«حلم المشرط المؤجل» .. لماذا تبتعد طبيبات نينوى عن اختصاصات الجراحة الدقيقة؟

تقرير استقصائي مدفوع بالبيانات

ريتا عمانوئيل متي

الطبيبات اللواتي تركن حلم الجراحة لم يتركنه دائمًا لأنهن لا يردنه، بل لأن الطريق إليه لم يكن متاحاً بما يكفي.

خلاصة التحقيق

• بحسب بيانات تطبيق «طبيب»، الذي يضم العيادات الخاصة والأطباء المسجلين رسميًا في محافظة نينوى، بلغ عدد الأطباء والطبيبات العاملين في العيادات الخاصة 992، فيما لم تتجاوز نسبة الطبيبات في التخصصات الجراحية الدقيقة 7.71%.

• في استبيان شمل 136 طبيبة من طبيبات المحافظة، قالت 39% إنهن فكّرن بالاتجاه إلى تخصص جراحي، لكن من اخترنه فعلاً لم يزدن عن 6 طبيبات.

• يكشف التحقيق أن انخفاض تمثيل الطبيبات في الاختصاصات الجراحية الدقيقة ليس حصيلة «نظرة مجتمعية» وحدها، بل تقاطعٌ بين أعرافٍ اجتماعية، ونظامٍ مؤسسي لا يراعي ظروف الطبيبات، وبيئةٍ تشريعية تُضعفهنّ حين لا تحميهنّ.

• جرّاحة أعصاب حازت المركز الأول في اختصاص الجراحة العصبية في البورد العربي لعام 2022 كيف تحوّل تفوّقها — بالأرقام والكتب الرسمية — إلى عبء، حتى صدر كتاب يحدّ من عدد عملياتها بعد أن تصدّرت الإحصاءات.

• نقابة أطباء نينوى تؤكد عدم وجود مانع رسمي، وتقرّ بصعوبة التدريب وطول ساعات العمل — وهو ما تؤكده وثائق منهاج البورد العراقي في الجراحة العامة.

• في المقارنة الإقليمية، جاء العراق في المرتبة 154 من أصل 156 دولة في تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين 2021.

منذ كانت طفلة في المرحلة الابتدائية، عرفت لبنى وجهتها. لم يكن الأمر نزوة عابرة، بل حلمًا وُلد من وجعٍ حقيقي: معلمتها التي أحبّتها بدأت يداها ترتجفان أمام التلاميذ، ثم أخذ مرض باركنسون يسلبها حركتها شيئًا فشيئًا، حتى غيّبها الموت. تلك الرعشة التي عجز الجميع عن إيقافها حفرت في الطفلة سؤالًا لم يفارقها: ماذا لو كان بالإمكان أن يفعل أحدٌ شيئًا؟

من ذلك السؤال وُلد القرار. قرّرت لبنى أن تصبح جرّاحة أعصاب، لا لأن الاختصاص مرموق، بل لأنها رأت فيه طريقًا لمساعدة مرضى يمرّون بالمعاناة نفسها التي رأتها تأكل معلمتها ببطء. حملت هذا الحلم سنوات طويلة، حتى دخلت كلية الطب وهي تعرف تمامًا إلى أين تريد أن تصل، وأيّ مشرطٍ تريد أن تمسك.

لكن لبنى اليوم لا تمسك مشرط جراحة الأعصاب. في مكانٍ ما على الطريق، بين قاعات كلية الطب وأبواب غرف العمليات، أخذ الحلم الذي كبر معها منذ الطفولة يذبل ببطء — تمامًا كما ذبلت يدا معلمتها أمام عينيها ذات يوم. لم تخذلها قدرتها، ولم يردّها امتحان؛ لكن شيئًا أثقل من التعب وأقسى من السهر كان بانتظارها على ذلك الطريق، شيئًا لا يُكتب في الأنظمة ولا يُعلَّق على الجدران.

تقول لبنى إنها لم تجد في المؤسسات الحكومية بيئة تشجّع الطبيبات على دخول الاختصاصات الجراحية، بل على العكس: « بصراحة، في البداية كنت أفكر أن أخوض التجربة وأنافس على الاختصاص، لكن كلما اقتربت من هذا الطريق بدأت أرى واقعًا مختلفًا. شعرت بأن هناك ضغوطًا كبيرة جدًا داخل البيئة الطبية، وخصوصًا على الطبيبات. أحيانًا لا تكون المنافسة علمية فقط، وإنما يوجد بعض الأطباء الذكور يحاولون أن يجعلوا الطبيبة تشعر بأن هذا المكان ليس لها، أو يقللون من ثقتها بنفسها، وأحيانًا يحاولون عرقلة فرصها في التدريب أو إثبات نفسها. بصراحة، لم أشعر بوجود جهة داخل المؤسسة تقف إلى جانب الطبيبة أو توفر لها بيئة عادلة، ولذلك بدأت أفقد الحماس لحلمي»

وإذا كانت لبنى قد تراجعت عن حلمها قبل أن تدخل غرفة العمليات، فإن الدكتورة رشا عبد الحافظ اليوزبكي، اختصاص جراحة الجملة العصبية، دخلت تلك الغرفة وتميّزت فيها رغم كل الصعوبات والتحديات، إلا أنها في النهاية قررت أن تترك كل ما جنته ووصلت إليه بعد سنوات من العمل في التخصص، لتجسّد قصتها الوجه الآخر الذي أخاف لبنى وأبعدها عن حلمها ووعدها وهي طفلة.

رشا، الطبيبة التي تزعم أنها سجّلت أعلى عدد عمليات في المستشفيات الحكومية بفرعها — أداءٌ نال تقدير الجهات الصحية في الموصل، إذ منحها مستشفى ابن سينا كتاب شكر عن إجرائها (٣٨) عملية في حزيران ٢٠٢٠ ، وسبق أن كرّمها في آذار للسبب نفسه — قرّرت أن تدير ظهرها لغرف العمليات نهائيًا، وأن تنتظر تحويلها إلى تدريسية جامعية. تقول بحسم: «أنا مقرّرة، من اتحول  إلى التعليم فلن أعود إلى المستشفى، لأن مشاكل المستشفى كثيرة »

هكذا تستعد جراحة الأعصاب في نينوى لخسارة واحدة من أكثر جرّاحاتها إنتاجًا — لا لأن يدها خذلت المشرط، بل لأن المؤسسة التي كان يُفترض أن تسندها جعلت البقاء أثقل من الرحيل.

ما وضفته لبنى من مخاوف، تجسد في رحلة رشا، التي تعبر عنها هذه القصة الصغيرة، والدّالة، حين علّقت على عيادتها لافتة تذكر حصولها على المركز الأول في البورد العربي لعام 2022، اشتكى زملاء إلى النقابة، فطُلب منها إنزال اللافتة، ففعلت — رغم أنها، كما تقول، «لم اكتب شيئًا كذبًا، ولديّ كتاب رسمي يثبت أنني الأولى.»

يكشف هذا التحقيق المدفوع بالبيانات أن لبنى ورشا ليست حالة فريدة من نوعها، لكنهن نتاج تمييز سلبي منهجي ضد الطبيبات الراغبات في دخول تخصص الجراحة في محافظة نينوى، من خلال تحليل لعينة من الأطباء المسجلين بالعيادات الخاصة بالمحافظة، واستطلاع آراء 136 طبيبة حول ظاهرة عزوف الطبيبات عن التخصصات الجراحية، ومقابلات مع طبيبات وأطباء مختصين، وتصريحات مسؤولين نقابة أطباء نينوى تقر بالواقع و تتنصل من مسؤوليتها تجاهه.

لا تشمل البيانات الأطباء والطبيبات الذين يعملون داخل المستشفيات فقط أو في عيادات غير رسمية، كما جُمعت بعض الاختصاصات الجراحية الفرعية ضمن اختصاصات عامة لفهم أفضل للنتائج، واستُبعد الأطباء الذين يعملون في أكثر من منطقة أو يمتلكون أكثر من عيادة لتجنب تكرار احتسابهم، خاصة على مستوى الفجوة العددية بين الأطباء الذكور والإناث.

لم نكتفِ في هذا التحقيق بالأرقام والاستبيان، بل عدنا إلى دراسات إقليمية، ووثائق منهاج البورد، وقرارات وكتب رسمية، وتقارير حقوقية، ونصوص قانونية، وإلى شهادة طبيبات رغبن في التخصص في الجراحة، إلا أن رغباتهن تحولت إلى عبء في ظل التحديات التي تبدأ من المجتمع وتتجسّد ضمن نظام التدريب وبيئة النظام الصحي نفسه.

أرقام تكشف الفجوة

تكشف البيانات المرصودة من تطبيق «طبيب» في نينوى، الذي تم تطويره من قبل فريق طبي تابع للنادي الوطني لطلبة الطب. ، والمسجّل خلاله كل العيادات الخاصة الرسمية في المحافظة بحسب تأكيدات من مسؤولين في نقابة الأطباء لمعدة التحقيق، عن فجوة واضحة في تمثيل النساء داخل الاختصاصات الجراحية الدقيقة.

992 طبيبًا وطبيبة يملكون عيادات خاصة مسجلة رسميًا لدى نقابة الأطباء، وهو رقم لا يشمل الأطباء الذين يعملون فقط في المستشفيات أو في أي منشأة طبية غير مسجلة رسميًا لدى النقابة.

من هذه العينة، بلغ عدد الأطباء الذكور 692 طبيبًا بنسبة 69.67%، مقابل 300 طبيبة بنسبة 30.24%. أي إن مقابل كل طبيبة تقريبًا يوجد طبيبان من الذكور. وتصبح هذه الفجوة واضحة عند النظر إلى الاختصاصات الجراحية دون سواها.

ففي اختصاصات جراحية متنوعة، مثل الجراحة العامة، وجراحة الأطفال، وجراحة الجملة العصبية (جراحات المخ والأعصاب)، وجراحة القلب، وجراحة العظام، بلغ عدد الأطباء الذكور 382 طبيبًا مقابل 32 طبيبة فقط. وبذلك يستحوذ الرجال على 92.27% من العاملين في هذه الاختصاصات، مقابل 7.73% للطبيبات. أي إن كل طبيبة تعمل في هذه الاختصاصات يقابلها تقريبًا 12 طبيبًا من الذكور.

ويمكننا القول بثقة إن الفجوة التي لاحظناها في الأرقام العامة تعود بشكل كبير إلى هذه التخصصات؛ فالتخصصات غير الجراحية — كعيادات التغذية، اطفال، طب اسنان وطب الأسرة — يبدو التوزيع الجندري فيها أقرب إلى المساواة، ما يطرح سؤالًا عن سبب صعوبة طريق «مشرط الجراحة» على النساء في المحافظة دون الرجال.

فقد بلغ عدد الطبيبات في التخصصات غير الجراحية 268 طبيبة مقابل 310 طبيبًا، وتتنوع هذه الاختصاصات من طب الأسرة، والنسائية والتوليد، وطب الأطفال، إلى تخصصات الطب الباطني، وعلاج الأورام، وعلم وظائف الأعضاء، بل وأظهرت البيانات المرصودة لعدة سنوات في اختصاصات كطب الأسرة مثلاً أن نسبة الإناث بلغت 60.87%، مقابل 39.13% للذكور، أن النساء غالبات في هذا التخصص.

هذا التقارب خارج الجراحة يعزّز افتراض أن المشكلة لا تتعلق بدخول النساء إلى الطب عمومًا، إلا أن هذا التحليل لا يخبرنا بشكل واضح لماذا توجد هذه الفجوة بهذه النسبة الكبيرة في التخصصات الجراحية لاغيرها، لكن كلمات لبنى قد ترسم وضعاً عامة يشرح الكثير، والذي، كما ذكرنا على لسانها سابقاً، يبدأ بالبيئة غذر المشجّعة، ويصل إلى غياب الحماية للجراحين بشكل عام في المؤسسات الطبية ضد دعاوى الأخطاء الطبية، الأمر الذي ينعكس على النساء بشكل أكبر، في ظل مواجهتهن للعديد من الأفكار التي تربط بين جنسهن وانعدام الكفاءة، كما تخبرنا لبنى والعديد من الطبيبات التي تحدثت لمعدة التحقيق

تقول لبنى: «إذا توفي المريض، ففي بعض الأحيان يعتدي ذوي المريض على الطبيب أو يهددونه أو يسيئون إليه، وفي الواقع لا أرى وجود إجراءات صارمة تحمي الكادر الطبي. فالمؤسسة الحكومية أحيانًا تنسحب من القضية وتترك الطبيب يواجه المشكلة وحده، وهذا يولّد شعورًا بالخوف وانعدام الأمان. بالنسبة لي، كان هذا سببًا إضافيًا دفعني إلى الابتعاد عن الاختصاصات الجراحية، لأن المسؤولية كبيرة، لكن الحماية والدعم من المؤسسة ضعيفان »

الفجوة الجندرية في التخصصات الجراحية لها أبعاد عالمية، فوثّقت دراسة نُشرت في مجلة European Journal of Surgery، شملت دولًا مرتفعة الدخل كالولايات المتحدة والنمسا وسويسرا وفرنسا وإسبانيا، أن زيادة أعداد خريجات كليات الطب لم تنعكس بشكل متناسب على الاختصاصات الجراحية؛ إذ لا تزال المرأة ممثَّلة بنسب منخفضة في غرف العمليات مقارنة بالرجال، ما يجعل التساؤل أهمّ في البلدان الأقل دخلًا كالعراق.

وتتقاطع هذه الصورة مع أقرب دراسة إقليمية إلى واقعنا. ففي لبنان، وهو بلد يتقدّم على العراق في مؤشرات المساواة، أظهرت دراسة نُشرت عام 2022 وشملت بيانات 15,429 طبيبًا أن النساء يشكّلن 21.8% من مجموع الأطباء، لكن نصيبهنّ من الجرّاحين لا يتجاوز 2.3% (65 جرّاحة فقط) — وهو أدنى تمثيل نسائي في المجالات الطبية كافة.

التخصص الجراحي

عدد الطبيبات

النسبة

جراحة التجميل والترميم

12

7.1%

الأنف والأذن والحنجرة

19

4.7%

الجراحة العامة

19

2.1%

جراحة القلب والصدر والأوعية

3

2.4%

جراحة العظام

9

1.6%

جراحة المسالك البولية

3

0.8%

جراحة الأعصاب

0

0%

جراحة الأوعية الدموية

0

0%

جراحة الأورام

0

0%

توزيع الطبيبات في التخصصات الجراحية في لبنان — دراسة الجامعة اللبنانية، 2021.

وحين ننتقل من لبنان إلى العراق تزداد الصورة قتامة. فبحسب تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام   2021 وهي آخر سنة تم فيها الإشارة إلى العراق، بسبب نقص البيانات الرسمية المحدثة والمنظمة المطلوبة لتغطية المحاور الأربعة للمؤشر، جاء العراق في المرتبة 154 من أصل 156 دولة، خلف سوريا (152) وقبل اليمن (155)، في حين كانت الإمارات الدولة العربية الوحيدة في النصف الأعلى (المرتبة 72 ). فجوة الجراحة في نينوى، إذن، ليست شذوذًا محليًا، بل امتداد لبنية إقليمية تتقاطع فيها الأعراف مع هشاشة المؤسسات.

تلك الهشاشة لم تكن في قصة رشا وحدها، فـ«زهراء»، اسم مستعار لطبيبة تبلغ 35 عامًا وتعمل في مستشفى ابن سينا في الموصل ضمن التخدير والعناية المركزة، كانت تحلم بالجراحة العامة منذ سنوات الدراسة. تقول إنها أحبّت الجراحة منذ دراستها لموادها في كلية الطب، وكانت تحصل فيها على درجات عالية، ولم تجد صعوبة في فهمها.

بعد تخرجها، بدأت الصعوبات تظهر من مكان لم تتوقعه. تروي أن بعض المرضى كانوا يرفضون أن تُجري لهم الفحص لأنها طبيبة، ويطلبون طبيبًا رجلًا حصرًا، لا سيما في الحالات التي تتطلب فحصًا مباشرًا أو التعامل مع مناطق حساسة. ولم يقتصر الأمر على رفض بعض المرضى، بل امتد إلى ضغوط وانتقادات من المحيط المهني والاجتماعي، انعكست على حالتها النفسية.

«الطبيبة تُستنزف نفسيًا… وتُحارَب من جميع الجهات.»

وتؤكد أن النظرة الرافضة لوجود الطبيبات في الجراحة العامة تتجاهل طبيعة العمل الطبي، موضحةً: «كما يحتاج المرضى الرجال إلى طبيب لفحصهم، تحتاج المريضات أيضًا إلى طبيبة تفحصهن. ولو كان هناك اختصاص في الجراحة العامة مخصص للنساء فقط وآخر مخصص للرجال فقط، لكان ذلك منطقيًا، لكن هذا التقسيم غير موجود في الواقع.»

تعمل زهراء اليوم في التخدير والعناية المركزة، وهو اختصاص لا يقلّ صعوبة وحساسية عن الجراحة العامة ويرتبط بالعمليات والطوارئ، لكنه لا يضعها في مواجهة مباشرة مع مرضى قد يرفضون أن تفحصهم، أو زملاء غير متقبّلين لعملها.

تقول إنها «قبل توزيع الاختصاصات بحثت وسألت الزملاء والزميلات وأهل الاختصاص»، وتضيف: «أكثر من 90% رفضوا أن أتخصص في الجراحة.» لم يكن السبب ضعف قدراتها، بل لأن المجتمع — كما قيل لها — لا يتقبّل بسهولة وجود طبيبة في هذا النوع من الاختصاصات، خصوصًا عند فحص الرجال أو التعامل مع حالات حساسة.

وحين سألناها: لو عاد بكِ الزمن، هل كنتِ ستختارين الجراحة؟ أجابت بوضوح: «في العراق لا، لكن في بلد آخر ربما.»

فجوة في الأعداد.. وفي التوزّع الجغرافي

لا يقتصر التفاوت على الاختصاصات، بل يظهر أيضًا في التوزيع الجغرافي للعيادات الطبية داخل محافظة نينوى. فقد أظهر الرصد أن أحياء محددة تستقطب العدد الأكبر من الأطباء والطبيبات، مع بقاء الفجوة العددية واضحة عبر الأحياء.

في مقدمة الأحياء حي المصارف بـ168 طبيبًا، نحو خُمسهم فقط من الطبيبات، يليه حي المثنى بـ155 طبيبًا ونحو الربع منهم إناث. وفي المقابل بدت بعض الأحياء أكثر تقاربًا بين الجنسين، مثل حي الزهور الذي سجّل 35 طبيبًا نحو نصفهم إناث، وحي السكر الذي سجّل 20 طبيبًا، وهو من بين الاحياء القليلة التي فاق فيها عدد الطبيبات على الأطباء.

وتشترك المناطق الأكثر كثافة بالعيادات في أن أغلب سكانها من ذوي الدخول المرتفعة، مقارنة بالمناطق الأقل كثافة. والمثير أن التمكين الاقتصادي — الذي يتيح عادةً للنساء فرصًا أكبر لمهام تتطلب ساعات طويلة خارج المنزل — لم ينعكس على الفجوة بين عيادات الأطباء والطبيبات في تلك المناطق، ما يشير إلى وجود أسباب أخرى حاسمة في خلق هذه الفجوات.

وعلى مستوى الاختصاصات الجراحية، يتركّز العدد الأكبر من الجرّاحين في حي المصارف، يليه المثنى، ثم البريد، والبعث، والموصل الجديدة. ما يعكس أن الفجوة لا ترتبط بالجنس فقط، بل أيضًا بتوزيع الخدمات الطبية المتخصصة داخل مناطق المحافظة.

ما وراء قرار الابتعاد

أسباب كل من لبنى وزهراء للابتعاد عن التخصصات الجراحية تشرح جزءاً من صورة عامة نستطيع رؤية انعكاسها في قصة رشا، ولكن أيضاً على مستوى استجابات 136 طبيبة لاستبيان إلكتروني وُزّع على طبيبات من مختلف الاختصاصات في نينوى في عدة مجموعات تواصل تجمعهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تضمّن الاستبيان أسئلة عن الخصائص الديموغرافية، والاختصاص الحالي، والاهتمام السابق بالجراحة، والعوامل المؤثرة في اختيار الاختصاص، والتحديات التي قد تحدّ من توجّه الطبيبات نحو الاختصاصات الجراحية.

أظهرت النتائج أن 39%  من المستجيبات فكرن سابقًا باختيار اختصاص جراحي، وعند السؤال عن الاختصاص الذي اخترنه فعليًا وجدنا أن 4.41 % فقط من كامل العينة اخترن أحد الاختصاصات الجراحية، أي 6 طبيبات من أصل 136.

أما الباقيات فتنوّعت تخصصاتهنّ بين مجالات غير جراحية، في مقدمتها طب الأسرة بـ56%، تلاه طب الأطفال والنسائية والتوليد بواقع 6.15% لكل منهما، ثم الصيدلة بـ5.38%، فيما توزّعت البقية على الأشعة والتخدير والجلدية وطب المجتمع والطب النفسي وطب الأسنان وغيرها. وتتوافق هذه النتائج مع تحليلنا لبيانات تطبيق «طبيب» وبعض الأرقام المتفرقة التي استطعنا الحصول عليها من خلال النقابة لتوزيع الأطباء بحسب الجنس في تخصصات الجراحات الصدرية وجراحات الأعصاب.

عند سؤال الطبيبات عن أسباب عدم اختيار الاختصاصات الجراحية، جاءت صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة في المقدمة بـ33.8%، تلتها عدم الرغبة الشخصية بـ21.5%، ثم أسباب تتعلق بطبيعة العمل والتدريب كالمسؤولية العالية وطول ساعات العمل (15.38% لكل منهما)، وضغوط المناوبات والخفارات بنحو 8.46%.

وعند السؤال عن أكبر عائق، اعتبرت 48.46% الالتزامات العائلية العائق الأكبر، بينما رأت 44.62% أن طبيعة العمل هي العائق الأكبر.

تكشف هذه الأرقام أن القرار لا يرتبط غالبًا بسبب واحد. فالطبيبة لا تبتعد عن الجراحة لأنها لا تستطيع بالضرورة، بل لأنها تجد نفسها أمام معادلة صعبة: اختصاص مرهق، مناوبات طويلة، مسؤولية عالية، وأسرة تحتاج إلى حضورها. للوهلة الأولى، قد نجد في هذه الإجابات عوائق تقليدية تراها النساء في بلدان عدة عند التخصص في مهنة دقيقة كالجراحة.

وعلى مستوى القوانين وصياغتها، لانجد ما يشير إلى وجود تمييز سلبي ممنهج ضد النساء الراغبات في سلوك هذا الطريق، إلا أن المستجيبات للاستبيان يظهرن وجهاً آخر للمعادلة في إجابتهن عن الأسئلة المرتبطة بطبيعة برنامج التدريب للتخصص.

فعند سؤال 130 طبيبة لم يخترن تخصص الجراح عمّا إذا كانت الفرص متساوية بين الأطباء والطبيبات في الالتحاق والتقدّم داخل الاختصاصات الجراحية، أجابت 43.85% بـ«لا»، ورأت 40.77% أنها متساوية «إلى حد ما»، مقابل 14.62% فقط اعتبرن الفرص متساوية (استُبعدت إجابات 6 طبيبات من ذوات الاختصاص الجراحي، واقتصر التحليل على 130 مشاركة).

وعند سؤال المستجيبات اللاتي رأين انعداماً في المساواة، سواء بشكل كامل أو جزئي اجابت 44 طبيبة فقط سببًا فعليًا وراء اعتقادهن بعدم المساواة بين الرجال والنساء في البرنامج، من بين 130 طبيبة لم يخترن الاختصاصات الجراحية. ، جاءت النظرة المجتمعية السائدة وتفضيل الذكور الجراحين على الإناث الجراحات أولًا بنسبة 53.49%، ثم الالتزامات العائلية والحياتية 13.95%، ثم ضعف الدعم المقدَّم للطبيبات 11.63%، وأخيرًا ضغط العمل والمسؤولية 9.30%. أي أن السبب الأول وراء شعورهن بانعدام المساواة مرتبط بالبيئة المحيطة بالعمل، لا بالعمل نفسه.

هنا تظهر المفارقة: تمنح القوانين العراقية الخاصة بالتسجيل للبرنامج المساواة بين الجنسين، لكن الواقع اليومي يكشف غياب العدالة وتكافؤ الفرص الحقيقي. فالطبيبة تدخل الامتحان نفسه، وساعات التدريب نفسها، لكنها غالبًا تحمل خارج المستشفى أعباءً إضافية لا يحملها الطبيب الرجل، تُخرجها رغمًا عنها خارج السباق إلى مشرط الجراحة.

خارج غرفة العمليات

تتضح المفارقة أكثر عند النظر إلى الطرف الآخر من الطيف. فبحسب تصريح الدكتورة ولاء فتحي الجبوري ممثل جمعية أطباء الأسرة العراقية  في نينوى، تكاد النسبة تنقلب رأسًا على عقب في طب الأسرة، حيث تشكّل النساء الغالبية الساحقة حسب اعتقادها  — نحو 93% مقابل 7% من الرجال.

والسبب، كما توضح، «عوائق اجتماعية بالدرجة الأولى»؛ فالطبيبة تفكّر — قبل الزواج وبعده — في أن التخصصات الجراحية تعني ارتباطًا أطول بالمستشفى وخفارات ليلية تُربك حياة الأسرة، في ظل غياب الحضانات المسائية والليلية، وهي واحدة من حقوق العاملات المتفق على أهميتها في قوانين العمل في دول مختلفة. فإن لم تجد عائلة تسندها في رعاية أطفالها، «تضطر لترك حلمها والذهاب إلى فرع كطب الأسرة، لأنه لا خفارات فيه، والدوام صباحي فقط».

وتضيف بصراحة لافتة أن ما يُقدَّم أحيانًا من «تسهيل» — كوضع الطبيبات في الشيفت الصباحي — ليس مراعاةً لظروفهنّ، بل لمصلحة الأطباء الرجال الذين يفضّلون العمل المسائي لانشغالهم نهارًا بأعمال أخرى. «المشكلة في مؤسساتنا، حكومية كانت أو أهلية، أنها لا تمنح الطبيبة أي استثناء عدا إجازة الأمومة»، تقول، «ولو وُجدت تسهيلات مركزية لكان وضع المستشفيات أفضل.»

وتلخّص الدكتورة ولاء المفارقة بعبارة واحدة حين سُئلت عمّا إذا كان الأطباء والطبيبات متساوين في ساعات التدريب وتوزيع الاختصاصات: «متساوون تمامًا… يوجد مساواة، ولكن لا توجد عدالة.» فالطبيبة، كما تقول، تُعامل «حالها من حال الطبيب» من دون أي مراعاة لظروفها؛ لا تُرفع عنها خفارة ولا يُخفَّف عنها دوام، وإذا طلبت الخروج لأن ابنها مريض «الجميع يقف ضدها… وتبقى دائمًا متهمة حتى يثبت العكس » وتتهم  بأنها تختلق الأعذار للحصول على إجازة. حتى ساعة الرضاعة، التي كانت تتيح للطبيبة العودة إلى بيتها لإرضاع طفلها ثم الرجوع إلى عملها، لم تعد متأكدة إن كانت لا تزال معمولًا بها اليوم.

وتصف واقع المستشفيات بأن أغلبها يعمل في مواقع بديلة، و«دار الطبيبات متهالك جدًا وصغير لا يكفي لأعدادهنّ»، من دون حضانة تضع فيها الطبيبة أطفالها، ولا أي مرافق تعينها على التخصص في الاختصاصات الجراحية.

أما عن ثقة المرضى، فترى الدكتورة ولاء أن هذا الكلام «ممكن كان صحيحًا قبل 20 سنة»؛ فاليوم أثبتت الطبيبات أنفسهنّ، وصارت هناك طبيبات كفوءات يثق بهنّ المرضى. المشكلة، برأيها، في «العقل المجتمعي»: فالمجتمع في المحافظة — والمجتمع الطبي خصوصًا — «يحاول أن يكسر بالسيدة» ولا يريد منحها فرصة، وكأن نجاحها دوسٌ على رجولة الآخرين؛ وتضرب مثلًا بنظرة البعض إلى مجرد امرأة تقود سيارتها في الشارع، «فتخيّلي كيف سيكون الأمر في سلك العمل، وخاصة السلك الطبي». ومع ذلك، ترى أن الأمور بدأت تتحسّن قليلًا — لكن ببطء شديد: «نحتاج مو 20 سنة… لا، 40 سنة أخرى حتى تتحسن الأمور شوية.»

«دائمًا محاربات، في أي مكان. حتى لو أثبتت المرأة أنها أفضل من عشرة رجال، تبقى في نظرهم الدرجة الثانية.»

ثقة المرضى.. العائق الخفي

على الرغم من إنكار الدكتورة ولاء لعامل ثقة المرضى في الطبيبات الإناث كأحد العوامل التي تمنع تخصص النساء في هذا المحل، إلا أن من أبرز ما أظهره الاستبيان أن ثقة المرضى مازالت تمثلً عاملًا مؤثرًا في تصوّر الطبيبات لمستقبلهنّ داخل الجراحة، في تشابه كبير مع المعضلة التي واجهت زهراء.

فعند سؤال المشاركات الـ 130 اللاتي لم يخترت تخصصاً جراحياً عمّا إذا كنّ يعتقدن أن ثقة المرضى بالأطباء الذكور أعلى من ثقتهم بالطبيبات، أجابت 56.15% (73 طبيبة) بـ«نعم»، ورأت 33.08% أن ذلك يحدث «إلى حد ما»، مقابل 10.77% فقط أجبن بـ«لا».

وعندما طلبنا منهن تفسير اختيارهن، تمحورت معظم الإجابات حول نظرة المجتمع إلى المرأة؛ فبعض المرضى، كما ترى المشاركات، ينظرون إلى الطبيبة على أنها أقل قدرة أو جرأة من الطبيب، خاصة في الجراحة. وترتبط الثقة بالرجل، في نظر البعض، بتصورات تقليدية عن القوة البدنية والقدرة على التحمل والتفرّغ، إضافة إلى وجود العديد من أسماء الجرّاحين المعروفين من الرجال.

هذا الحاجز لا يظهر في التعليمات الرسمية، لكنه يظهر في غرفة الفحص، وفي الممرات، وفي كلام المرضى وذويهم، وفي المقارنات اليومية التي قد تلاحق الطبيبة منذ بداية تدريبها. أسباب لم تحُل بين زهراء فقط وحلمها، بل بين عشرات الطبيبات.

وهو الحاجز نفسه الذي اصطدم بحلم لبنى منذ البداية. فجراحة الأعصاب، في نظر المجتمع من حولها، ظلّت ملعبًا يُقال إنه أنسب للرجال؛ وكانت تدرك أن كثيرًا من المرضى، لو خُيّروا بينها وبين طبيب، لاختاروا الطبيب — لا لأنها أقل كفاءة، بل لأن الثقة، في المخيّلة السائدة، تُمنح للرجل. انعدام الثقة لا يقتصر فقط على المرضى، بحسب شهادات الطبيبات لمعدة التحقيق، بس يصل إلى النظام نفسه الذي يتبرع بتأكيد الأمر للطبيبات بصور مختلفة

التميّز في المجال الجراحي لا يكفي

إن كانت قصة إسراء تحكي عن حلم أُجهض قبل أن يبدأ، فإن قصة الدكتورة رشا، اختصاصية جراحة الجملة العصبية، تكشف ما ينتظر الطبيبة حين تُصرّ على المضي حتى النهاية.

حصلت الدكتورة رشا عبد الحافظ اليوزبكي على المركز الأول في امتحان البورد العربي، وأصبحت اخصائية أواخر عام 2022. وبحسب إحصاءاتها الرسمية، سجّلت أعلى عدد عمليات في المستشفيات الحكومية بفرعها: 286 عملية عام 2023، وارتفع العدد إلى نحو 300 عملية عام 2025. لكن هذا التفوّق، بدل أن يُكافأ، تحوّل إلى مشكلة؛ فبعد أن تصدّرت الأرقام، تقول إن رئاسة القسم أصدرت كتابًا رسميًا يمنع الاختصاصي من إجراء أكثر من خمس عمليات في اليوم، «بعد أن كنت أُدخل تسعة أو عشرة مرضى ضمن الدوام الرسمي».

ولا تتوقف روايتها عند الأرقام. فحين دخلت في خلاف مهني مع كادر التمريض داخل صالة العمليات وصل إلى تقديمها شكوى رسمية، تقول إن الإدارة اصطفّت ضدها لا معها، وإن «مطالعاتها» كانت تُسحب أو تُلغى. بل تروي أنها تلقّت، على خلفية شكواها، تلويحًا بنقلها إلى مستشفى فرعي جديد بلا أجهزة ولا طوارئ، في ما اعتبرته محاولة لتعطيل عملها. وحتى قرار نقلها إلى ملاك التعليم — الموافق عليه، بحسب قولها، من وزارتي التعليم العالي والصحة — بقي معلّقًا نحو عامين بذريعة عدم إقرار الموازنة.

ولا يقف الانحياز عند صالات العمليات، بل يمتد — بحسب روايتها — إلى فرص التدريب نفسها. فالدورات التدريبية المهمة التي توفدها الوزارة على حسابها، وبعضها إلى أوروبا، لا يُبلَّغ بها الجميع: «لو كانت هناك أمور مفيدة ومتاحة للجميع، لتم الإعلان عنها بوضوح. لكننا لا نسمع عنها إلا عندما نرى أحد الأطباء قد أُوفد إلى دورة تدريبية على نفقة الوزارة»، بينما لا يُعلَن للكل إلا عن الدورات التي تصفها بأنها «تافهة لا نحتاجها أصلًا»، أو تلك التي يخرج إليها الأطباء على نفقتهم الخاصة.

وتروي واقعة أخرى دالّة على الانحياز ذاته: حين أصرّت وكيل مدير الصحة آنذاك على أن تضم اللجنة الاستشارية للفرع طبيبة — وفي جراحة الأعصاب أربع أو خمس اختصاصيات — جرى ضمّ الدكتورة رشا إليها فعلًا، فما كان من الأطباء إلا أن اشتكوا إلى الدائرة حتى أُخرجت من اللجنة.

هذه ليست شهادة عن «نظرة مجتمعية» فحسب، بل عن قرارات وكتب رسمية وإجراءات إدارية توثّق كيف يمكن للمؤسسة نفسها أن تتحوّل إلى عائق أمام الطبيبة الأكثر إنتاجًا في فرعها.

وتتردّد الرواية نفسها على لسان طبيبات أصغر سنًا. تقول زهراء، إنها بعد أن شاركت في معالجة حالة طارئة مستقرة على أكمل وجه، سمعت أحد الأطباء يصفها أمام الزملاء بأنها «مترددة ولا تُحسن التعامل مع الحالات الجراحية»، وإن الحالات المهمة كانت تُمنح للطبيب الرجل «حتى يتعلم أكثر»، بينما تُترك للطبيبات الأعمال البسيطة، وإن زملاءها كانوا يعيدون فحص مرضاها للتأكد. «جعلني ذلك أدرك أن المشكلة ليست في قدرت»، تقول، «بل  كوني طبيبة تريد دخول مجال يعتبره البعض للرجال فقط.»

طبيب رجل يشهد على الفجوة وأسبابها

الدكتور إسماعيل داؤد إسماعيل، الذي عمل رئيسًا لقسم الطب الباطني في جامعة الموصل بين عامي 2016 و2020، يشير إلى أن الفجوة كانت واضحة منذ سنوات في عدد من الاختصاصات.

بحسب شهادته، كان قسم الطب الباطني في فترة سابقة يضم 36 طبيبًا مقابل طبيبة واحدة في المفاصل، فيما كانت الأمراض النفسية تضم طبيبتين بلا أطباء ذكور، والأمراض الجلدية طبيبتين وطبيبًا واحدًا. وفي الجراحة، بحسب معلوماته، كان عدد الطبيبات يتراوح بين واحدة واثنتين فقط، مقابل نحو 40 طبيبًا أو أكثر.

ويرى الدكتور إسماعيل أن التحديات التي تحدّ من دخول الطبيبات إلى الاختصاصات الجراحية ليست عاملًا واحدًا، بل مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمتها الالتزامات العائلية ورعاية الأطفال وأعمال البيت، إضافة إلى صعوبة الاختصاصات الجراحية وما تتطلبه من قوة نفسية وبدنية. كما يشير إلى أن بعض النساء يفضّلن اختصاصات أقل احتكاكًا بمشكلات المرضى وذويهم، أو أقل مسؤولية مباشرة من الجراحة.

نقابة أطباء نينوى: لا منع رسمي… لكن التدريب شاق

في المقابل، تقدّم تصريحات نقابة أطباء نينوى زاوية أخرى للصورة. فبحسب التصريحات المنسوبة إلى النقابة، ممثلةً بالدكتور محمد سليمان الحوري والدكتور إبراهيم حافظ المعاضيدي، لا يوجد سبب رسمي يمنع الطبيبات من دخول أقسام الجراحة، ولا معوقات قانونية تحول دون تقديمهنّ لهذه الاختصاصات؛ فاختيار الاختصاص، من وجهة نظر النقابة، يعود بالأساس إلى رغبة كل طبيب أو طبيبة.

لكن النقابة تُقرّ في الوقت نفسه بأن طبيعة التدريب والدوام في هذه الاختصاصات متعبة، خاصة مع ساعات العمل الطويلة والعمليات التي قد تستغرق أكثر من خمس ساعات أحيانًا. وتؤكد أن متطلبات البورد العراقي أو العربي واحدة للجنسين، إذ يجب إكمال ساعات التدريب وجداوله وفق المنهاج، واجتياز الامتحانات، من دون فرق رسمي بين الذكور والإناث.

وتؤكد وثائق المجلس العراقي للاختصاصات الطبية أن التدريب الجراحي يمثّل تحدياً، خاصة مع عدم وجود بنية تحتية تساعد الطبيبات على أداء واجباتهن الاجتماعية (كالحضانات) أو بيئة داعمة (كزملاء متعاونين أو مرضى يرفضن التعامل معهن).

منهاج البورد في الجراحة العامة (2024–2025) برنامج إقامة يمتد خمس سنوات، موزّعة على مقررات متتابعة تشمل العلوم الجراحية الأساسية، والرضوض والجراحة الطارئة والعناية المركزة، وجراحة العظام والأوعية والصدر والمسالك والتجميل، وصولًا إلى جراحة الجهاز الهضمي والكبد والثدي، مع خفارات مكثّفة وامتحانات موحّدة. التحدي نفسه يواجهه الطبيب الرجل؛ الفارق ليس في المنهاج، بل في ما يحيط به من ظروف تجعل كلفة السنوات الخمس على الطبيبة أثقل.

هذا الموقف يفتح سؤالًا في صلب التحقيق: هل تكفي المساواة القانونية لتحقيق العدالة الفعلية؟

تدعم نتائج الاستبيان هذا الاستنتاج. فعند تقييم نظام العمل الحالي، قالت 58.46% من أصل 130 طبيبة أجبن على الأسئلة المرتبطة بطبيعة العمل في الجراحة، إنه يقوم على المساواة بين الأطباء والطبيبات دون مراعاة الظروف الخاصة كالأمومة والالتزامات العائلية، ورأت 36.15% أنه غير عادل للطبيبات، مقابل 5.38% فقط اعتبرنه عادلًا. وعند السؤال عن ساعات العمل والخفارات، أجابت 83.08% بأن النظام الحالي لا يراعي ظروف الطبيبات، مقابل 13.85% قلن إنه يراعيها إلى حد ما، و2.31% فقط أجبن بـ«نعم».

كما أظهرت النتائج أن الالتزامات العائلية، كالأمومة ورعاية الأطفال، تؤثر بشكل كبير في اختيار الاختصاص؛ إذ أجابت 81.54% بأنها تؤثر بشكل كبير، ورأت 18.46% أنها تؤثر إلى حد ما. وهذه النتائج تضع ما وضحته الدكتور آلاء حول عدم وجود الحضانات من أكبر جوانب التمييز الممنهج الذي تعاني منه الطبيبات ويمنعهن من الاختصاص في الجراحة.

بيئة تشريعية لا تُنصف الطبيبة

رسمت شهادات الطبيبات والبيانات لمعدة التحقيق صورة البيئة الاجتماعية والمؤسسية التي تعيش فيها الطبيبة العراقية التي ترغب في التخصص في إحدى مجالات الجراحية، إلا أن الوثائق القانونية تكشف طبقة أعمق نادرًا ما يُلتفت إليها. فالمنظومة القانونية العراقية تتضمّن نصوصًا تُضعف موقف الطبيبة المهني والاجتماعي بشكل مباشر أو غير مباشر.

فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 يمنح في المادة (41) ما يسمى «حق التأديب» للزوج تجاه زوجته، وهو نصّ يكرّس التبعية ويحدّ من استقلالية الطبيبة في قرارات مثل الخفارات الليلية أو السفر للتدريب الجراحي المكثّف. كما أن المادة (409) من القانون نفسه، بمنحها أعذارًا مخفّفة في ما يُعرف بجرائم الشرف، تُنشئ بيئة غير آمنة للطبيبات في مجتمعات محافظة، حيث قد يتعرّضن للوصم أو التهديد لمجرّد طبيعة عمل تتطلب الاختلاط أو الدوام المتأخر. [1]

وفي المقابل، يمثّل قانون حماية الأطباء رقم 26 لسنة 2013 خطوة إيجابية بتجريمه المطالبات العشائرية في المادتين (1) و(5)، لكن الواقع العملي يكشف فجوة واسعة في التطبيق. فالطبيبات الجرّاحات يعانين من غياب الحماية الفعلية أمام «الفصل العشائري»؛ إذ تجد الطبيبة نفسها وحيدة في مواجهة تهديدات عشائرية عند حدوث أي مضاعفة طبية، ما قد يدفعها إلى ترك الاختصاص أو دفع تسويات مالية خارج إطار القانون. [2]

أما نظام الخفارات الجديد الذي أقرّته وزارة الصحة عام 2025، والقائم على ثلاث نوبات عمل، فلم يراعِ الخصوصية الأمنية والاجتماعية للطبيبات في نينوى؛ فغياب السكن الآمن داخل المستشفيات وصعوبة التنقل ليلًا في مناطق معينة يجعلان منه عبئًا إضافيًا بدل أن يكون أداة عدالة في توزيع العمل. وهو الأمر الذي أشارت إليه الطبيبة آلاء في شهادتها لمعدة التحقيق حول حالة “دار الطبيبات”.

هنا تكتمل الصورة التي بدأتها الأرقام: الفجوة ليست حصيلة «نظرة مجتمعية» مجرّدة، بل تقاطعٌ بين أعرافٍ اجتماعية، ومؤسسةٍ لا تُراعي، وقانونٍ يُضعف الطبيبة حين لا يحميها.

الفجوة ليست قدرًا

هذه البنية ليست حتمية. ففي دول الخليج والتي تتشابه مع العراق في طبيعة مجتمعاتها المحافظة وهيكلها المتأثر بعناصر مثل القبلية، تتراجع الفجوة بوضوح: بلغت نسبة النساء بين أطباء الإقامة في الجراحة 63% في عُمان، و39% في البحرين، و27% في السعودية، فيما أسّست الكويت عام 2018 أول تجمّع نسائي جراحي في المنطقة باسم «رابطة جرّاحات الكويت». التحسّن، حيثما وُجد، رافقه فعلٌ مؤسسي. الأمر الذي تعكسه إجابات الطبيبان على الاستبيان الذي وزعته معدة التحقيق، خاصة على أسئلة حول شكل التشجيع المطلوب لزيادة أعداد الجراحات في المحافظة.

عند سؤال الطبيبات (130 طبيبة لم يخترن تخصص جراحي، من أصل 136 طبيبة استجبن للاستبيان) عن العوامل التي قد تشجّعهنّ على الالتحاق بالاختصاصات الجراحية، جاءت الحوافز المالية في المقدمة بـ34.62%، تلتها بيئة العمل الأفضل بـ26.92%، ثم ساعات العمل الأكثر مرونة بـ17.69%، والدعم المؤسسي الأكبر بـ16.15%، إضافة إلى إجابات متفرقة كالرغبة ومساعدة المريضات.

وعند سؤالهن عن مقترحات لتحسين بيئة العمل، كان المقترح الأوضح في إجابات المشاركات كان توفير حضانة أو مركز لرعاية الأطفال داخل المستشفى يعمل على مدار 24 ساعة، بما يساعد الطبيبات — خاصة أثناء المناوبات والخفارات الليلية — على التوفيق بين مسؤولياتهنّ المهنية والأسرية.

وتتقاطع هذه المقترحات مع ما طرحه الدكتور إسماعيل من حلول، مثل تشجيع الطبيبات على دخول الاختصاصات الدقيقة، وتوسيع فرص التدريب — خصوصًا الجراحة الناظورية — ودعم مشاركتهنّ في المؤتمرات والندوات، وتطبيق القوانين التي تحميهنّ من التجاوزات، ورفع وعي المجتمع بدور المرأة في الاختصاصات الجراحية.

وتضيف الوثائق القانونية بعدًا آخر: أن أي إصلاح فعلي يمرّ أيضًا بمراجعة النصوص التي تُضعف موقف الطبيبة، وبتفعيل الحماية أمام «الفصل العشائري»، وبتصميم نظام خفارات يراعي أمنها وسكنها وتنقلها.

وتلتقي هذه الحلول مع ما تطرحه الدكتورة ولاء الجبوري، التي ترى أن أي تغيير حقيقي يبدأ من جعل التسهيلات «مركزية» لا اجتهادات فردية: حضانات مسائية وليلية داخل المستشفيات، وسكن لائق للطبيبات يتسع لأعدادهنّ، ومراعاة فعلية لظروف الطبيبة في توزيع الخفارات — فالمساواة الشكلية في التعليمات، كما تقول، لا تصنع عدالة.

عودة إلى حلم لبنى غير المكتمل

في نهاية هذا التحقيق، نعود إلى حيث بدأنا: إلى لبنى، الطفلة التي رأت يدَي معلمتها ترتجفان فقرّرت أن تصبح جرّاحة أعصاب. حين تستعيد اليوم ما رأته وسمعته في الطريق إلى الحلم، تروي بلهجتها، من دون تجميل، كيف انطفأ الحماس شيئًا فشيئًا.

تقول لبنى إن القوانين قد تكون متساوية في القبول والامتحان، لكن غياب المرونة ومراعاة ظروف الطبيبات يجعل المنافسة أصعب. لم تكن المشكلة يومًا في قدراتها، بل في البيئة المحيطة: نظرة المجتمع، وضغط الوقت، وطبيعة العمل، وقلة المراعاة للمسؤوليات العائلية.

اليوم تمارس لبنى طب الأسنان، بينما بقيت جراحة الأعصاب حلمًا مؤجلًا — واحدًا من أحلامٍ كثيرة أُجّلت في نينوى، ووراء كلٍّ منها طبيبة لم تصل إلى غرفة العمليات التي رأت نفسها فيها.

ما تكشفه البيانات والشهادات والتصريحات والوثائق أن عزوف الطبيبات عن الاختصاصات الجراحية الدقيقة لا يمكن تفسيره بالرغبة الشخصية وحدها. فهناك طبيبات أحببن الجراحة، وتفوّقن في موادها، وبعضهنّ كنّ قريبات جدًا من هذا الطريق — بل بلغته إحداهنّ وتصدّرت أرقامه — لكنهنّ تراجعن، أو حوصرن، أمام واقع أكثر تعقيدًا من قرار فردي.

الطبيب الرجل يواجه صعوبة الاختصاص، أما الطبيبة فتواجه صعوبة الاختصاص مضافًا إليها أسئلة أخرى: هل سيقبل المرضى بها؟ هل ستوفّق بين الخفارات والأسرة؟ هل ستجد دعمًا داخل بيئة التدريب؟ هل سيتقبّل الزوج أو الأهل طبيعة العمل؟ وهل ستمنحها المؤسسة الصحية فرصة عادلة، لا على الورق فقط بل في الواقع؟

لذلك، فإن ضعف حضور الطبيبات في الجراحة لا يعكس نقصًا في الكفاءة بقدر ما يكشف عن بيئة تحتاج إلى مراجعة. فالمساواة في شروط القبول والتدريب لا تكفي إذا لم ترافقها سياسات أكثر إنصافًا، تراعي المسؤوليات الاجتماعية والعائلية، وتحمي الطبيبة قانونيًا ومؤسسيًا.

في النهاية، لا تحتاج غرف العمليات إلى رجال أكثر بقدر ما تحتاج إلى كفاءات أكثر. والطبيبات اللواتي تركن حلم الجراحة لم يتركنه دائمًا لأنهنّ لا يردنه، بل لأن الطريق إليه لم يكن متاحًا بما يكفي.

مصادر ووثائق التحقيق

[1] قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 — المادتان (41) و(409). للاطلاع: https://www.lcrdye.org/7589

[2] قانون حماية الأطباء رقم 26 لسنة 2013 — المادتان (1) و(5). للاطلاع: https://www.sjc.iq/view.71784

[3] المرصد العراقي لحقوق الإنسان — تقرير 2022 حول أوضاع النساء في المنشآت الصحية: https://iohriq.org/ar/45-.html

[4] دراسة «تقييم الفجوة بين الجنسين في التخصصات الجراحية بين الكوادر الطبية اللبنانية»، الجامعة اللبنانية، 2021 (بيانات 15,429 طبيبًا من نقابة أطباء لبنان).

[5] تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين (Global Gender Gap Report) 2021 — المنتدى الاقتصادي العالمي.

[6] المجلس العراقي للاختصاصات الطبية — المنهاج العلمي للجراحة العامة (FIBMS/GS) 2024–2025.

[7] European Journal of Surgery؛ وأبحاث منشورة على ScienceDirect حول العوائق أمام الجرّاحات.

[8] بيانات تطبيق «طبيب» ونقابة أطباء نينوى؛ واستبيان أُجري ضمن التحقيق شمل 136 طبيبة.