شبكة إنماز نيوز | قسم التحليل السياسي
قد تبدو الصورة التي ظهر فيها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي خلال زيارته معرض بغداد الدولي للكتاب، وهو يتوقف أمام كتاب «لا يمكنني السكوت» للكاتب الروسي ليو تولستوي، مجرد لقطة عابرة من جولة ثقافية.
لكن في السياسة، بعض الصور تقول أكثر مما تقوله الخطب.
ولا يمكن الجزم بأن الزيدي اختار الكتاب عمداً لإيصال رسالة سياسية ما لم يصدر عنه تصريح بذلك، إلا أن وضع الصورة في سياق مشروع حكومته يجعلها قابلة لقراءة سياسية عميقة، خصوصاً أن الكتاب نفسه ليس عنواناً أدبياً محايداً.
فـ«لا يمكنني السكوت» هو نص كتبه تولستوي عام 1908 احتجاجاً على الإعدامات والعنف الذي كانت تمارسه السلطة الروسية، وتحول إلى صرخة أخلاقية ضد تحويل القوة والعنف إلى وسيلة لإدارة المجتمع.
ومن هنا تبدأ دلالة الصورة.
من تولستوي إلى الزيدي.. منطق «لم يعد ممكناً السكوت»
عندما نضع عنوان الكتاب إلى جانب الخطاب السياسي للزيدي خلال الأشهر الماضية، يظهر تقاطع واضح في المفردات الكبرى:
الدولة، القانون، القوة، الفساد، والاستقرار.
فالزيدي لم يطرح حصر السلاح بيد الدولة باعتباره شعاراً سياسياً عابراً، بل قال صراحة إن الحكومة تريد أن تكون الدولة الجهة الوحيدة المحتكرة للسلاح، وإنها ماضية في تنفيذ هذا المشروع.
وفي ملف الفساد، ذهب أبعد من الحديث عن الإصلاح الإداري التقليدي، معلناً أن مكافحة الفساد بدأت وأن ما وصفه بـ**«الصولة الأولى»** ستتبعها إجراءات أخرى، متعهداً بملاحقة من يسرق المال العام واستعادة أموال الشعب.
لذلك، فإن قراءة الصورة سياسياً يمكن أن تضع عنوان تولستوي في إطار أوسع:
لا يمكن السكوت أمام دولة منقوصة السيادة، ولا أمام سلاح خارج إطارها، ولا أمام فساد ينهش مؤسساتها، ولا أمام قوى ترى في ضعف الدولة ضمانة لاستمرار نفوذها.
وهنا تحديداً تصبح الصورة أكثر من مجرد صورة لرئيس وزراء يتصفح كتاباً.
الرسالة الأولى: إلى من يريدون بقاء السلاح خارج الدولة
أبرز ملفات مشروع الزيدي هو حصر السلاح بيد الدولة.
وقد اتخذت حكومته خطوات عملية في هذا الاتجاه، بينها تشكيل لجنة لوضع آليات فك الارتباط والحصر، فيما أكد لاحقاً أن الحوار مع الفصائل مستمر، وأن الحكومة لا تتجه إلى صدام عسكري معها.
وهذا مهم جداً في تفسير الرسالة السياسية.
فالزيدي لا يقول للفصائل، بالضرورة: «سنواجهكم بالقوة».
بل يقول شيئاً مختلفاً:
«الدولة ستصبح المرجعية النهائية للقوة، سواء عبر الحوار أو القانون أو إعادة تنظيم المؤسسات».
وهنا يمكن أن يتحول عنوان تولستوي إلى رسالة سياسية رمزية:
لا يمكنني السكوت عن اختلال ميزان القوة داخل الدولة.
فالدولة التي توجد فيها مراكز متعددة للقوة لا تستطيع أن تضمن تطبيق القانون بالتساوي، ولا تستطيع بناء مؤسسات أمنية واقتصادية مستقرة، ولا تستطيع تقديم نفسها شريكاً سيادياً كاملاً في علاقاتها الخارجية.
والزيدي نفسه ربط بين السلاح المنفلت وبين إضعاف سلطة القانون وهيبة المؤسسات، وبين الاستقرار الأمني والاستقرار الاقتصادي والسياسي.
الرسالة الثانية: إلى من استفادوا من الفساد
هنا يصبح عنوان الكتاب أكثر حدة.
«لا يمكنني السكوت» ليست فقط جملة ضد العنف؛ إنها في جوهرها موقف أخلاقي من الصمت أمام الظلم.
وفي العراق، فإن الفساد ليس مجرد ملف مالي.
إنه قضية دولة.
لأن الأموال التي تختفي من الموازنة تتحول إلى مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهز، ومشاريع متوقفة، وفرص عمل ضائعة، وخدمات أقل من مستوى حاجة المواطن.
ولهذا فإن حملة الزيدي على الفساد تحمل رسالة إلى منظومة مصالح كاملة، لا إلى موظف صغير أو متهم منفرد.
عندما يقول رئيس الوزراء:
«لا حصانة لأي فاسد»
ويتعهد باستعادة الأموال العامة، فإن الرسالة تصبح أن مكافحة الفساد لن تكون مجرد عنوان إعلامي، بل محاولة لضرب إحدى الأدوات التي سمحت ببقاء الدولة ضعيفة أمام شبكات المصالح.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الكتاب باعتباره رمزاً لفكرة:
إذا كان السكوت يسمح باستمرار الخلل، فإن الدولة مطالبة بالكلام والفعل معاً.
الرسالة الثالثة: إلى من لا يريدون عراقاً مستقراً
وهذه ربما أعمق الرسائل.
مشروع الزيدي لا ينحصر في السلاح والفساد بصورة منفصلة؛ فهناك رابط بينهما: بناء دولة قادرة على فرض القانون وتحقيق الاستقرار.
فالاقتصاد يحتاج إلى الأمن.
والاستثمار يحتاج إلى القانون.
والقانون يحتاج إلى مؤسسة تمتلك سلطة التنفيذ.
والاستقرار يحتاج إلى احتكار الدولة لأدوات القوة.
لذلك فإن معركة الحكومة، إذا نجحت في جمع هذه الملفات ضمن مشروع واحد، لن تكون مجرد معركة ضد الفساد أو السلاح المنفلت، بل معركة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
الدولة هي التي تحمي.
الدولة هي التي تحاسب.
الدولة هي التي تحتكر القوة.
والدولة هي التي تدير المال العام.
وهذا هو جوهر مفهوم الدولة القوية الذي كرره الزيدي في خطابه، حين قال إن أولويته بناء دولة يفخر بها العراقيون.
لكن لماذا تولستوي تحديداً؟
هنا تكمن جاذبية الصورة إعلامياً.
تولستوي في «لا يمكنني السكوت» لم يكن يخاطب عامة الناس فقط؛ كان يوجه نقداً مباشراً إلى منظومة السلطة التي تبرر العنف وتحوّل المؤسسات إلى أدوات لتنفيذ إرادة الأقوى.
وهذا يجعل العنوان قابلاً للإسقاط السياسي، مع التأكيد مرة أخرى أن ذلك تحليل للصورة وليس دليلاً على نية الزيدي الشخصية.
فالزيدي اليوم أمام منظومة عراقية معقدة:
- قوى تريد الحفاظ على نفوذها.
- مصالح اقتصادية مرتبطة بالفساد.
- جماعات مسلحة لها حساباتها السياسية والأمنية.
- قوى تخشى أن يؤدي تقوية الدولة إلى تقليص نفوذها.
- وبيئة إقليمية ودولية تريد عراقاً مستقراً، لكنها تريد في الوقت نفسه الحفاظ على مصالحها داخله.
وفي مواجهة كل ذلك، تأتي عبارة:
«لا يمكنني السكوت»
كأنها، في القراءة الرمزية، ليست رسالة إلى شخص واحد، وإنما إعلان موقف تجاه منظومة كاملة.
من «الصمت» إلى «الفعل»
لكن هناك نقطة أهم.
لو كان الزيدي يريد إرسال رسالة سياسية حقيقية عبر هذه الصورة، فإن قيمة الرسالة لن تقاس بالكتاب الذي أمسكه، وإنما بالقرارات التي ستأتي بعد الصورة.
لأن العراق لا يحتاج إلى رئيس وزراء يقول:
«لا يمكنني السكوت»
فقط.
بل يحتاج إلى رئيس وزراء يستطيع أن يقول:
«لا يمكنني السكوت.. ولذلك سأفعل».
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي.
هل تستمر مكافحة الفساد عندما تصل إلى أصحاب النفوذ؟
هل يستمر حصر السلاح عندما يقترب من القوى الأقوى؟
هل تستطيع الحكومة فرض القانون على الجميع دون استثناء؟
هل تتحول عوائد الدولة النفطية إلى تنمية مستدامة؟
وهل تستطيع الحكومة حماية استقلال القرار العراقي مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران وبقية القوى الإقليمية والدولية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت صورة الكتاب مجرد لحظة ثقافية جميلة، أم أنها كانت انعكاساً مبكراً لفلسفة سياسية يريد الزيدي أن يرسخها.
الصورة التي قد تختصر مشروع حكومة
في النهاية، ربما تكون أكثر قراءة سياسية إثارة للصورة هي أن الزيدي لم يكن بحاجة إلى الوقوف أمام كتاب بعنوان «أنا أريد السلطة» أو «كيف تحكم».
بل ظهر أمام كتاب يقول:
«لا يمكنني السكوت»
وبين عنوان الكتاب ومشروع الحكومة يمكن رسم خط سياسي واضح:
لا يمكن السكوت عن السلاح خارج الدولة.
لا يمكن السكوت عن الفساد.
لا يمكن السكوت عن إضعاف مؤسسات الدولة.
لا يمكن السكوت عن تعطيل القانون.
ولا يمكن السكوت عن أي مشروع يبقي العراق في دائرة عدم الاستقرار.
لكن الرسالة الأهم ربما تتجه إلى أصحاب الحكم والنفوذ أنفسهم:
إن بناء الدولة يعني أن تتراجع سلطة الأشخاص والجماعات والمصالح أمام سلطة القانون.
وهنا تصبح معركة الزيدي الحقيقية ليست مع السلاح وحده، ولا مع الفاسدين وحدهم، وإنما مع فكرة الدولة الضعيفة التي تسمح بتعدد مراكز القوة وتوزيع المسؤولية بحيث لا يعرف المواطن من يحاسبه ومن يحميه.
وإذا كان اختيار «لا يمكنني السكوت» مقصوداً، فربما تكون الرسالة الأوضح التي حملتها الصورة هي:
«مرحلة الصمت انتهت.. والاختبار الآن: من يستطيع أن يمنع الدولة من الكلام والفعل؟»

