د. نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي و قانوني
في العاصمة الأميركية واشنطن، لا تصدر مراكز الأبحاث إطراءً جزافاً، خاصة إذا كان الحديث عن العراق. لذلك، فإن تقرير معهد كوينسي الأميركي الذي وصف حملة مكافحة الفساد و(صولة الفجر) التي أطلقها رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي بأنها (واحدة من أوسع الحملات التي يشهدها العراق منذ عام 2003) ليس مجرد إشادة عابرة، بل شهادة تغيير جذرية يلتقطها العقل الأميركي الواقعي، القلق عادة من انهيار الدولة العراقية لا قوتها.
ما الذي دفع معهداً متخصصاً في (الحكم المسؤول) ليتحدث بلغة الأرقام والحسم؟ الجواب يكمن في منهجية (صولة الفجر)التي تختلف عن مبادرات الماضي الشكلية. لقد تجاوز الزيدي مرحلة (الفساد الصغير) ورفع سقف الاستهداف ليطال الرؤوس الكبيرة المحمية بأجنحة سياسية وغطاء خارجي. ولأول مرة، لم تعد السلطة التنفيذية تكتفي بإحالة ملفات إلى هيئة النزاهة لتتعفن في الأدراج، بل تحولت الأجهزة الأمنية المباشرة إلى أداة إنفاذ لا تهادن، وهو ما أربك منظومة الإفلات من العقاب التي ترسخت لعقدين.
أنا هنا لا أتحدث من فراغ عاطفي، بل من واقع البيانات. (صولة الفجر) لم تقتصر على استرداد الأموال، بل نقلت الحرب إلى معركة استرداد هيبة الدولة. تقرير كوينسي بذاته يشير إلى أن ربط الزيدي بين الإصلاح الأمني والاقتصادي في آن واحد خلق حالة من (الصدمة المؤسسية الإيجابية) فعندما يطاح بمسؤولين كبار في المنافذ الحدودية وصفقات السلاح، تتفكك شبكات الاقتصاد الموازي التي تمول الميليشيات وتفقر الخزينة.
لكن، دعونا نكن حذرين. التحذير الضمني الذي يطل من ثنايا التقرير الأميركي هو الخوف من (الارتداد الداخلي). فالطبقة السياسية المستفيدة من الفوضى المالية لم تمت، بل تتربص. سقوط هؤلاء ليس مجرد سقوط أفراد، بل انهيار نموذج كامل للمحاصصة المالية. لذلك، المسافة بين (أوسع حملة )و(أكثر حملة استدامة) تقاس بقدرة الزيدي على حماية مؤسساته من الاختراق، وتحويل الزخم التنفيذي إلى قانون راسخ لا يتغير بتغير الوجوه.
ختاماً، شهادة معهد كوينسي تمنح (صولة الفجر) جواز سفر دولياً. لكن التحدي الحقيقي ليس إقناع واشنطن بنظافة نوايا بغداد، بل إقناع المواطن العراقي، الذي اعتاد على مسرحيات الفساد، أن هذه الصولة ليست مجرد حملة موسمية، بل فجر حقيقي لدولة لا تقبل القسمة على اثنين.

