مليارات خارج معادلة الاستيراد

شبكة إنماز نيوز | تحقيق استقصائي 

فجوة بأكثر من 113 مليار دولار بين مبيعات العملة وقيمة الاستيراد في العراق خلال خمس سنوات

تحقيق استقصائي مدفوع بالبيانات · مشروع «إنفو العراق»
ثائر إبراهيم  ·  إشراف: عمرو العراقي

أين يذهب الدولار الذي يبيعه البنك المركزي؟ تحليلٌ لبيانات مبيعات العملة الأجنبية ومقارنتها بالاستيرادات الرسمية بين 2020 و2024 يكشف فجوة تراكمية تقارب 113 مليار دولار — فجوة تتعدد تفسيراتها بين ما هو مشروع وما يثير التساؤل.

◆خلاصة التحقيق
  • باع البنك المركزي العراقي نحو 231.1 مليار دولار للتحويلات الخارجية بين 2020 و2024, مقابل 117.7 مليار دولار فقط لقيمة الاستيرادات المسجّلة رسميًا.
  • يترك ذلك فجوة تراكمية تقارب 113.4 مليار دولار, سجّلت أعلى قيمة سنوية لها عام 2024 (32.6 مليار دولار).
  • رغم إطلاق المنصة الإلكترونية عام 2023 وتشديد التدقيق, ارتفعت الفجوة من 15.9 (2022) إلى 23.1 مليار دولار (2023) ثم 32.6 (2024).
  • لا تعني الفجوة بالضرورة تحويلات غير مشروعة؛ فجزء منها مدفوعات خدمات وسفر وعلاج لا تُسجّل كواردات سلعية — لكن اتساعها يطرح أسئلة عن تطابق حركة الأموال مع حركة السلع.
01دورةٌ تبدأ بالدينار وتنتهي بالدولار
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي.

في نهاية كل يوم, يجمع حيدر — تاجر في سوق جميلة التجاري في بغداد — حصيلة مبيعاته بالدينار العراقي؛ عشرات الملايين تدخل صندوق متجره, لكنها لا تبقى بالدينار طويلًا, ففي صباح اليوم التالي يتوجه إلى السوق لتحويلها إلى دولارات.

«نبيع بضاعتنا بالدينار, لكننا نشتريها من الخارج بالدولار. إذا لم أحوّل أموالي إلى دولار اليوم, فقد أخسر غدًا بسبب تغير سعر الصرف.»

لا يعمل حيدر مستوردًا مباشرًا؛ فهو يشتري البضائع من مستوردين كبار, ثم يوزعها على شبكة من التجار في بغداد والمحافظات. ومع ذلك, يجد نفسه جزءًا من الطلب اليومي على الدولار, إذ تبدأ دورة التجارة — كما يصفها — بالدينار وتنتهي بالدولار.

لكن تقلبات سعر الصرف ليست مصدر القلق الوحيد بالنسبة إلى حيدر. فهو يرى أن ضعف الرقابة على حركة الأموال والبضائع قد يسمح بدخول سلع لا يُعرف على وجه الدقة كيف جرى تمويلها. ويشير إلى أن السلع سريعة التداول, مثل المواد الغذائية والدواجن والبيض واللحوم, تسترد قيمتها سريعًا بعد بيعها, ما يجعلها — بحسب تقديره — أكثر جاذبية لمن يسعى إلى تدوير الأموال بسرعة.

تفتح شهادة حيدر الباب أمام سؤال أوسع: إذا كان جزء من التجار يعتمد على شراء الدولار من السوق الموازية, بينما يبيع البنك المركزي عشرات المليارات من الدولارات سنويًا لتمويل التجارة الخارجية, فهل تتطابق قيمة هذه المبيعات مع قيمة السلع التي تدخل العراق فعليًا؟

للإجابة عن هذا السؤال, حلّل معدّ التحقيق بيانات مبيعات العملة الأجنبية الصادرة عن البنك المركزي العراقي, وقارنها ببيانات الاستيراد الرسمية خلال الفترة من 2020 إلى 2024. كشف التحليل عن فجوة بمليارات الدولارات بين قيمة العملة المباعة وقيمة الاستيرادات المعلنة — فجوة تتعدد تفسيراتها؛ فمنها ما قد يرتبط بعوامل تجارية ومالية مشروعة, ومنها ما يثير تساؤلات بشأن تحويلات لا تقابلها واردات مسجلة, أو سلع دخلت العراق بطرق لا تنعكس بالكامل في الإحصاءات الرسمية.

02فجوة بمليارات الدولارات

231 مليارًا خرجت… 118 مليارًا استوردناها

عند تحليل بيانات مبيعات العملة الأجنبية الصادرة عن البنك المركزي, ومقارنتها ببيانات الاستيراد الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء, برزت فجوة بين قيمة الدولار المباع وقيمة السلع التي دخلت العراق خلال السنوات الخمس الأخيرة.

231.1مليار $مبيعات البنك المركزي من الدولار (2020–2024)
117.7مليار $قيمة الاستيرادات المسجّلة رسميًا
113.4مليار $الفجوة التراكمية بين الاثنين
السنةالمبيعات
مليار $
الاستيرادات
مليار $
الفجوة
مليار $
الاستيراد/المبيعاتغير مغطّى تجاريًا
202040.715.425.337.8%62.2%
202130.514.016.545.8%54.2%
202237.721.915.958.0%42.0%
202347.724.623.151.6%48.4%
202474.541.932.656.2%43.8%
المجموع231.1117.7113.450.9%49.1%
مبيعات البنك المركزي من الدولار مقابل قيمة الاستيرادات المسجّلة رسميًا (2020–2024). المصدر: البنك المركزي العراقي والجهاز المركزي للإحصاء.

تُقسم مبيعات العملة الصعبة لدى البنك المركزي إلى: النقد, والحوالات, وتعزيز أرصدة المصارف. وبما أن النقد لا يموّل التجارة, احتُسب التمويل الخارجي بناءً على الحوالات فقط للفترة (2020–2022), وأُضيفت إليها تعزيز الأرصدة للفترة (2023–2024) انسجامًا مع إدخال البنك المركزي نظام البنوك المراسلة لتغطية الاستيرادات.

مبيعات الدولار مقابل قيمة الاستيراداتمليار دولار · 2020–2024
02040608020202021202220232024
مبيعات الدولارقيمة الاستيرادات

المنطقة المظلّلة هي الفجوة: اتّسعت بوضوح عام 2024 حين قفزت المبيعات إلى 74.5 مليار دولار مقابل 41.9 مليار للاستيرادات.

تكشف البيانات أن قيمة مبيعات التحويلات الخارجية للدولار خلال 2020–2024 بلغت نحو 231.1 مليار دولار, مقابل 117.7 مليار دولار فقط لقيمة الاستيرادات المسجّلة رسميًا, ما يترك فجوة تراكمية تقارب 113.4 مليار دولار.

سجّل عام 2024 أعلى قيمة لمبيعات الدولار خلال فترة الرصد, إذ بلغ 74.5 مليار دولار مع ارتفاع الاستيرادات إلى 41.9 مليار دولار. ورغم انخفاض حصة «الدولار غير المغطى تجاريًا» من 62.2% عام 2020 إلى 43.8% عام 2024, فإن الفجوة المطلقة ظلّت عند مستويات قياسية بواقع 32.6 مليار دولار.

الفجوة السنوية بين المبيعات والاستيراداتمليار دولار
0918263525.3202016.5202115.9202223.1202332.62024

بلغت الفجوة التراكمية نحو 113.4 مليار دولار خلال خمس سنوات, وسجّلت أعلى قيمة لها عام 2024 (32.6 مليار).

وعلى الرغم من التغيرات الهيكلية التي أدخلها البنك المركزي على آليات تمويل التجارة الخارجية عام 2023, وبدء العمل بالمنصة الإلكترونية التي تسمح للتجار بشراء البضائع ثم تغطية قيمتها الدولارية عبر فواتير, واعتماد مسار تعزيز أرصدة المصارف لدى البنوك المراسلة, فإن هذا العام شهد قفزة لافتة في الفجوة لتسجّل نحو 23.1 مليار دولار.

03لماذا ظهرت الفجوة؟

ليست كل الفجوة أموالًا مفقودة

لا تعني الفجوة بين مبيعات الدولار وقيمة الاستيرادات المسجّلة رسميًا بالضرورة أن كامل الفرق يمثل أموالًا خرجت لتمويل واردات غير حقيقية. فطبيعة العمليات التي تمر عبر منظومة بيع العملة تغيّرت خلال السنوات محل الدراسة, كما أن بعض المدفوعات بالدولار لا ترتبط مباشرة باستيراد السلع.

يرى المستشار والخبير الاقتصادي عادل الدلفي أن تفسير الفجوة يحتاج إلى النظر في التحولات التي شهدها نظام بيع العملة. ويوضح أن البنك المركزي اعتمد لسنوات على نافذة بيع العملة التقليدية, قبل أن يبدأ مطلع 2023 تطبيق نظام إلكتروني للتحويلات الخارجية يعتمد على التدقيق الرقمي للوثائق والفواتير, بالتنسيق مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

ويضيف الدلفي أن عامَي 2023 و2024 شهدا تشديدًا في إجراءات تدقيق الفواتير والتحويلات الخارجية, وهو ما غيّر — بحسب تقديره — طبيعة العمليات التي يجري تمويلها عبر نافذة بيع العملة. ويوضح أن جزءًا من الفجوة قد يرتبط بمدفوعات لا تظهر ضمن بيانات الاستيراد السلعي الرسمي, من بينها استخدامات بطاقات الدفع الإلكتروني, ونفقات السفر والعلاج, ومدفوعات الشركات الأجنبية — وهي عمليات ترفع الطلب على الدولار دون أن تُسجّل باعتبارها واردات سلعية.

«ما بين 70% و90% من الطلب على الدولار يرتبط بتمويل استيراد السلع, بينما تمثّل الخدمات والتحويلات والنفقات الأخرى ما بين 10% و30% — وهو نطاق طبيعي.»— عادل الدلفي, خبير اقتصادي

لكن الصورة تختلف, بحسب الدلفي, عندما تتّسع الفجوة بصورة كبيرة: «إذا بلغت مبيعات البنك المركزي 100 مليار دولار, في حين لم تتجاوز قيمة الاستيرادات 50 مليار دولار, فإن هذا يستدعي التساؤل, وقد يكون مؤشرًا على مبالغة في قيم الفواتير التجارية, أو تهريب للعملة, أو عمليات غسل أموال.» ويؤكد أن مقارنة بيانات المبيعات بالاستيراد تمثّل أداة مهمة لرصد الفجوات, لكنها لا تكفي وحدها لإثبات مخالفات, وإنما تستدعي فحصًا إضافيًا للوثائق.

04الفجوة تتغيّر من شهر إلى آخر

حين تنقلب الفجوة إلى ما دون الصفر

لا تكشف البيانات السنوية وحدها الصورة كاملة؛ فعند تفكيكها شهريًا, يتّضح أن الفجوة لم تكن ثابتة, بل شهدت تذبذبًا كبيرًا من شهر إلى آخر, بل وتحوّلت في بعض الأشهر إلى قيمة سالبة, أي أن قيمة الاستيرادات المسجّلة تجاوزت مبيعات الدولار.

الفجوة الشهرية بين المبيعات والاستيراداتمليار دولار · شهريًا
-3-113520202021202220242023غير متوفر

تذبذبت الفجوة شهريًا, وتحوّلت في بعض الأشهر إلى قيمة سالبة (بالأحمر) حين تجاوزت الاستيرادات المسجلة مبيعات الدولار. الفترة المظلّلة (2023) غير متوفرة شهريًا من المصدر.

ففي عام 2020, بلغت الفجوة أعلى مستوياتها في يناير عند نحو 3.3 مليار دولار, قبل أن تنخفض إلى نحو 1.4 مليار في يوليو, ثم عادت إلى الارتفاع في سبتمبر إلى نحو 3.1 مليارات. وفي 2021 بدت الصورة أكثر تباينًا؛ ففي يناير تجاوزت الاستيرادات المبيعات بنحو مليار دولار, قبل أن تعود الفجوة إلى الاتجاه الموجب وتبلغ ذروتها في يونيو عند نحو 3 مليارات.

وفي 2022 انخفضت الفجوة, قبل أن تعاود الارتفاع في 2023. وتكرّر نمط مشابه في يناير 2024 حين تجاوزت الاستيرادات المبيعات بنحو 2 مليار دولار, قبل أن تعود الفجوة إلى الاتجاه الموجب في فبراير, وتصل إلى أعلى مستوياتها خلال العام في ديسمبر بنحو 4.9 مليارات دولار.

استُبعدت البيانات الشهرية لعام 2023 لعدم توفرها من المصدر (تظهر كفترة مظلّلة في الرسم)، واعتُمد مجموعه السنوي (47.7 مليار دولار) من نشرة البنك المركزي 2024 بعد إدراج الحوالات وتعزيز أرصدة المصارف.

تشير هذه التفاوتات إلى أن الفجوة لا يمكن قراءتها باعتبارها رقمًا ثابتًا أو دليلًا مباشرًا على استيرادات غير حقيقية؛ فالبيانات تكشف عن علاقة أكثر تعقيدًا بين توقيت بيع العملة وتوقيت تسجيل الاستيرادات وطبيعة المدفوعات.

05المنصّة الإلكترونية.. هل فسّرت جزءًا من الفجوة؟

إصلاحاتٌ رافقها اتساعٌ في الفجوة

دخل العراق مرحلة جديدة مع تشديد إجراءات تدقيق التحويلات الخارجية. فوفقًا للبنك المركزي, بدأ العمل بالمنصة الإلكترونية مطلع 2023, بهدف الانتقال من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الاستباقية على عمليات بيع العملة. وتضمّنت المرحلة الأولى تدقيق الحوالات اليومية من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي, قبل الانتقال تدريجيًا إلى نظام يعتمد على البنوك المراسلة وشركة تدقيق دولية.

وفي اجتماع لمحافظ البنك المركزي علي محسن العلاق مع رؤساء المصارف في 24 سبتمبر 2023, أعلن أن هذا التحول جاء بعد اتفاق بين البنك المركزي والاحتياطي الفيدرالي, بحيث يقتصر دور البنك المركزي على الإشراف والرقابة. وأضاف أن 60% من الحوالات الخارجية أصبحت تُنفّذ عبر البنوك المراسلة خارج المنصة, مع فتح قنوات تحويل بعملات متعددة (الدرهم الإماراتي, اليورو, الروبية الهندية, الليرة التركية) لتقليل الاعتماد على الدولار.

وبحسب البنك المركزي, ارتفعت هذه النسبة خلال 2024؛ إذ أعلن أن 95% من التحويلات الخارجية أصبحت تُنفّذ مباشرة عبر البنوك المراسلة, ولم يتبقّ داخل المنصة سوى نحو 5%. كما أوضح أن الإمارات وتركيا والهند والصين تمثّل نحو 70% من تجارة العراق الخارجية, وأن 13 مصرفًا عراقيًا بدأ فعليًا تنفيذ التحويلات وفق الآلية الجديدة.

ورغم تأكيد البنك المركزي أن هذه الإجراءات أسهمت في تأمين الدولار بالسعر الرسمي وخفض التضخم والامتثال لقانون مكافحة غسل الأموال, فإن بيانات هذا التحقيق تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نجحت المنصة في تضييق الفجوة؟

مع بدء تطبيق المنصة عام 2023, لم تنخفض الفجوة بل ارتفعت من 15.9 مليار دولار (2022) إلى 23.1 مليار (2023), بالتزامن مع وصول التحويلات عبر البنوك المراسلة إلى مستويات قياسية.

وتظهر المفارقة في أن انخفاض حصة «الدولار غير المغطى تجاريًا» من 62.2% (2020) إلى 43.8% (2024) لم يمنع الفجوة من بلوغ أعلى قيمة رقمية لها خلال الفترة, نتيجة التوسع في إجمالي مبيعات الدولار. ورغم أن هذه البيانات لا تكفي وحدها لإثبات أثر مباشر للمنصة على حجم الفجوة, فإنها تفتح الباب أمام احتمالات أخرى: اختلاف توقيت تسجيل التحويلات عن الاستيرادات, وطبيعة المدفوعات, ومنهجيات احتساب البيانات.

على الجانب الآخر, يقول المتحدث الرسمي باسم غرفة تجارة بغداد رشيد السعدي إن تطبيق المنصة لم يؤدِّ إلى تراجع أعداد المستوردين, مؤكدًا أن جميع التجار الذين يستوفون المتطلبات القانونية والمصرفية يستطيعون إجراء تحويلاتهم. لكنه يوضح أن بعض التجار واجهوا في المراحل الأولى صعوبات دفعت عددًا منهم إلى اللجوء مؤقتًا إلى السوق الموازية للحصول على الدولار, وأن الغرفة تلقّت شكاوى وتواصلت مع البنك المركزي لمعالجتها.

06لماذا بقي الدولار مرتفعًا في السوق الموازية؟

فارقٌ اتّسع مع الإصلاح

رغم الإصلاحات وتشديد التدقيق, لم يختفِ الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية. بل تشير البيانات إلى أن الفجوة بين السعرين اتّسعت بصورة ملحوظة بعد تعديل سعر الصرف وإطلاق المنصة الإلكترونية.

سعر الدولار: السوق الموازية مقابل السعر الرسميدينار عراقي · 2020–2025
1,1501,2621,3751,4881,600202020212022202320242025
السوق الموازيةالسعر الرسمي

بعد إطلاق المنصة الإلكترونية وخفض السعر الرسمي إلى 1,320 دينارًا مطلع 2023, اتّسع الفارق مع السوق الموازية إلى 211 دينارًا, قبل أن يتراجع نسبيًا.

يستند الدلفي إلى تطور أسعار الصرف موضحًا أن الفارق كان محدودًا قبل تطبيق المنصة. لكن بعد إطلاقها وبداية 2023, انخفض السعر الرسمي إلى 1,320 دينارًا, بينما ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية ليتراوح بين 1,500 و1,650 دينارًا خلال 2023, قبل أن يستقر نسبيًا في 2024 بين 1,480 و1,530 دينارًا. وبلغ متوسط سعر السوق الموازية 1,531 دينارًا عام 2023 مقابل 1,320 للسعر الرسمي, بفارق بلغ 211 دينارًا — أعلى فارق في الفترة.

ويرى الدلفي أن ارتفاع حجم مبيعات الدولار لا يعني بالضرورة انخفاض سعره في السوق الموازية, لأن الجزء الأكبر من هذه المبيعات لا يتحول إلى نقد متداول داخل السوق, وإنما يذهب إلى تمويل الاستيرادات والتحويلات عبر القنوات الرسمية. ويضيف أن عوامل أخرى تسهم في استمرار الارتفاع, من بينها وجود طلب على الدولار خارج النظام المصرفي, وعمليات شراء نقدي لا تمر عبر القنوات الرسمية, فضلًا عن تأثير العقوبات والإجراءات الأمريكية التي طالت بعض المصارف العراقية.

ويشير إلى أنه, من الناحية النظرية, لو تمكّن جميع المستوردين الحقيقيين من الحصول على الدولار عبر القنوات الرسمية, ولو غطّت هذه القنوات كامل الطلب المشروع, لكان الفارق بين السعرين محدودًا للغاية — وربما لا يتجاوز بضعة دنانير. إلا أن استمرار وجود طلب خارج القنوات الرسمية أبقى الفارق عند مستويات أعلى.

07البُعد القانوني

الفجوة الرقمية لا تكفي وحدها للحكم

يوضّح الخبير القانوني محمد الربيعي أن الفجوة بين قيمة الدولار المباع وقيمة الاستيرادات المسجّلة رسميًا لا تُعدّ, من الناحية القانونية, دليلًا بحد ذاتها على ارتكاب جريمة, لكنها تمثّل مؤشرًا يستوجب التدقيق والتحقق.

ويقول إن البنك المركزي, عند رصد فروقات بين التحويلات الخارجية وقيمة الاستيرادات, يتحقق من مدى مطابقة عمليات التحويل للوثائق التجارية — بما في ذلك الفواتير, ووثائق الشحن, والبيانات الجمركية, والمستندات الضريبية — للتأكد من استخدام الأموال المحوّلة في استيراد فعلي. وتمثّل هذه الوثائق الحلقة الأساسية في التحقق من سلامة التحويلات.

ويؤكد الربيعي أن ظهور فواتير مزوّرة, أو تضخيم في قيم الاستيراد, أو تحويلات لا تستند إلى نشاط تجاري حقيقي, قد يؤدي إلى إحالة القضية إلى الجهات القضائية المختصة, بما في ذلك محكمة تحقيق النزاهة وغسل الأموال.

08خلاصة

إلى أين ينتهي مسار المليارات؟

مع انتهاء رحلة البيانات والوثائق والشهادات, تعود قصة التاجر حيدر إلى الواجهة, باعتبارها انعكاسًا لواقع يعيشه آلاف التجار في العراق. ففي كل صباح, يجمع مبيعاته بالدينار ثم يتجه إلى سوق الصرافة لشراء الدولارات — لا تمثّل له أسعار الصرف أرقامًا في جداول, بل تكلفة يومية تحدّد أرباحه وقدرته على الاستمرار.

لكن رحلة التحقيق تكشف أن ما يعيشه حيدر ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة أطول, تبدأ من منظومة بيع العملة في البنك المركزي, وتمر عبر المصارف وشركات التحويل والمستوردين والوثائق التجارية. وخلال خمسة أعوام, أظهرت البيانات الرسمية فجوة تتجاوز 113 مليار دولار بين ما بيع من الدولار وما سُجّل من استيرادات.

ولا تعني هذه الفجوة, بحد ذاتها, أن المبلغ يمثّل تحويلات غير مشروعة أو استيرادات وهمية. فالخبراء يشيرون إلى أن جزءًا منها قد يرتبط بتحويلات مشروعة ونفقات على الخدمات والسفر ومدفوعات لا تظهر ضمن بيانات الاستيراد السلعي. لكن اتساع الفارق يطرح أسئلة حول مدى تطابق حركة الأموال مع حركة السلع, وحول قدرة أنظمة الرقابة على تتبّع مسار الأموال والتحقق من المستندات.

ورغم الإصلاحات التي بدأها البنك المركزي مطلع 2023, تبقى أسئلة أساسية بلا إجابة حاسمة: ما حجم الفجوة الذي يمكن تفسيره بتحويلات مشروعة؟ وما الجزء الناتج عن اختلاف توقيت أو منهجيات احتساب البيانات؟ وهل تكفي الإجراءات الحالية لضمان تتبّع كل دولار يخرج عبر القنوات الرسمية إلى نشاط تجاري حقيقي ووثائق قابلة للتحقق؟

الثقة في الاقتصاد لا تُبنى على وفرة الدولار وحدها, وإنما على وضوح المسار الذي يسلكه — منذ خروجه من القنوات الرسمية وحتى تحوّله إلى سلعة على الرفوف.

تواصل معدّ التحقيق مع قسم الإعلام في البنك المركزي العراقي أكثر من مرة, ولم يرد البنك بإجابة مباشرة عن الفجوة, ولم يعترض على أرقامها, وأحال إلى بيان عام صادر عنه في آذار/مارس 2025 بشأن آلية نشر بيانات بيع العملة, وإلى تقرير الاستقرار المالي لسنة 2021 — وهي مواد لا تتضمّن بيانات عن مبيعات النافذة أو قيمة الاستيرادات خلال المدة محل الرصد.

أُنجز هذا التحقيق بدعم من منصة عابر, ضمن مشروع صحافة البيانات في العراق «إنفو العراق».

◆مصادر ووثائق التحقيق
  1. البنك المركزي العراقي — بيانات مبيعات العملة الأجنبية (النقد, الحوالات, تعزيز أرصدة المصارف) ونشراته السنوية (2020–2024).
  2. الجهاز المركزي للإحصاء / هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية — بيانات الاستيراد الرسمية (2020–2024).
  3. تقرير أسعار صرف الدولار في محافظة بغداد (كانون الثاني–تموز 2026) الصادر عن هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية.
  4. تقرير أسعار صرف الدينار مقابل الدولار الصادر عن البنك المركزي العراقي.
  5. بيان محافظ البنك المركزي علي محسن العلاق مع رؤساء المصارف (24 سبتمبر 2023), وبيانات البنك المركزي حول المنصة الإلكترونية والبنوك المراسلة.
  6. مقابلات: التاجر حيدر (سوق جميلة, بغداد)؛ الخبير الاقتصادي عادل الدلفي؛ المتحدث باسم غرفة تجارة بغداد رشيد السعدي؛ الخبير القانوني الربيعي.
تحقيق: ثائر إبراهيم · إشراف: عمرو العراقي