شبكة إنماز نيوز | خاص القسم الاقتصادي
في خطوة تعيد ملف العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران إلى واجهة المشهد، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطه على طهران، ملوّحاً بعواقب اقتصادية على الدول التي تواصل التعامل معها. ويفتح التصعيد الأميركي باباً واسعاً أمام تساؤلات بشأن موقف بغداد، وحجم التداعيات المحتملة على تجارتها وقطاع الطاقة والمصارف، خصوصاً أن العراق يرتبط بطهران بعلاقات اقتصادية وطاقوية واسعة.
ترامب يصعّد.. وعقوبات تتجاوز إيران
صعّد ترامب لهجته تجاه إيران، متوعداً بفرض ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، ومهدداً الدول التي توفر لطهران أي منفذ اقتصادي أو مالي بعواقب «هائلة». وقال إن واشنطن تتجه إلى عزل إيران اقتصادياً، فيما أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن العقوبات المقبلة ستكون الأقسى في تاريخ الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه التهديدات أهمية خاصة بالنسبة للعراق، الذي يمثل أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين لإيران، ولا سيما في مجالات التجارة والطاقة والتحويلات المالية. ورغم عدم صدور إعلان أميركي رسمي حتى الآن يضع العراق تحديداً على قائمة العقوبات، فإن طبيعة التهديدات تثير مخاوف من احتمال اللجوء إلى العقوبات الثانوية التي قد تطال مؤسسات أو مصارف أو جهات تتعامل مع إيران.
طهران ترفض التهديدات
في المقابل، رفضت طهران التهديدات الأميركية، ووصفت العقوبات المرتقبة بأنها «غير قانونية وغير إنسانية»، فيما توعدت واشنطن بردّ «مدمر» على أي تصعيد اقتصادي جديد.
واعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الإجراءات الأميركية تمثل «إرهاباً اقتصادياً» يهدد الاقتصاد العالمي وسيادة الدول، في وقت تتجه فيه المواجهة بين واشنطن وطهران إلى مستويات تتجاوز الملف السياسي والأمني، لتشمل التجارة والقطاع المصرفي ومصادر التمويل.
الصين ترفض سياسة الضغط
ومن جانبها، رفضت الصين الضغوط الأميركية على الدول المتعاملة مع إيران، مؤكدة أن العقوبات الأحادية لا تمثل حلاً للمشكلة، ودعت واشنطن إلى اعتماد الحوار والوسائل الدبلوماسية بدلاً من سياسة الضغط الاقتصادي.
ويأتي الموقف الصيني وسط مخاوف من اتساع دائرة العقوبات الأميركية لتشمل شركاء إيران التجاريين، وهو ما يضع الدول المرتبطة اقتصادياً بطهران أمام خيارات أكثر تعقيداً في إدارة علاقاتها الخارجية.
بغداد.. لا موقف مباشر حتى الآن
أما بغداد، فلم يصدر حتى الآن موقف رسمي معلن ومباشر بشأن تهديدات ترامب الأخيرة للدول التي تتعامل اقتصادياً مع إيران، في وقت تترقب فيه الأوساط السياسية والاقتصادية العراقية طبيعة الإجراءات الأميركية المقبلة.
وتبرز حساسية الموقف العراقي من حقيقة أن البلاد لا تتعامل مع إيران في ملف تجاري عابر، وإنما ترتبط معها بعلاقات واسعة تشمل الطاقة والتجارة والتحويلات المالية، الأمر الذي يجعل أي عقوبات ثانوية محتملة تحدياً اقتصادياً وسياسياً لبغداد.

الدولار.. نقطة الضعف الأساسية
ويقول الخبير الاقتصادي والمالي العراقي الدكتور علي دعدوش، في تصريح لـ«إنماز»، إن العراق يمتلك هامشاً للمناورة، لكنه ليس هامشاً واسعاً إذا كانت العقوبات الأميركية شاملة وتمس النظام المالي والدولار.
ويضيف دعدوش أن المشكلة لا تكمن في قدرة العراق على توفير السلع أو حتى امتلاكه احتياطيات أجنبية، وإنما في قناة تحويل إيرادات النفط إلى سيولة قابلة للاستخدام داخل الاقتصاد وخارجه.
ويوضح أن العراق ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على النظام المالي المرتبط بالدولار، إذ تمر إيرادات النفط عبر قنوات مالية دولية مرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً على حركة الإيرادات الدولارية العراقية.
ويشير إلى أن ذلك ظهر عملياً في 2026 عندما أدى تعليق شحنات الدولار النقدية إلى العراق إلى ضغوط واضحة على السوق، قبل استئنافها لاحقاً.
لكن دعدوش يلفت إلى ضرورة التمييز بين العقوبات على العراق كدولة وبين العقوبات على مصارف أو أفراد أو جهات محددة، مبيناً أن العراق يستطيع استخدام اليورو واليوان والعملات الأخرى في جزء من تجارته، كما أن لديه أصولاً واحتياطيات أجنبية تمنحه قدرة على امتصاص الصدمات مؤقتاً.
ويؤكد أن استبدال الدولار بعملة أخرى لا يحل المشكلة بالكامل، لأن التجارة الدولية والتحويلات المصرفية تحتاج إلى بنوك مراسلة وشبكات مالية دولية، وهذه المؤسسات تخشى بدورها التعرض للعقوبات الأميركية.
ويشير إلى أن المسار الذي طرحته الخزانة الأميركية في 2026 لإعادة دمج المصارف العراقية المقيدة يشترط مستويات مرتفعة من الامتثال والحوكمة والتدقيق قبل العودة إلى قنوات الدولار والمصارف المراسلة الدولية.
ويقول دعدوش إن «نقطة الضعف العراقية ليست الدولار وحده، وإنما الاعتماد المفرط على منظومة مالية خارجية مع اقتصاد شديد الاعتماد على النفط».
ويضيف أن العراق يستطيع امتصاص العقوبات المحدودة وإعادة توجيه بعض تعاملاته، لكن إذا استهدفت العقوبات إيرادات النفط والحسابات الخارجية والمصارف المراسلة والتحويلات الدولارية في وقت واحد، فإن هامش المناورة سيصبح أضيق بكثير.
وبحسب دعدوش، ستظهر الآثار أولاً في سعر الصرف والسيولة والاستيراد، ثم في التضخم والإنفاق الحكومي.

الطاقة.. الحلقة الأكثر حساسية
وفي الجانب الآخر، يضع الاستشاري المالي الدكتور عقيل جبر علي المحمداوي ملف الطاقة في صلب الخيارات العراقية لمواجهة تداعيات العقوبات.
ويقول المحمداوي في تصريح لـ«إنماز» إن العقوبات الأميركية ازدادت خلال السنوات الأخيرة وطالت شخصيات نفطية ورجال أعمال ومصارف عراقية تجاوز عددها 30 مصرفاً.
ويوضح أن واشنطن ألغت إعفاء استيراد الكهرباء الإيرانية في مارس 2025، وأبقت مؤقتاً على إعفاء الغاز الذي يستخدمه العراق في تشغيل المحطات الكهربائية، فيما أعلن العراق في مارس 2026 التوقف الكامل عن استيراد الغاز الإيراني، ما أدى فوراً إلى فقدان ما بين 4000 و4500 ميغاواط من الشبكة الوطنية.
ويشير إلى أن الفجوة كبيرة، إذ بلغ الإنتاج مطلع 2026 نحو 29 غيغاواط، بينما يقفز الطلب الصيفي إلى 55 غيغاواط أو أكثر.
كما يلفت إلى أن خط الربط الخليجي، بطاقة أولية تبلغ 500 ميغاواط، وصل إنجازه إلى 96%، وهو الآن في طور التشغيل التجريبي، لكنه تعرض لتأجيلات متكررة، ما فاقم العجز خلال صيف 2026.
ويضيف أن هناك بدائل جزئية تعمل فعلياً، منها استيراد الكهرباء من الأردن وتركيا بحدود 300 ميغاواط، ومنصة عائمة لاستيراد الغاز المسال قرب خور الزبير بالتعاون مع شركة أميركية، ومن المقرر أن تبدأ بتزويد نحو 3000 ميغاواط، إلا أنها لا تمثل بديلاً كاملاً عن الغاز الإيراني، لأن الاحتياج الكلي يفوق كل هذه المصادر مجتمعة.
أربعة مسارات أمام بغداد
ويحدد المحمداوي أربعة مسارات يمكن للعراق اعتمادها.
الأول هو المسار الدبلوماسي المزدوج، عبر التفاوض المستمر مع واشنطن على إعفاءات أو استثناءات قصيرة الأمد مقابل إثبات تقدم ملموس في التنويع أو اعتماد نهج التوازن والحياد، مع الحفاظ على قناة تقنية، لا سياسية، مع طهران للحد الأدنى من الإمدادات.
أما المسار الثاني فهو تسريع الربط الإقليمي الخليجي والأردني والتركي، باعتباره الخيار الأكثر استدامة استراتيجياً، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق بالتمويل فقط، وإنما بالتأخر الإداري والبيروقراطي.
ويتمثل المسار الثالث في استثمار الغاز المصاحب المحلي، إذ يرى المحمداوي أن استغلال الغاز الذي يحرقه العراق يمكن أن يمثل حلاً أكثر استقلالية، بعيداً عن أي طرف خارجي.
أما المسار الرابع فهو استيراد الغاز المسال عبر المنصات العائمة في خور الزبير، وهو خيار وسيط جيد لأنه يعتمد على السوق الدولية، لكنه مكلف ومحدود السعة مقارنة بحجم الحاجة.
هل يستطيع العراق التنويع سريعاً؟
الإجابة، بحسب المحمداوي، هي «كلا»، وليس بشكل كافٍ خلال سنة أو سنتين.
ويشير إلى أن مشاريع الربط الإقليمي تأخرت عن مواعيدها أكثر من مرة، فيما تبلغ الفجوة بين الإنتاج والطلب نحو 26 غيغاواط، وهي فجوة أكبر من قدرة أي بديل واحد أو حتى مجموع البدائل الحالية على سدها بسرعة.
كما أن المشكلة لا تتعلق فقط بمصدر الطاقة، وإنما بالبنية التحتية العراقية التي تفقد، وفق تقديره، نحو 40% من الكهرباء المولدة أثناء النقل والتوزيع.
ويرى أن الحل الأكثر استقلالية، والمتمثل بالغاز المصاحب المحلي، يحتاج بدوره إلى سنوات من الاستثمار في البنية التحتية لجمعه ومعالجته.
من العقوبات إلى إصلاح الاقتصاد
ويؤكد المحمداوي أهمية فصل الملف الكهربائي عن الملف السياسي، والتفاوض مع واشنطن على جدول زمني واضح للتحول بدلاً من الاعتماد على إعفاءات متقطعة.
كما يدعو إلى إعطاء أولوية استثمارية لمعالجة فاقد الشبكة، وتسريع تنفيذ الربط الخليجي، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج والأردن وتركيا في التجارة والاستثمار والبنية التحتية، بهدف تقليل الاعتماد الكلي على المحور الإيراني.
العراق أمام اختبار اقتصادي جديد
يقف العراق أمام اختبار اقتصادي حساس مع تصاعد الضغوط الأميركية على إيران والدول التي تتعامل معها، إذ إن أي عقوبات ثانوية واسعة قد تضع بغداد أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع طهران والامتثال للنظام المالي الدولي.
وتبدو قدرة العراق على المناورة مرتبطة بمدى شمول العقوبات، خصوصاً ما يتعلق بالدولار والمصارف وإيرادات النفط، في وقت لا يزال الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على النفط والقنوات المالية الدولية.
وبالتالي، فإن حماية الاقتصاد العراقي لا ترتبط فقط بتجنب العقوبات، بل بامتلاك بدائل حقيقية ومستدامة. فتنويع مصادر الطاقة، وتطوير الغاز المحلي، وتسريع الربط الإقليمي، وتقوية القطاع المصرفي، وزيادة الإيرادات غير النفطية، أصبحت خيارات ضرورية وليست ترفاً اقتصادياً.
وأمام بغداد فرصة لتقليل مخاطر الصدمات الخارجية، لكن ذلك يتطلب استراتيجية طويلة الأمد توازن بين مصالح العراق وسيادته الاقتصادية والتزاماته الدولية، بعيداً عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال.

