شبكة إنماز نيوز | وحدة التحليل الاقتصادي
لم تعد زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى باريس مجرد محطة دبلوماسية ضمن جولة أوروبية، فالمباحثات العراقية–الفرنسية تبدو محكومة بحسابات اقتصادية أوسع من البيانات البروتوكولية، تبدأ من النفط والغاز، ولا تنتهي عند النقل والطيران والمياه والبنى التحتية والتمويل والتكنولوجيا.
وفي الوقت الذي يبحث فيه العراق عن شركاء دوليين يساعدونه في الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، تنظر فرنسا إلى السوق العراقية باعتبارها مساحة قابلة للتوسع أمام شركاتها، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات والتكنولوجيا.
واستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في باريس، اليوم الاثنين، ضمن زيارة رسمية ركزت على تطوير العلاقات الثنائية، فيما أظهر جدول الرئاسة الفرنسية أن اللقاء جاء في إطار زيارة رسمية للزيدي إلى فرنسا. (elysee.fr)
من العلاقات السياسية إلى المصالح الاقتصادية
الرسالة الأبرز التي تحملها زيارة الزيدي يمكن قراءتها في طبيعة الملفات المطروحة، إذ أعلنت الحكومة العراقية أن الجولة الأوروبية تستهدف توقيع تفاهمات في مجالات الاستثمار والطاقة والصناعة والتجارة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والبنى التحتية، بما يعكس رغبة بغداد في نقل العلاقات مع الدول الأوروبية من مستوى العلاقات السياسية إلى مستوى الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد. (شفق نيوز..)
وتكتسب فرنسا أهمية خاصة بالنسبة للعراق، ليس فقط بسبب ثقلها السياسي داخل الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن، وإنما أيضاً بسبب وجود شركات فرنسية تمتلك خبرة طويلة في قطاعات يحتاجها الاقتصاد العراقي بشدة.
وتشير السفارة الفرنسية في العراق إلى أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشهد نمواً، في إطار توجه العراق نحو تنويع اقتصاده وتعزيز دور القطاع الخاص. (الدبلوماسية الفرنسية في العراق)
لكن السؤال الاقتصادي الحقيقي لا يتعلق بعدد الاتفاقيات التي يمكن توقيعها، وإنما بما إذا كانت تلك الاتفاقيات ستتحول إلى استثمارات فعلية، ومصانع، ومحطات طاقة، ومشاريع مياه ونقل، وفرص عمل للعراقيين.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الزيارة.
TotalEnergies.. الرقم الأكبر على الطاولة
من أبرز الملفات الاقتصادية في باريس شركة TotalEnergies الفرنسية، التي تمثل نموذجاً واضحاً لطبيعة الشراكة التي يريد العراق توسيعها.
فاللقاء مع قيادة الشركة لا يتعلق بالنفط وحده، بل بمستقبل قطاع الطاقة العراقي بصورة أوسع، خصوصاً استثمار الغاز المصاحب وتطوير مشاريع الغاز والطاقة، وهي ملفات ترتبط مباشرة بأزمة الكهرباء وحاجة العراق إلى تقليل الاعتماد على استيراد الغاز.
ووفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية عن اللقاء، تبلغ استثمارات TotalEnergies الحالية في العراق نحو 12 مليار دولار، مع توجه لرفعها إلى نحو 16 مليار دولار.
وهذا الرقم، إذا تحول إلى مشاريع فعلية، يعني أن العراق لا يتعامل مع فرنسا كسوق للسلع فقط، وإنما كشريك محتمل في تمويل وتنفيذ مشاريع استراتيجية تمتد لسنوات.
كما أن الحديث عن رفع الإنتاج النفطي العراقي إلى مستويات أعلى يضع العلاقة مع الشركات الفرنسية في قلب استراتيجية بغداد لتعظيم الإيرادات النفطية، لكن التحدي يبقى في تحويل زيادة الإنتاج إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد، وليس مجرد زيادة صادرات الخام.
النفط لم يعد الملف الوحيد
قد يبدو النفط أكثر الملفات وضوحاً في العلاقة العراقية–الفرنسية، لكنه ليس بالضرورة الملف الوحيد الذي يمكن أن يحقق للعراق مكاسب طويلة الأمد.
فالعراق يحتاج إلى شركات متخصصة في الكهرباء والشبكات الذكية، والمياه، ومعالجة النفايات، والنقل، والسكك الحديدية، والصناعات التحويلية، والخدمات الرقمية.
وهذه القطاعات تحديداً يمكن أن توفر قيمة اقتصادية أكبر من عقود التجهيز التقليدية، لأنها تسمح بإدخال التكنولوجيا والخبرة الإدارية وتدريب الكوادر العراقية، فضلاً عن خلق سلاسل توريد محلية.
وفي هذا السياق، يرى المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن توجه العراق في المرحلة المقبلة يتجه نحو الشراكات الاستثمارية طويلة الأمد بدلاً من الاقتصار على التمويل أو الاتفاقيات الشكلية، مشدداً في مواقف اقتصادية سابقة على أن نجاح الاتفاقيات يرتبط بتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. (إينا)
وهذا الطرح ينسجم مع طبيعة الملفات التي يحملها الوفد العراقي إلى أوروبا: الاستثمار، الإنتاج، نقل التكنولوجيا، وتوسيع قاعدة الاقتصاد غير النفطي.
لماذا تحتاج فرنسا إلى العراق؟
المعادلة ليست عراقية فقط.
فرنسا، مثل بقية القوى الاقتصادية الأوروبية، تبحث عن أسواق جديدة لشركاتها، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية على مشاريع الطاقة والبنى التحتية.
والعراق يمتلك ما يجذب الشركات الكبرى: سوق كبيرة، موارد طبيعية، حاجة هائلة إلى إعادة تأهيل البنى التحتية، وموقع جغرافي يمكن أن يمنحه دوراً محورياً في الربط التجاري بين الخليج وتركيا وأوروبا.
كما أن اضطرابات المنطقة أعادت ملف الطاقة وطرق التجارة إلى صدارة الحسابات الأوروبية.
وقد تناول لقاء ماكرون والزيدي ملف الطاقة وتداعيات التطورات الإقليمية على إمداداتها، إلى جانب قضايا النقل والبنية التحتية والمياه والصحة، ما يؤكد أن باريس تنظر إلى العلاقة مع بغداد ضمن إطار اقتصادي واستراتيجي متكامل. (elysee.fr)
طريق التنمية يدخل الحسابات الأوروبية
لا يمكن فصل التحرك العراقي باتجاه أوروبا عن مشروع طريق التنمية.
فبغداد تريد تحويل موقعها الجغرافي من مجرد ميزة جغرافية إلى أصل اقتصادي، عبر تطوير الموانئ والسكك والطرق والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية.
وبحسب مصدر حكومي نقلته شفق نيوز، فإن العراق يريد الاستفادة من التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة في الطاقة والصناعة والزراعة والنقل والبنى التحتية، وربط هذه الشراكات بسلاسل التوريد العالمية، بما فيها تلك المرتبطة بطريق التنمية. (شفق نيوز..)
وهذا يعني أن الشركات الفرنسية قد لا تكون مطلوبة فقط لتشييد مشروع محدد، وإنما للمساهمة في منظومة اقتصادية متكاملة تجعل العراق مركزاً للنقل والتجارة بين الشرق والغرب.
من باريس إلى المصارف
الجانب المالي لا يقل أهمية عن الطاقة.
فانفتاح العراق على المؤسسات المالية الأوروبية يمكن أن يساهم في تمويل المشاريع الكبرى، خصوصاً أن الدولة العراقية وحدها لا تستطيع تحمل تكلفة جميع مشاريع البنية التحتية المطلوبة.
وتأتي لقاءات المسؤولين العراقيين مع مؤسسات مالية فرنسية في سياق محاولة بناء قنوات جديدة للتمويل والاستثمار، بدلاً من الاعتماد على الإنفاق الحكومي المباشر فقط.
وهنا يبرز مفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو اتجاه تحدث عنه مظهر محمد صالح باعتباره جزءاً من الرؤية الاقتصادية العراقية طويلة الأمد. (إينا)
فإذا استطاع العراق الجمع بين رأس المال المحلي والمؤسسات المالية الأوروبية والشركات العالمية، يمكن أن يتحول الاستثمار الأجنبي من مجرد تمويل لمشاريع منفردة إلى محرك لتوسيع القطاع الخاص العراقي.
الخبراء: الاختبار الحقيقي بعد العودة من باريس
الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري، في حديث نشرته صحيفة الصباح، رأى أن الجولة الأوروبية يمكن أن تفضي إلى اتفاقات اقتصادية وتنموية مهمة، وأنها تمثل فرصة لبناء علاقات اقتصادية وسياسية أكثر قوة واستدامة مع الدول المتقدمة، على أساس تبادل المنفعة والمشاركة الاقتصادية المستمرة. (الصباح)
لكن خبراء آخرين يضعون شرطاً أكثر أهمية: عدم الاكتفاء بمذكرات التفاهم.
وهذا التحدي ليس جديداً على العراق؛ فقد شهدت السنوات الماضية توقيع عشرات الاتفاقيات مع دول وشركات مختلفة، بينما بقي بعضها في إطار النوايا بسبب مشكلات التمويل، والبيروقراطية، والتشريعات، والبيئة الاستثمارية.
ولهذا فإن نجاح زيارة الزيدي إلى باريس لن يقاس بعدد الصور ومذكرات التفاهم التي ستوقع، وإنما بعدد المشاريع التي ستنتقل خلال الأشهر والسنوات المقبلة إلى مرحلة التنفيذ.
ماذا يريد العراق من فرنسا؟
يمكن تلخيص المطالب العراقية في خمسة مسارات رئيسية:
أولاً: جذب استثمارات فرنسية طويلة الأجل.
ثانياً: تطوير النفط والغاز، خصوصاً استثمار الغاز المصاحب.
ثالثاً: نقل التكنولوجيا والخبرات إلى الشركات والكوادر العراقية.
رابعاً: تطوير البنى التحتية والنقل والمياه والطاقة.
خامساً: فتح قنوات تمويل أوروبية لمشاريع القطاعين العام والخاص.
وفي المقابل، تريد فرنسا حضوراً اقتصادياً أكبر في سوق عراقية ضخمة، وتعزيز موقع شركاتها في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب الحفاظ على شراكة سياسية وأمنية مع بغداد.
بين باريس وبغداد.. فرصة ولكن بشروط
الزيارة، بهذا المعنى، تمثل محاولة لبناء علاقة اقتصادية جديدة بين العراق وفرنسا، لا تقوم فقط على شراء العراق منتجات فرنسية أو استثمار الشركات الفرنسية في قطاع النفط.
الفرصة الأكبر تكمن في أن يتحول التعاون إلى نقل معرفة وتكنولوجيا، وتصنيع محلي، وتدريب، وتشغيل، وتمويل، وربط العراق بالأسواق الأوروبية.
وهنا يصبح السؤال: هل تستطيع بغداد أن تستثمر الثقل السياسي الفرنسي لإنتاج مكاسب اقتصادية ملموسة؟
الإجابة لن تظهر في باريس، وإنما في بغداد، عندما تبدأ الشركات الفرنسية بتنفيذ المشاريع، وتدخل التكنولوجيا إلى المصانع ومحطات الطاقة وشبكات المياه والنقل، وعندما يشعر القطاع الخاص العراقي أن الشراكة الأوروبية فتحت له أسواقاً وتمويلاً وخبرة جديدة.
فالعراق لا يحتاج إلى شريك أوروبي جديد يضيف اسماً إلى قائمة الشركاء، بقدر حاجته إلى شريك ينقل الاقتصاد من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة الإنتاج.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري بين بغداد وباريس ليس مجرد زيارة رئيس وزراء إلى عاصمة أوروبية، بل اختبار لنموذج اقتصادي جديد: هل يستطيع العراق تحويل موارده وموقعه الجغرافي إلى شراكات استثمارية مستدامة، وهل تستطيع فرنسا أن تكون واحدة من بوابات هذا التحول؟
والاختبار الحقيقي سيبدأ بعد انتهاء الزيارة، عندما تتحول الأوراق الموقعة في باريس إلى مشاريع على الأرض داخل العراق.






