«حين تغيب السفارة عن الإعلام».. هل تحتاج الصين إلى إعادة النظر في واجهتها الإعلامية ببغداد؟

شبكة إنماز نيوز | محررة الشؤون الصحافية

في الوقت الذي تتحدث فيه الصين والعراق عن شراكة استراتيجية وعلاقات اقتصادية وتجارية متنامية، يبدو أن هناك فجوة لا يمكن تجاهلها بين مستوى العلاقات الرسمية بين البلدين وبين مستوى التواصل مع إحدى أهم أدوات هذه العلاقات: الإعلام.

فخلال الفترة الأخيرة، عبّر عدد من الإعلاميين والصحافيين العاملين في وسائل إعلام عراقية عن استيائهم من صعوبة التواصل مع منسقة الإعلام في السفارة الصينية لدى بغداد، إيلاف، مشيرين إلى عدم تلقيهم ردوداً على اتصالات ورسائل أُرسلت عبر وسيلة التواصل الرسمية المخصصة لها، بحسب إفاداتهم.

ومن بين هؤلاء صحافيون يعملون في مؤسسات إعلامية عراقية رسمية، وكذلك تعاني شبكة «إنماز نيوز»، فضلاً عن مراسلين اقتصاديين في مؤسسات إعلامية أخرى، وهو ما يفتح سؤالاً مهنياً مشروعاً: هل يتناسب مستوى التواصل الإعلامي في السفارة الصينية مع حجم وأهمية العلاقة الاقتصادية بين بغداد وبكين؟

السؤال هنا ليس شخصياً، ولا يتعلق بالخلاف مع موظف أو منسق إعلامي بعينه، وإنما يتعلق بكفاءة منظومة الاتصال الإعلامي نفسها، وبقدرتها على التعامل مع إعلام عراقي يبحث بصورة يومية عن المعلومات المتعلقة بالصين والشركات الصينية والاستثمارات والمشاريع والتجارة والطاقة.

الصين ليست خبراً هامشياً في العراق

الصين ليست دولة بعيدة عن المشهد الاقتصادي العراقي حتى يمكن التعامل مع الإعلام المهتم بها على أنه طرف ثانوي.

فبحسب البيانات الرسمية المنشورة على موقع وزارة الخارجية الصينية، بلغت قيمة التجارة بين العراق والصين 54.223 مليار دولار عام 2024، وتصف الخارجية الصينية الصين بأنها أكبر شريك تجاري للعراق، فيما يمثل العراق مصدراً مهماً للنفط الخام إلى الصين. (وزارة الخارجية الصينية⁠)

كما أن السفارة الصينية نفسها تنشر بصورة مستمرة أخباراً عن لقاءات السفير الصيني مع مسؤولين عراقيين وقيادات سياسية وممثلي شركات النفط الصينية العاملة في العراق، بما يؤكد حجم الحضور الصيني في الملفات العراقية. (السفارة الصينية في العراق⁠)

وهنا تحديداً تظهر المفارقة.

إذا كانت السفارة ترى أن التواصل مع المسؤولين العراقيين والشركات والمؤسسات والجهات السياسية والثقافية جزء أساسي من عملها الدبلوماسي، فمن الطبيعي أن يكون الإعلام العراقي شريكاً أساسياً في إيصال صورة هذه العلاقات إلى الرأي العام العراقي.

فالإعلام ليس موظف استقبال للسفارات، وليس مطلوباً منه أن ينتظر إلى ما لا نهاية للحصول على إجابة بسيطة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات اقتصادية وتجارية لها تأثير مباشر على السوق العراقية والمستهلك والقطاع الخاص والعمالة والمشاريع والاستثمارات.

الإعلام لا يطلب امتيازاً.. بل قناة تواصل

المشكلة الأخطر في حال صحت شكاوى الصحافيين ليست في عدم الرد على اتصال واحد أو رسالة واحدة؛ فالعمل الدبلوماسي مزدحم، وقد تتعدد المسؤوليات والملفات.

لكن المشكلة تصبح مختلفة عندما يتحول عدم الرد إلى نمط متكرر، لأن ذلك يعني عملياً تعطيل قناة الاتصال بين السفارة ووسائل الإعلام.

الصحافي عندما يتواصل مع منسق إعلامي لا يطلب معاملة خاصة، ولا يبحث عن امتياز شخصي، وإنما يبحث عن معلومة أو تصريح أو ترتيب مقابلة أو الحصول على إجابة رسمية.

والأهم من ذلك أن الصحافي الاقتصادي يحتاج إلى سرعة في التواصل؛ فالخبر الاقتصادي مرتبط بالوقت، والأسواق والاستثمارات والتجارة وأسعار السلع والطاقة والشركات لا تنتظر أياماً حتى تصل الإجابة.

ومن هنا، فإن وجود مسؤول إعلامي يمتلك الكفاءة، وسرعة الاستجابة، والقدرة على التنسيق، وفهم طبيعة العمل الصحافي العراقي ليس تفصيلاً إدارياً صغيراً، بل جزء من القوة الناعمة لأي بعثة دبلوماسية.

الصين التي تعرف قوة الإعلام يجب أن تعرف أهمية الإعلام العراقي

الصين تدرك جيداً أهمية الإعلام في بناء صورتها الخارجية، بل إن موقع سفارتها في بغداد يتضمن قسماً للأخبار والعلاقات الثنائية، كما أن السفارة سبق أن نظمت أنشطة لوسائل إعلام عراقية، بينها زيارة إعلاميين إلى حقل شرق بغداد النفطي بالتعاون مع شركة صينية. (فيسبوك⁠)

وهذا يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت السفارة قادرة على تنظيم التواصل الإعلامي واستضافة وسائل الإعلام في ملفات اقتصادية، فلماذا يجد بعض الصحافيين اليوم صعوبة في الوصول إلى منسقها الإعلامي؟

لا ينبغي أن تكون الإجابة هي الصمت.

ولا ينبغي أيضاً أن يُنظر إلى الصحافي العراقي باعتباره عبئاً على السفارة، لأن الصحافة الجادة يمكن أن تكون جسراً بين الصين والمجتمع العراقي، خصوصاً في ظل اتساع الحضور الصيني في قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية والتجارة.

المطلوب مراجعة الأداء.. لا استهداف الأشخاص

إذا كانت الشكاوى المتداولة بين الإعلاميين دقيقة ومتكررة، فإن من حق السفارة الصينية أن تراجع أداء آلية التواصل الإعلامي لديها، وأن تسأل بوضوح: هل القناة الحالية تؤدي وظيفتها بالشكل المطلوب؟ وهل يتم الرد على الصحافيين؟ وهل توجد آلية واضحة لترتيب المقابلات والزيارات والتصريحات؟ وهل هناك بديل رسمي عند تعذر التواصل مع المنسق الإعلامي؟

وإذا أثبتت المراجعة وجود تقصير مستمر، فمن الطبيعي إدارياً أن تبحث السفارة عن تغيير آلية العمل أو إعادة توزيع المسؤوليات أو استبدال الشخص المسؤول عن الملف الإعلامي بشخص أكثر قدرة على التواصل.

لكن هذا الحكم يجب أن يستند إلى تقييم مهني وإداري من السفارة نفسها، لا إلى حملة شخصية.

وفي المقابل، من حق الصحافيين أن يطرحوا هذه الملاحظات علناً، ومن حق السفارة أيضاً أن تقدم ردها وتوضح موقفها، بل إن الرد الرسمي سيكون أفضل من ترك الموضوع للتفسيرات والانطباعات.

السفارة مطالبة برسالة واضحة

السفارة الصينية في بغداد ليست مجرد بعثة دبلوماسية تدير العلاقات الرسمية؛ إنها واجهة لبلد لديه مصالح اقتصادية وتجارية ضخمة في العراق.

وموقع السفارة الرسمي يتيح بالفعل وسائل اتصال عامة، بينها البريد الرسمي للسفارة والبريد الخاص بالقسم الاقتصادي والتجاري، ما يعني أن قنوات الاتصال المؤسسية موجودة من حيث المبدأ. (السفارة الصينية في العراق⁠)

لكن وجود البريد والأرقام لا يكفي إذا كان الصحافي لا يحصل على إجابة في الوقت المناسب.

الصين التي تتحدث عن توسيع الشراكة مع العراق تحتاج إلى دبلوماسية إعلامية أكثر انفتاحاً واحترافاً، لأن العلاقة الاقتصادية مهما بلغت قوتها تحتاج إلى إعلام قادر على شرحها للرأي العام، ومراقبة تفاصيلها، وطرح الأسئلة بشأنها، ونقل وجهة النظر الصينية إلى العراقيين.

وفي النهاية، فإن الرسالة ليست ضد السفارة الصينية، ولا ضد موظفة بعينها، وإنما هي انتقاد مهني لأداء يفترض أن تكون جسراً بين سفارة دولة كبرى وبين السلطة الرابعة في العراق.

وإذا كانت هناك بالفعل شكاوى متكررة من عدم التعاون، فإن تجاهلها قد يكون أسوأ من معالجتها.

فالصحافي لا يحتاج إلى أبواب مفتوحة على الدوام، لكنه يحتاج إلى باب يعرف كيف يطرق عليه، وشخص يرد عليه عندما يطرقه.

والصين، بحجمها الاقتصادي والسياسي وعلاقتها المتنامية مع العراق، تستحق أن تكون لها في بغداد منظومة إعلامية أكثر حضوراً وكفاءة واستجابة، لا أن تتحول عملية الحصول على تصريح أو ترتيب لقاء إلى مهمة شاقة للصحافي.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تقييم أداء الملف الإعلامي في السفارة الصينية، ومن ضمنه تقييم مسؤوليه وآليات عمله، بات أمراً يستحق النظر الجاد، إذا ثبت استمرار هذه الشكاوى وتكررها.

ويبقى من حق السفارة الصينية في بغداد، ومنسقة الإعلام المعنية، تقديم توضيح أو رد رسمي على ما ورد من ملاحظات وشكاوى، حفاظاً على مبدأ التوازن وحق الرد.