علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
هناك قراءات ترى في سياسة واشنطن خلال السنوات الأخيرة سلسلة من القرارات المتناقضة. حرب تجارية مع الحلفاء. ضغط على كندا والمكسيك. اهتمام استثنائي بغرينلاند. تشدد تجاه الصين. صراع مفتوح مع إيران. ومحاولات لإعادة ترتيب العلاقة مع مصادر الطاقة في فنزويلا.
يمكن قراءة كل ملف بمفرده.
لكن جمعها في صورة واحدة يفتح احتمالاً أكثر إثارة.
ماذا لو كانت الولايات المتحدة لا تحاول الدفاع عن النظام العالمي الذي قادته خلال العقود الماضية. وإنما تعمل على إعادة تصميم الهيمنة الأمريكية بطريقة مختلفة.
هذه فرضية وليست حقيقة مثبتة. لا توجد وثيقة معلنة تقول إن واشنطن وضعت خطة متكاملة لإحراق الاقتصاد العالمي ثم إعادة بنائه تحت السيطرة الأمريكية. كما أن السياسة الأمريكية ليست مؤسسة واحدة تتحرك بعقل واحد. داخلها مؤسسات وأجهزة ومصالح وشركات ومراكز أبحاث وأجنحة سياسية تختلف أحياناً في أهدافها ووسائلها.
لكن هذا لا يلغي قيمة السؤال.
فبعض الوقائع التي كانت تبدو منفصلة بدأت تتحرك في الاتجاه نفسه. تقليل الاعتماد على الخارج. تأمين الموارد. إعادة الصناعة. السيطرة على سلاسل الإمداد. الضغط على الحلفاء. حماية التفوق المالي. وتحويل الجغرافيا الأمريكية إلى ميزة استراتيجية في عالم يزداد اضطراباً.
ربما لا تكون هناك غرفة مغلقة اجتمع فيها الجميع لرسم هذه الخريطة.
وربما تكون الخريطة نفسها تتشكل تدريجياً من مصالح مختلفة وجدت أن الظروف الدولية تخدمها.
وهنا يصبح ترامب جزءاً من القصة وليس القصة كلها.
فالمسار الذي يدفع باتجاه إعادة تعريف القوة الأمريكية أقدم من إدارة واحدة. واشنطن بدأت منذ سنوات في إعادة النظر في نموذج العولمة الذي نقل جزءاً كبيراً من الصناعة الأمريكية إلى الخارج. ثم جاءت المنافسة مع الصين لتمنح هذا التحول مبرراً استراتيجياً. وبعد الحرب في أوكرانيا أصبحت الطاقة والأمن وسلاسل الإمداد جزءاً من مفهوم الأمن القومي بصورة أكثر وضوحاً.
ما تغير مع ترامب هو اللغة والسرعة.
الولايات المتحدة تتحدث اليوم بصورة أكثر صراحة عن مصالحها المباشرة. وعن كلفة التحالفات. وعن الرسوم الجمركية. وعن الموارد. وعن الحدود. وعن ضرورة أن يدفع الآخرون ثمناً أكبر مقابل الحماية الأمريكية.
وهذا يقود إلى سؤال أكبر من ترامب.
هل تنتقل أمريكا من نموذج قيادة العالم إلى نموذج جعل العالم أكثر اعتماداً عليها.
الفرق بين النموذجين جوهري.
النظام الأمريكي القديم استفاد من عالم مفتوح. التجارة تتحرك بحرية. رأس المال يعبر الحدود. الشركات الأمريكية تستثمر في الخارج. الحلفاء يعتمدون على المظلة الأمنية الأمريكية. والدولار يقوم بدور الوسيط الأكبر في الاقتصاد العالمي.
لكن هذا النظام حمل تكلفة أيضاً.
الصناعة خرجت إلى مناطق أرخص. سلاسل الإمداد أصبحت موزعة عبر قارات متعددة. الولايات المتحدة أصبحت تعتمد على خصومها ومنافسيها في منتجات ومواد حيوية. وأصبح أمن الاقتصاد الأمريكي مرتبطاً بدرجة كبيرة باستقرار نظام دولي لا تملك واشنطن السيطرة الكاملة على كل عناصره.
الحرب التجارية مع الصين كانت إحدى علامات الانقلاب على هذا النموذج.
ثم جاءت الجائحة لتكشف هشاشة سلاسل الإمداد.
ثم جاءت حرب أوكرانيا لتجعل الطاقة والغذاء والمعادن والتكنولوجيا جزءاً من الصراع الجيوسياسي.
ثم جاءت حرب إيران لتضع مضيق هرمز في قلب المعادلة.
وهنا تبدأ الجغرافيا في الحديث.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه نقطة اختناق عالمية. ووفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. مر عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط وسوائل النفط. أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من هذه المواد.
وكانت النسبة أكثر وضوحاً في تجارة الغاز الطبيعي المسال. فقد عبر المضيق نحو 11 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال في 2024. وهو ما يعادل أكثر من خمس التجارة العالمية المنقولة بحراً من الغاز الطبيعي المسال.
هذه الأرقام تفسر لماذا لا تستطيع الأسواق التعامل مع هرمز باعتباره مشكلة إقليمية.
أي إغلاق طويل للمضيق يعني أن الصدمة ستنتقل من الخليج إلى السوق العالمية خلال أيام.
لكن التأثير لا يتوزع بالتساوي.
اليابان تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. والهند من كبار المشترين للنفط الخليجي. والصين استوردت في 2025 أكثر من 11 مليون برميل يومياً من النفط الخام في المتوسط. وجزء مهم من هذه الإمدادات يأتي من الخليج.
أوروبا تستطيع تنويع مصادرها بدرجات مختلفة. لكنها لا تستطيع إلغاء أثر ارتفاع الأسعار العالمية. فالنفط سلعة عالمية. وما يرتفع في آسيا يصل أثره إلى أوروبا وأمريكا أيضاً.
هنا تظهر فكرة تفاوت القدرة على التحمل.
قد ترتفع أسعار النفط في الولايات المتحدة أيضاً. وقد يدفع ذلك المستهلك الأمريكي والصناعة الأمريكية ثمناً واضحاً. لكن الولايات المتحدة أنتجت في 2025 أكثر من 13 مليون برميل يومياً من النفط الخام في المتوسط. وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم. وإلى جانب كندا والمكسيك. تمتلك أمريكا الشمالية قاعدة طاقة وزراعية وصناعية ضخمة.
هذه ليست حصانة مطلقة.
إنها قدرة نسبية على تحمل الصدمة.
وهذا الفرق مهم.
الاقتصادي الأمريكي مايكل بيتيز أشار في نقاشات متعددة حول الصدمات التجارية إلى أن اختلالات الاقتصاد العالمي لا تنتقل بصورة متساوية بين الدول. والخبير في الجغرافيا السياسية للطاقة دانيال يرغين ظل يحذر منذ سنوات من أن أمن الطاقة أصبح جزءاً من التنافس الجيوسياسي وليس مجرد قضية اقتصادية.
المغزى هنا لا يحتاج إلى افتراض مؤامرة.
إذا أصبح العالم أكثر اضطراباً في الطاقة والغذاء والمواد الخام. فإن الدولة التي تستطيع إنتاج هذه الموارد أو الوصول إليها تصبح أكثر أهمية من الدولة التي تعتمد على استيرادها.
هنا تصبح فنزويلا جزءاً من الصورة.
تمتلك فنزويلا نحو 303 مليارات برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وهذا يجعلها صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.
لكن حجم الاحتياطي لا يعني قدرة إنتاجية فورية.
البنية التحتية تحتاج إلى استثمارات. والإنتاج الفنزويلي يحتاج إلى وقت حتى يستعيد مستويات أعلى. كما أن النفط الفنزويلي ثقيل ويحتاج إلى مصافي وتقنيات مناسبة.
مع ذلك. فإن موقع هذه الثروة يصبح استراتيجياً إذا وضعناه بجوار الولايات المتحدة ومنطقة الكاريبي.
كندا تقع في الاتجاه نفسه من الحساب.
المكسيك أيضاً.
وغرينلاند تقدم طبقة أخرى من المعادلة بسبب موقعها وثرواتها المعدنية المحتملة وأهميتها في طرق الملاحة القطبية الجديدة.
قد تبدو هذه الملفات متباعدة.
لكنها تصبح أكثر ترابطاً إذا كان الهدف هو بناء كتلة أمريكية شمالية أكثر اكتفاءً وأقل تعرضاً للاضطرابات الخارجية.
يمكن تسمية هذه الفكرة افتراضياً بمشروع التكنيت. أي تحويل أمريكا الشمالية إلى قاعدة متكاملة للطاقة والغذاء والصناعة والمعادن والتكنولوجيا والأمن.
ولا يعني ذلك بالضرورة إقامة دولة واحدة.
المقصود هو شيء أكثر واقعية.
أن تصبح واشنطن قادرة على بناء اقتصادها وأمنها الحيوي داخل محيط جغرافي تستطيع التأثير فيه بصورة أكبر من أي منطقة أخرى.
إذا تحقق ذلك. فإن شكل الهيمنة الأمريكية سيتغير.
في القرن العشرين احتاجت أمريكا إلى إدارة العالم.
في القرن الحادي والعشرين قد تحاول أن تجعل العالم يحتاج إليها.
وهنا يدخل الدين الأمريكي في الحساب.
بلغ الدين الفيدرالي الأمريكي أكثر من 39 تريليون دولار خلال 2026. وهو رقم يتجاوز الناتج المحلي الأمريكي السنوي وفق المقارنة الزمنية المباشرة.
وهذا يعني أن الدين الأمريكي لم يعد مجرد مسألة محاسبية داخل وزارة الخزانة. إنه عنصر أساسي في النقاش حول استدامة القوة الأمريكية.
لكن من المهم هنا التمييز بين الدين الإجمالي والدين الذي يحمله الجمهور. فالدين الذي يملكه الجمهور يمثل نسبة تقارب 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي وفق تقديرات حديثة. وهذه النسبة تجعل وضع المالية الأمريكية أكثر حساسية لأسعار الفائدة والنمو وتكاليف خدمة الدين.
القراءة التقليدية ترى في الدين نقطة ضعف.
لكن هناك قراءة معاكسة.
ماذا يحدث إذا أصبحت الدول نفسها أكثر حاجة إلى الاقتصاد الأمريكي.
إذا ارتفعت أسعار الطاقة. وإذا اضطربت سلاسل الإمداد. وإذا أصبحت أمريكا الشمالية مورداً أكثر أهمية للنفط والغاز والغذاء والتكنولوجيا. فإن الدول التي تمتلك سندات أمريكية قد تجد نفسها أمام مفارقة.
يمكنها أن تبيع جزءاً من أصولها الأمريكية.
لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الدولار لشراء الطاقة والسلع والخدمات.
وهذا لا يعني أن الدين يتحول بطريقة سحرية إلى قوة. ولا يعني أن العالم سيبقى أسيراً للدولار.
الصين تعمل على تنويع عملاتها واحتياطياتها. وروسيا طورت أنظمة دفع بديلة بعد العقوبات. والهند وسواها تستخدم العملات المحلية في جزء متزايد من التجارة الثنائية.
لكن الدولار لا يزال يمثل نحو 58 بالمئة من الاحتياطيات الرسمية العالمية المعلنة لدى صندوق النقد الدولي في أحدث البيانات المتاحة. كما أن العملة الأمريكية ما زالت تظهر في نحو 88 بالمئة من معاملات سوق الصرف الأجنبي وفق مسح بنك التسويات الدولية لعام 2022.
هذه الأرقام تضعف فكرة الانهيار السريع للدولار.
وتضعف أيضاً فكرة أن الدولار مضمون إلى الأبد.
المعادلة أكثر تعقيداً.
كلما زادت حاجة العالم إلى الدولار وإلى الأسواق الأمريكية وإلى موارد أمريكا الشمالية. أصبحت كلفة الابتعاد عن واشنطن أكبر.
وهنا تظهر روسيا كعامل لا يجوز تجاهله.
موسكو واحدة من أكبر منتجي الطاقة في العالم. وأي اضطراب في الخليج يمكن أن يمنحها فرصة لزيادة عوائد صادراتها أو توسيع نفوذها في أسواق آسيا.
لكن الأمر يحمل خطراً على روسيا أيضاً.
إذا أدى ارتفاع الأسعار إلى تسريع التحول نحو الطاقة البديلة. فإن المنتجين التقليديين قد يخسرون جزءاً من الطلب مستقبلاً.
وهذه واحدة من مفارقات الحرب.
الصدمة التي تمنح منتج الطاقة قوة قصيرة المدى قد تدفع المستوردين إلى البحث عن بدائل طويلة المدى.
الصين أيضاً ليست متلقياً سلبياً للصدمة.
لديها احتياطيات استراتيجية. وتستطيع شراء الطاقة الروسية. وتعمل على تنويع طرق الإمداد. كما أن استثماراتها في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والبطاريات تمنحها قدرة مختلفة على امتصاص صدمات النفط.
الهند تستطيع أيضاً إعادة ترتيب مصادرها.
وأوروبا أثبتت بعد الحرب الروسية الأوكرانية أنها قادرة على تغيير جزء كبير من خريطة وارداتها من الغاز خلال فترة قصيرة عندما تصبح الضرورة السياسية والاقتصادية حادة.
هذه الحقائق مهمة لأنها تضع حدوداً للفرضية الأمريكية.
واشنطن تستطيع خلق ضغط.
لكنها لا تستطيع التحكم في كل ردود الفعل.
وهنا نصل إلى التاريخ.
أزمة السويس عام 1956 كشفت أن بريطانيا وفرنسا لم تعودا قادرتين على فرض إرادتهما الدولية بالطريقة نفسها التي كانتا تفعلانها قبل الحرب العالمية الثانية. الضغط الأمريكي والسوفيتي أسهما في إنهاء العملية. وكانت النتيجة واحدة من العلامات التي كشفت انتقال مركز القوة العالمي إلى واشنطن وموسكو.
ثم جاءت أزمة النفط عام 1973.
خفض الإنتاج وحظر تصدير النفط إلى دول غربية أدى إلى قفزة حادة في الأسعار. الولايات المتحدة شهدت طوابير أمام محطات الوقود. وارتفع التضخم. ودخل الاقتصاد العالمي مرحلة من الاضطراب.
لكن النتيجة لم تكن انتصاراً دائماً للدول المنتجة.
أطلقت الصدمة أيضاً استثمارات ضخمة في الطاقة البديلة. وارتفع الإنتاج في مناطق خارج الشرق الأوسط. وتغيرت سياسات الطاقة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
التاريخ يقدم درساً واضحاً.
من يستطيع استخدام الصدمة قد يربح الجولة الأولى.
لكن الصدمة نفسها قد تدفع الخصوم إلى تغيير النظام الذي أنتجها.
وهذا بالضبط ما يجعل أي استراتيجية أمريكية تقوم على الفوضى محفوفة بالمخاطر.
إذا طال اضطراب هرمز. فقد تتحول الأداة إلى عبء.
إذا ارتفعت أسعار النفط بشدة داخل الولايات المتحدة. فقد يدفع الناخب الأمريكي ثمن الاستراتيجية.
إذا فقد الحلفاء ثقتهم بواشنطن. فقد تبدأ عملية استقلال استراتيجية يصعب عكسها.
إذا نجحت الصين وروسيا والهند ودول أخرى في بناء منظومات مالية وتجارية بديلة. فقد تتقلص قدرة الدولار على استخدام قوته الجيوسياسية.
وإذا تحول العالم إلى مصادر طاقة أقل اعتماداً على النفط. فقد تفقد الجغرافيا النفطية جزءاً من أهميتها.
لهذا يمكن تصور ثلاثة مسارات.
المسار الأول هو أن تكون هذه الأحداث مجرد سلسلة من السياسات المنفصلة. ترامب يريد تقليل العجز التجاري. يريد حماية الصناعة الأمريكية. يريد الضغط على الحلفاء. ويريد إعادة التفاوض على الالتزامات الخارجية. والحرب مع إيران لها حساباتها الأمنية الخاصة. وفق هذا السيناريو لا توجد خطة كبرى. توجد إدارة صدامية تتعامل مع كل ملف وفق حساباته المباشرة.
المسار الثاني هو أن تكون هناك إعادة تموضع استراتيجية طويلة المدى. ليست مؤامرة مركزية. وإنما توافق تدريجي بين مؤسسات أمريكية مختلفة على أن عصر الاعتماد المتبادل غير المشروط انتهى. وفق هذا السيناريو يصبح تأمين الطاقة والمعادن والصناعة والتكنولوجيا والدولار جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء القوة الأمريكية.
المسار الثالث هو الأكثر جرأة.
أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتحمل قدر من الفوضى العالمية لأنها ترى أن قدرتها على التحمل أعلى من قدرة خصومها. عندها لا يكون الهدف تدمير الاقتصاد العالمي. الهدف هو إعادة ترتيب شروطه. عالم مضطرب يحتاج إلى الطاقة الأمريكية. والأسواق الأمريكية. والتكنولوجيا الأمريكية. والدولار الأمريكي. بينما تصبح البدائل أكثر تكلفة.
هذا السيناريو هو الأكثر إثارة.
وهو أيضاً الأكثر خطورة.
لأن الفوضى لا يمكن التحكم بنتائجها بسهولة.
قد تبدأ واشنطن الأزمة وهي تعتقد أنها تملك أدوات السيطرة. ثم تجد أن الصين تعيد تشكيل تجارتها. وأن أوروبا تسرع استقلالها الدفاعي والطاقي. وأن روسيا تعيد توجيه صادراتها. وأن دول الجنوب العالمي تبني مؤسسات مالية بديلة. وأن ارتفاع الأسعار ينتقل إلى الاقتصاد الأمريكي نفسه.
القوة الحقيقية ليست القدرة على إحداث الصدمة.
القوة هي القدرة على التحكم في نتائجها.
وهنا يجب أن نعود إلى ترامب.
قد يكون ترامب الشخصية الأكثر صخباً في هذا التحول. لكنه ليس بالضرورة صاحبه الوحيد.
خلف الرئاسة توجد مؤسسات أمن قومي. ومجمع صناعي عسكري. وشركات طاقة. ومؤسسات مالية. وشركات تكنولوجيا. ومراكز أبحاث. وجماعات ضغط. ودوائر استراتيجية تنظر إلى الصين وروسيا وإيران وسلاسل الإمداد العالمية باعتبارها أجزاء من صراع طويل على القوة.
قد تختلف هذه الأطراف في التفاصيل.
لكنها تلتقي حول فكرة واحدة.
أمريكا لا تريد أن تدخل العقود المقبلة وهي تعتمد على نظام عالمي لا تتحكم في شروطه كما كانت تفعل سابقاً.
وهنا يصبح الحديث عن الدولة العميقة أقل أهمية من الحديث عن الدولة الاستراتيجية.
أي المؤسسات والمصالح التي تستطيع الاستمرار في التأثير على السياسة الأمريكية حتى عندما تتغير الإدارات.
قد يختلف الرؤساء.
لكن الاتجاهات الكبرى في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والتمويل لا تتغير بالسرعة نفسها.
لهذا قد لا يكون ترامب هو من اخترع التحول.
ربما كان أكثر من دفعه إلى السطح.
والفرق مهم.
لأن مشروع إعادة الهيمنة إذا كان موجوداً بالفعل لن ينتهي بالضرورة بخروج ترامب من البيت الأبيض.
قد تتغير الأدوات.
وقد تتغير اللغة.
لكن الاتجاه الاستراتيجي قد يستمر.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً.
أمريكا لا تحتاج إلى تدمير النظام العالمي بالكامل حتى تعيد تشكيله.
قد تحتاج فقط إلى جعل النظام القديم أكثر كلفة وأقل جاذبية. ثم تقديم نفسها باعتبارها البديل الأكثر أمناً والأكثر قدرة على توفير الطاقة والمال والتكنولوجيا والغذاء.
الحرب مع إيران قد تكون جزءاً من هذا السياق. ومضيق هرمز قد يكون نقطة ضغط استثنائية. وفنزويلا قد تكون خزينة طاقة قريبة. وكندا والمكسيك عمقاً اقتصادياً. وغرينلاند بوابة استراتيجية. والدولار منصة مالية. والدين الأمريكي مشكلة تتحول إلى أداة قوة فقط إذا بقي الطلب العالمي على الأصول والأسواق الأمريكية مرتفعاً.
لكن هذه ليست معادلة مكتملة.
إنها معركة بين مسارين.
مسار تحاول فيه واشنطن بناء حصن أمريكي أكثر قوة في عالم متشظٍ.
ومسار آخر قد يدفع فيه هذا الحصن بقية العالم إلى بناء حصون مقابلة.
وهنا يصبح مستقبل الهيمنة الأمريكية متعلقاً بقدرة واشنطن على منع خصومها من اكتشاف أن أفضل طريقة لمواجهة اعتمادهم عليها هي التخلص من هذا الاعتماد نفسه.
ربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى.
أمريكا تستطيع أن تجعل العالم يحتاج إليها أكثر.
لكنها قد تدفع العالم أيضاً إلى البحث عن عالم يستطيع الاستغناء عنها.
لهذا فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت واشنطن تريد الهيمنة.
السؤال هو أي هيمنة تريد.
هيمنة القرن العشرين التي قامت على قيادة نظام عالمي مفتوح.
أم هيمنة القرن الحادي والعشرين التي تقوم على السيطرة على الموارد والتكنولوجيا والمال وسلاسل الإمداد.
إذا كانت القراءة الأولى صحيحة. فنحن أمام إدارة أمريكية صدامية تحاول إعادة التفاوض على شروط القوة.
وإذا كانت القراءة الثانية أقرب إلى الواقع. فنحن أمام تحول أعمق من ترامب نفسه.
نحن أمام محاولة لإعادة بناء الهيمنة الأمريكية بطريقة مختلفة.
ليس عبر حماية العالم كله.
بل عبر امتلاك ما يحتاج إليه العالم.
وعندها يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً.
ماذا لو كانت أمريكا لا تحاول إنقاذ النظام العالمي القديم. وإنما تعيد اختراع الطريقة التي تحكم بها العالم ؟

