العفو ليس تسوية.. والقضاء العراقي يصحح المسار

د.نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي و مالي

في خضم الجدل حول التسويات السياسية التي تمنح الفاسدين فرصًا جديدة لإعادة إنتاج نفوذهم، يبرز السؤال الأهم: هل هناك إجراءات حكومية وقضائية تعيد الأمور إلى نصابها؟ الإجابة تكمن في قراءة دقيقة لنصوص قانون العفو العام العراقي وتعديلاته، ومواقف مجلس القضاء الأعلى، التي تكشف أن القانون نفسه لم يكن يومًا بابًا للهروب من المحاسبة، لكن التطبيق والإرادة السياسية هما من يُحددان النتيجة.

قانون العفو العام
سقف واضح لا يشمل الفاسدين

قانون العفو العام العراقي رقم (27) لسنة 2016، وتعديلاته اللاحقة، وضع سقفًا صارمًا لاستحقاقات العفو، فالمادة (5) منه نصت صراحةً على أن العفو لا يشمل الجرائم الواقعة على المال العام، وجرائم الرشوة والاختلاس والتزوير، كما استثنت جرائم المخدرات والإرهاب. هذا النص القانوني الواضح يؤكد أن المشرع العراقي كان حريصًا على عدم تحويل العفو إلى (مغفرة) لسرقة أموال الشعب. في التعديل الأخير للقانون (2025)، جرى تشديد الاستثناءات، حيث أُضيفت قيود إضافية على شمول العفو للأحكام الصادرة بحق الموظفين المتهمين بالفساد المالي والإداري، مما يؤكد أن الإرادة القانونية لم تكن يومًا في صف المساومة على المال العام.

مجلس القضاء الأعلى حارس القانون لا يهادن

موقف مجلس القضاء الأعلى العراقي كان حاسمًا وواضحًا في أكثر من بيان رسمي. فقد أصدر المجلس توضيحًا رسميًا أكد فيه أن قانون العفو العام لا يسري على جرائم الفساد والاختلاس، وأن المحاكم العراقية مستمرة في نظر هذه القضايا وفصلها دون أي تأثير من التسويات السياسية. وقد شدد المجلس على أن أي قراءة خاطئة للقانون لا يمكن أن تُلغي واجب القضاء في حماية المال العام، مشيرًا إلى أن “الصلح” أو “التسوية” في قضايا المال العام لا يجوز قانونًا إلا وفق ضوابط صارمة تتطلب رد المبلغ المسروق بالكامل، وهو ما يصعّب عملية الإفلات من العقاب. هذه المواقف القضائية تمثل خط دفاع قوي ضد أي محاولة لتسييس العدالة.

الإجراءات الحكومية بين النص والممارسة
الحكومة العراقية، من خلال هيئة النزاهة ووزارة العدل، تبنّت إجراءات متعددة لتعزيز الرقابة على تطبيق قانون العفو. فقد تم إصدار توجيهات للمحاكم بعدم شمول أي من المتهمين بجرائم الفساد بأحكام العفو إلا بعد التثبت من خلو ملفاتهم من أي تهم تتعلق بالمال العام. كما جرى تشكيل لجان مشتركة بين هيئة النزاهة ومجلس القضاء لمراجعة ملفات المشمولين بالقوانين السابقة، لضمان عدم تسرب أي فاسد عبر ثغرات قانونية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في إرادة تنفيذ هذه الإجراءات على أرض الواقع، فالقوانين وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى عين ساهرة وعزيمة لا تلين.

إن قراءة نصوص قانون العفو العام ومواقف مجلس القضاء الأعلى تقطع الطريق أمام أي ادعاء بأن التسويات السياسية هي الوجه الآخر للقانون. فالقانون العراقي يستثني الفساد بوضوح، والقضاء يرفض أي مساومة، والحكومة تتبنى إجراءات رقابية. لكن هذا كله يظل مرهونًا بالتنفيذ الجاد. إن استعادة هيبة الدولة وحماية المال العام لا تتحقق بإلغاء القوانين، بل بتفعيلها، وعدم السماح لأي (هوى سياسي ) بأن يمحو نصوصًا واضحة. الدولة بلا محاسبة للفاسدين هي دولة هشة، والقانون بلا تطبيق هو مجرد حبر على ورق. فلنتمسك بنصوص القانون، ولنحاسب كل من يظن أن العفو بوابة للعبث بمقدرات العراقيين.