قاسم الميالي | كاتب صحفي عراقي
ليس كل من يرفع شعار مكافحة الفساد يبحث بالضرورة عن الحقيقة؛ فالحقيقة تحتاج إلى وثيقة ودليل، لا إلى عبارات مرسلة أو اتهامات غير موثقة.
وفي الوقت الذي يواصل فيه مطار النجف الدولي أداء دوره بوصفه واحداً من أهم المرافق الحيوية في المحافظة، وفي الوقت الذي تتطلب فيه إدارة مطار بهذا الحجم جهداً استثنائياً لتنظيم حركة الطيران وخدمة المسافرين والتعامل مع المواسم الدينية والإنسانية والخدمية، تظهر بين فترة وأخرى حملات تتحدث عن «فساد وهدر ومخالفات» داخل المطار.
وهنا من حقنا أن نسأل بوضوح: أين الوثيقة؟
فاتهام مؤسسة أو إدارة بالفساد ليس منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس عنواناً مثيراً، وليس مقطع فيديو مجهول المصدر.
الفساد قضية قانونية لها أدلة وإجراءات وتحقيقات وقرارات قضائية.
نعم للرقابة.. لا للتشهير
نحن مع الرقابة حتى النهاية، ومع كل صحفي يبحث عن الحقيقة، ومع كل جهة رقابية تفتح أي ملف تتوافر بشأنه معلومات جدية، ومع محاسبة أي مسؤول يثبت تورطه بالفساد، أياً كان اسمه أو منصبه أو الجهة التي تقف خلفه.
لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول الرقابة إلى وسيلة للتشهير، وأن تتحول الشائعة إلى حكم، وأن يتحول الخصام أو المنافسة أو الاختلاف الإداري إلى اتهام بالفساد.
فالذي يمتلك وثيقة فليقدمها.
والذي يمتلك تقريراً رقابياً فليعرضه.
والذي يتحدث عن عقد مشبوه فليذكر رقم العقد وقيمته وتاريخه والجهة التي أبرمته والمخالفة التي يزعم وجودها.
أما عبارة «هناك فساد» من دون دليل، فهي ليست تحقيقاً صحفياً.
ملف المطار لا يحتمل تصفية الحسابات
مطار النجف الدولي ليس مشروعاً شخصياً، ولا ملكاً لإدارة بعينها.
إنه مرفق حيوي يرتبط بصورة النجف أمام الزائر والمسافر، وبحركة اقتصادية واسعة تستفيد منها قطاعات النقل والفنادق والأسواق والخدمات والسياحة.
ولهذا فإن تشويه صورة المطار بلا دليل لا يضر مديراً أو موظفاً فقط، بل يمكن أن ينعكس على سمعة محافظة النجف ومصالح أبنائها واقتصادها وحركة زائريها.
وهنا يجب أن يكون السؤال أكثر وضوحاً:
هل نريد إصلاح الأخطاء إن وجدت؟
بالتأكيد.
أم نريد إسقاط سمعة مؤسسة كاملة بمجرد الاتهامات؟
هذا أمر آخر تماماً.
وماذا عن ملفات الفساد السابقة؟
الإنصاف يقتضي أن نقول الحقيقة كاملة.
فقد أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية في سنوات سابقة عن ملفات وتحقيقات واتهامات مرتبطة بمطار النجف، ومنها قضية أعلنت فيها الهيئة ضبط خروقات وتجاوزات في عقد بقيمة تتجاوز ثمانية ملايين دولار.
وهذا يؤكد أن الرقابة على المطار ليست أمراً مرفوضاً، ولا ينبغي أن تكون كذلك.
لكن في المقابل، لا يجوز استخدام أي ملف قديم أو قضية تخص إدارة سابقة باعتبارها دليلاً تلقائياً على فساد إدارة لاحقة.
كل واقعة لها زمنها، وكل عقد له أطرافه، وكل مسؤول يتحمل مسؤوليته عن الفترة التي أدار فيها الملف، وكل اتهام يحتاج إلى دليل.
وهذه هي العدالة التي نطالب بها للجميع.
إلى أصحاب الاتهامات.. هذه أسئلتنا
إذا كان هناك فساد في الإدارة الحالية، فنحن نطالب بكشفه.
لكننا نريد إجابات محددة:
- أين العقد؟
- أين المخالفة؟
- أين تقرير الجهة الرقابية؟
- أين الضرر بالمال العام؟
- من المستفيد؟
- ما رقم القضية إن كانت هناك قضية؟
- وما القرار القضائي إن كان هناك حكم؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها من يطلق الاتهامات.
أما القفز من «سمعت» إلى «هناك فساد»، فليس صحافة استقصائية، بل صناعة للرأي العام على أساس غير موثق.
النجاح لا يمنح حصانة.. لكنه لا يستحق التشويه
حتى لو كانت إدارة المطار تقدم خدمات جيدة، فإن ذلك لا يمنحها حصانة من الرقابة.
وهذه نقطة نؤكدها بوضوح.
لكن في الوقت نفسه، فإن وجود ملاحظات أو أخطاء إدارية ــ إن ثبتت ــ لا يعني تلقائياً وجود فساد.
فهناك فرق كبير بين خطأ إداري، وسوء تقدير، ومخالفة إجرائية، وفساد مالي متعمد.
والصحافة المهنية تعرف الفرق.
رسالة إلى إدارة المطار
إذا كانت الإدارة واثقة من سلامة إجراءاتها، فإن أفضل رد على حملات التشكيك ليس البيانات الإنشائية، وإنما الشفافية.
انشروا ما يمكن نشره من البيانات، ووضحوا العقود والإجراءات وفق ما يسمح به القانون.
أعلنوا حجم الحركة الجوية.
أعلنوا عدد المسافرين.
وضحوا مستوى الخدمات.
اعرضوا المبادرات الاجتماعية والإنسانية الموثقة.
وأجيبوا عن الشكاوى واحدة واحدة.
عندها تصبح الأرقام والوثائق أقوى من أي حملة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورسالتنا إلى من يتهم
إذا كانت لديك وثيقة، قدمها.
إذا كان لديك دليل، انشره.
إذا كان لديك ملف فساد، اذهب به إلى هيئة النزاهة والقضاء.
أما أن تطلق اتهاماً خطيراً، ثم تطالب الناس بتصديقه لأنك كتبته على منصة اجتماعية، فهذا ليس دليلاً.
الناس لم تعد تريد معارك إعلامية.
الناس تريد الحقيقة.
النجف أكبر من الخصومات
النجف الأشرف ليست ساحة لتصفية الحسابات، ومطارها ليس مكاناً مناسباً للمناكفات.
إذا نجحت الإدارة، فمن حق أبناء المحافظة أن يعرفوا ذلك.
وإذا أخطأت، فمن حقهم أن يعرفوا أيضاً.
وإذا فسد أحد، فليحاسب.
وإذا كانت الاتهامات باطلة، فمن حق من طاله التشهير أن يدافع عن سمعته.
هذه هي المعادلة العادلة:
لا حصانة للفاسد.. ولا إدانة للبريء.
وفي النهاية، لا ندافع عن شخص ولا نهاجم شخصاً.
نحن ندافع عن مبدأ واحد: أن تكون الوثيقة أقوى من الشائعة، والدليل أقوى من التشهير، والقانون أقوى من الخصومة.
فمن يملك الحقيقة فليقدمها.
أما إطلاق الاتهامات بلا دليل، فلن يصنع فساداً حيث لا يوجد، ولن يخفي فساداً حيث يوجد.
والفيصل دائماً: الوثيقة.. ثم الوثيقة.. ثم الوثيقة.

