نصر قانوني عراقي في باريس .. وأنقرة تواجه تداعيات صفقة جيهان

د.نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي ومالي

في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في آليات فض المنازعات النفطية، وقفت محكمة الاستئناف في باريس حاجزاً منيعاً أمام المناورات التركية، حين رفضت استئناف أنقرة وأقرت نهائياً بالحكم الدولي الموجب بدفع تعويضات تبلغ 1.471 مليار دولار للعراق. لم تكن هذه مجرد ورقة قضائية ترفع وتخفض، بل هي تتويج لمعركة قانونية استمرت سنوات، أعادت فيها بغداد الاعتبار لسيادتها على ثرواتها، وأسقطت فيها ذريعة التفاهم الإقليمي التي تذرعت بها تركيا لسنوات.

خلفية النزاع: انتهاك صارخ للسيادة

تعود جذور القضية إلى الفترة الممتدة بين أيار 2014 وأيلول 2018، حين سمحت أنقرة بتدفق النفط الخام من إقليم كردستان إلى ميناء جيهان، وبيعه في الأسواق العالمية بعيداً عن إرادة الحكومة المركزية. والأكثر خطورة، أن تلك الصادرات تمت بـتسعير أقل من السعر الرسمي، ما مثّل إهداراً متعمداً لحقوق الشعب العراقي، واستغلالاً للفراغ السياسي الذي خلفته الحرب على داعش حينذاك.

مسار قانوني لا يقبل الجدل

في شباط 2023، أصدرت غرفة التجارة الدولية حكماً أوّلياً واضحاً لصالح العراق، لكن تركيا راهنت على تعقيدات الطعن لشراء المزيد من الوقت. وجاء الرد الباريسي الحاسم في آذار 2026 ليقول كلمته الفصل: هيئة التحكيم مارست صلاحياتها بشكل سليم، وأن عملية التصدير غير القانونية تُشكّل خرقاً واضحاً لالتزامات أنقرة تجاه جارتها. هذا القرار حوّل الحكم النظري إلى إلزام عملي، وفتح الباب أمام بغداد للمطالبة بتنفيذه فوراً.

خيانة داخلية تكشف التستر التركي

المفارقة الأكثر دراماتيكية في الملف، جاءت من داخل البرلمان التركي نفسه، حيث كشف ممثل حزب الشعب الجمهوري، دنيز يافوز يلماز، عن وثائق الحكم متّهماً الحكومة بمحاولة إخفاء تفاصيله. هذا التحرك يحوِّل القضية من مجرد نزاع ثنائي إلى أزمة سياسية داخلية في أنقرة، إذ باتت الحكومة التركية في موقف لا تحسد عليه: تواجه إدانة دولية من جهة، واتهامات بالفساد وإهدار المال العام من جهة أخرى.

ماذا بعد الحكم؟

العراق يقف اليوم على بعد خطوة واحدة من استلام هذه التعويضات، لكن الطريق التنفيذي قد يشهد مناورات تركية لإعادة جدولة الدفع أو المماطلة. ومع ذلك، فإن أهميّة هذا الحكم تتجاوز قيمته المالية؛ إنه رسالة قانونية واضحة مفادها أن زمن العبث بالثروات النفطية للدول، تحت ذرائع الحرب أو التفاهمات الثنائية الضيقة، قد ولّى. لقد منحت باريس بغداد سلاحاً قانونياً نادراً، يبقى على الحكومة العراقية أن تستثمره بحكمة لحماية حقوقها المستقبلية في جميع الملفات العالقة.

هذا النصر ليس لأصحاب القرار في بغداد فحسب، بل هو انتصار لكل عراقي رأى ثروة بلاده تُسلب تحت أنظار العالم. فلتكن هذه المحطة محطة تأسيس لمرحلة جديدة من الوعي القانوني، حيث الكلمة الفصل ليست لمن يملك النفط، بل لمن يملك الإرادة في استعادته.