هل أصبح المجتمع أكثر قسوة من القانون؟

ليث خضير الدفاعي – خبير قضائي

أصل الإنسان البراءة والأصل هو الاباحة والإنسان نزيه حتى يثبت العكس، والمجتمع يتعامل مع المكلف بأنه مشبوه والأخلاق انقلبت فأصبح الخارج عن الأصل هو النزيه.

لم يأتِ القانون بمبدأ (المتهم بريء حتى تثبت إدانته) ترفًا تشريعيًا ولا مجاملة للمتهم بل لأنه أدرك أن ظلم بريء واحد أخطر على العدالة من إفلات مذنب، لذلك أقام هذا المبدأ ليكون حصنًا يحمي الكرامة الإنسانية وسدًا منيعًا أمام الأحكام المتسرعة والاتهامات المجردة.

وفي المقابل نجد أن بعض المجتمعات قد انقلبت فيها الموازين فأصبحت تتعامل مع الإنسان على أنه مشبوه حتى يثبت العكس وكأن قرينة البراءة التي يحرسها القانون قد استُبدلت بقرينة الشبهة التي يصنعها الظن والأشاعة وسوء الظن.

لقد أصبح الإنسان مطالبًا باثبات نزاهته لا لأن دليلًا قام ضده بل لأن الشك أصبح لغة التعامل والاتهام أصبح أسرع من التثبت والاشاعة أصبحت أسبق من الحقيقة والاسوأ من ذلك أن من يحافظ على الأمانة والاستقامة بات يُنظر إليه وكأنه حالة نادرة بينما أصبح الانحراف هو الافتراض الذي تُبنى عليه الأحكام.

إن المجتمع الذي يجعل الشبهة أصلًا والنزاهة استثناءً لا يظلم الأفراد فحسب بل يهدم الثقة التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية ويقوض قيم العدالة التي يسعى القانون إلى ترسيخها.

فالعدالة لا تبدأ في قاعة المحكمة بل تبدأ في ضمير المجتمع وإذا كان القاضي لا يحكم إلا بالدليل فمن الأولى ألا يحكم الناس على بعضهم بالظنون.

إن انقلاب الأخلاق لا يظهر حين تنتشر الأخطاء فحسب بل يظهر عندما يصبح حسن الظن سذاجة والنزاهة استثناء والبراءة أمرًا يحتاج إلى إثبات.

لذلك، فإن إعادة الاعتبار لقرينة البراءة ليست مسؤولية القضاء وحده بل مسؤولية كل فرد. فالمجتمع الذي يفترض في الناس الخير حتى يقوم الدليل على خلافه هو مجتمع يحمي نفسه من الظلم قبل أن يحمي أفراده.