ما تطرحه هذه الرؤية هي الدعوة إلى مراجعة المنظومة الفكرية، التي تحكم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، عبر التخلي عن العقلية الاشتراكية، والانتقال إلى نموذج تضطلع فيه الدولة بدور المنظم والمراقب، بينما يتصدر القطاع الخاص مهمة قيادة التنمية.
الطريق نحو تنويع حقيقي يستلزم إصلاحات هيكلية متشعبة، تمتد من تطوير التشريعات الاستثمارية إلى بناء الكفاءات المؤسسية، غير أن الخطوة الأولى تبدأ دائمًا بوضوح الرؤية، والجرأة على مصارحة الواقع، وهو ما تسعى خطة العراق 2035 إلى ترسيخه؛ منطلقًا لمرحلة اقتصادية مختلفة.

