العراق بين اقتلاع الحيتان وغرق السفينة!

د. نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي وقانوني

في مشهد غير مسبوق، يتجلى تحالفٌ وثيق بين الحكومة والقضاء في حملة نوعية لاقتلاع “حيتان الفساد”، تقودها حكومة الزيدي بدعم من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، في أوسع عملية ملاحقة لكبار المفسدين منذ 2003.

تشير التقديرات إلى أن نحو خمسين متهماً كبيراً قد يكونون على لائحة الاعتقال، بقيمة أموال منهوبة تتراوح بين 150 و350 مليار دولار. القائمة لا تقتصر على رجال أعمال، بل تشمل سياسيين ومسؤولين سابقين وحاليين، في منظومة فساد متكاملة تتقاسم عوائدها أحزاب وشخصيات نافذة.

لم تبقَ الأقوال وعوداً، إذ أسفرت الإجراءات عن اعتقال أربع شخصيات بارزة حتى الآن، بينهم نائب سابق وحالي، ووكيل وزير النفط الذي ضبط بحوزته 10 ملايين دولار و40 عقاراً، بالإضافة إلى مدير الخطوط الجوية ومدير كهرباء الوسط بمبالغ تجاوزت مئات المليارات. وشملت التغييرات أكثر من 100 مسؤول، فيما أحيلت 2444 قضية إلى المحاكم، وصدرت أوامر قبض بحق 8 وزراء سابقين و89 مديراً عاماً.

لكن الطريق محفوف بالتحديات، أبرزها تدخل الفصائل المسلحة وانقسام مواقفها، فضلاً عن تخوف المحللين من أن تكون الحملة انتقائية أو مجرد تضحية ببعض الفاسدين لإرضاء الشارع، دون مساءلة الأحزاب الكبرى التي تعتبر “حيتاناً” حقيقية.

يبقى السؤال: هل ستكون هذه الحملة بداية حقيقية لاستعادة هيبة الدولة، أم استعراضاً سرعان ما يتبخر؟ نجاحها مرهون بعدم الانتقائية وامتدادها للجميع، وتعزيز دور القضاء المستقل. فمكافحة الفساد هي معركة وجود للعراق، وإما أن تنتصر إرادة الإصلاح أو يبقى الوطن رهينة منظومة نهب منظمة. والأيام كفيلة بالإجابة.