لماذا سيمنز؟.. شركة ألمانية تعود إلى كهرباء العراق للمرة الرابعة

شبكة إنماز نيوز | محرر الشؤون الاقتصادية 

لم تعد علاقة العراق بشركة سيمنز الألمانية مجرد علاقة بين حكومة وشركة عالمية تبحث عن سوق جديدة، بل تحولت خلال العقود الماضية إلى شراكة متكررة في واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للاقتصاد العراقي: الكهرباء والطاقة والبنية التحتية.

وفي أحدث حلقات هذه العلاقة، رعى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي والمستشار الألماني فريدرش ميرتس مراسم توقيع اتفاقية مبادئ تعاون الطاقة في العراق – المرحلة الرابعة بين وزارة الكهرباء وشركة سيمنز، في خطوة تعيد الشركة الألمانية إلى الواجهة بوصفها أحد أبرز الأسماء الأجنبية المرتبطة بمستقبل منظومة الطاقة العراقية.

لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط: ماذا ستنفذ سيمنز في المرحلة الرابعة؟ بل لماذا تعود بغداد إلى الشركة نفسها مرة بعد أخرى؟ ولماذا أصبحت سيمنز من الأسماء التي تحظى بأفضلية في ملف الكهرباء العراقي؟

سيمنز أقدم من مرحلة ما بعد 2003

على خلاف ما قد يوحي به تكرار اسم سيمنز في مشاريع إعادة إعمار العراق بعد عام 2003، فإن حضور الشركة في العراق أقدم بكثير.

وتوجد وثائق دولية توثق دخول سيمنز في عقود ومشاريع عراقية منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ ففي عام 1985 أبرمت الشركة عقداً مع مؤسسة الصناعات الفنية العراقية لتجهيز وتركيب معدات، كما دخلت في عام 1989 بعقد مع مؤسسة الفاو العامة لتجهيز وتركيب وتشغيل معدات في العراق. 

وفي قطاع الكهرباء تحديداً، عملت الشركة على مشاريع إعادة تأهيل وحدات توليد قبل حرب 2003. وتشير تقارير صحفية إلى أن عقداً لإعادة تأهيل الوحدتين الخامسة والسادسة في إحدى محطات الكهرباء أُبرم في أواخر التسعينيات، بينما كانت أعمال التأهيل لا تزال مرتبطة بالمحطة عند دخول العراق مرحلة الحرب. 

بل إن التعاون لم يقتصر على الكهرباء؛ فقد شاركت سيمنز في مشاريع مرتبطة بالطاقة الشمسية في العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، بينها تعاون في تجميع وحدات الخلايا الشمسية عام 1987. 

بمعنى آخر، سيمنز ليست شركة دخلت العراق بعد 2003 فقط، وإنما لها سجل سابق مع مؤسسات الدولة العراقية يمتد لعقود.

ماذا حدث بعد 2003؟

بعد سقوط النظام السابق وتدمير جزء كبير من البنية التحتية، وجدت سيمنز نفسها مجدداً داخل السوق العراقية.

وفي تشرين الثاني 2003، ظهرت الشركة في مشاريع إعادة الإعمار، مع حديث عن عقد لتطوير محطة توليد غازية بقدرة تقارب 266 ميغاواط، فضلاً عن أعمال أخرى نفذتها الشركة أو دخلت فيها كمقاول ثانوي. 

ثم جاءت النقلة الأكبر في عام 2008، عندما دخل العراق في عقود بمليارات الدولارات مع شركات عالمية بينها سيمنز وجنرال إلكتريك لزيادة قدرات التوليد. وتشير مصادر إلى أن الاتفاقات التي وقعت في ذلك العام استهدفت إضافة نحو 11 ألف ميغاواط إلى القدرة المركبة. 

وهنا بدأت سيمنز تتحول من مجرد شركة أجنبية تعمل في العراق إلى اسم راسخ داخل منظومة الكهرباء العراقية.

كم رئيس حكومة تعامل معها؟

إذا كان المقصود العقود والاتفاقيات الرئيسية الموثقة، وليس مجرد الاجتماعات أو استقبال وفود الشركة، فيمكن تتبع علاقة سيمنز بعد 2003 عبر أربع حكومات رئاسية وزارية رئيسية: حكومة نوري المالكي، وحكومة عادل عبد المهدي، وحكومة محمد شياع السوداني، وحكومة علي فالح الزيدي الحالية.

في عهد نوري المالكي، دخلت سيمنز في عقود الكهرباء الكبرى لعام 2008، التي كانت جزءاً من خطة رفع الطاقة الإنتاجية العراقية. 

وفي عهد عادل عبد المهدي، انتقلت العلاقة إلى مستوى أكثر شمولاً عبر ما عرف بـ«خارطة طريق العراق» التي تضمنت مشاريع للتوليد والنقل والتوزيع. وفي نيسان 2019 وقعت وزارة الكهرباء اتفاقية تنفيذية مع سيمنز لبدء تنفيذ الخارطة، بحضور عبد المهدي والمستشارة الألمانية آنذاك أنغيلا ميركل، وكانت المرحلة الأولى من العقود بقيمة تقارب 700 مليون يورو. 

أما حكومة مصطفى الكاظمي، فارتبطت بسيمنز بصورة قوية من ناحية تفعيل وتسريع المشاريع والاتفاقات القائمة؛ إذ وجّه الكاظمي في 2020 وزارة الكهرباء إلى تسريع الإجراءات المتعلقة بمشاريع الشركة، كما استقبل وفداً منها لبحث تطوير قطاع الكهرباء.  ولذلك لا يصح بالضرورة احتسابه ضمن الحكومات التي أبرمت عقداً جديداً مماثلاً لعقود 2008 أو 2019.

ثم جاءت حكومة محمد شياع السوداني لتوسع العلاقة من جديد، إذ وقعت العراق وسيمنز اتفاقات مرتبطة بالطاقة، شملت تطوير شبكة الكهرباء والاستفادة من الغاز المصاحب، فضلاً عن عقود خدمات طويلة الأمد لمحطات توليد عراقية. وفي 2025 وافق مجلس الوزراء على مبادئ إطار للتعاون في مجال الطاقة مع سيمنز إنرجي. 

واليوم تدخل حكومة علي الزيدي مرحلة جديدة مع اتفاقية مبادئ التعاون في الطاقة – المرحلة الرابعة، ما يعني أن سيمنز لا تتعامل مع حكومة واحدة أو دورة سياسية واحدة، وإنما مع مسار دولة مستمر في قطاع الطاقة.

لماذا سيمنز تحديداً؟

الإجابة الأولى هي الإرث التقني.

العراق لا يحتاج فقط إلى شراء توربينات ومحطات جديدة، وإنما يمتلك شبكة واسعة من المعدات والمحطات التي تحتاج إلى صيانة وتأهيل وتحديث. وبالتالي فإن وجود شركة ذات خبرة سابقة داخل المنظومة يمنحها ميزة مهمة: المعرفة بالمعدات والمواقع وطبيعة الشبكة العراقية.

الإجابة الثانية هي استمرارية الخدمات. ففي 2023 حصلت سيمنز على عقود خدمات طويلة الأمد لثلاث محطات كهرباء عراقية، كما وقعت اتفاقاً لتطوير شبكة الكهرباء. وهذا النوع من العقود أكثر أهمية من بيع المعدات لمرة واحدة، لأنه يربط الشركة بدورة تشغيل وصيانة تمتد لسنوات. 

أما العامل الثالث فهو التكنولوجيا وكفاءة التوليد. العراق يعاني من فجوة بين الطلب على الكهرباء والقدرة الفعلية على توفيرها، فيما تؤكد تقارير دولية أن جزءاً من المشكلة لا يرتبط فقط بعدد المحطات، بل بكفاءة الشبكة والتوليد والوقود والنقل والتوزيع.

وهنا تأتي أهمية سيمنز باعتبارها شركة تعمل في سلسلة الطاقة كاملة: التوليد، التوربينات، الشبكات، أنظمة التحكم، الصيانة والتحديث.

لكن هل المشكلة في التوليد فقط؟

هنا تكمن النقطة الاقتصادية الأهم.

حتى لو أضيفت آلاف الميغاواطات الجديدة، فلن يحصل العراقيون تلقائياً على كهرباء مستقرة إذا بقيت مشكلات الغاز وشبكات النقل والتوزيع والصيانة قائمة.

العراق لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، وقد حذرت تقارير من أن فقدان جزء من إمدادات الغاز يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كبير في إنتاج الكهرباء. 

ولهذا فإن المرحلة الرابعة من التعاون مع سيمنز ستكون ذات قيمة اقتصادية حقيقية إذا انتقلت من منطق شراء المعدات إلى بناء منظومة طاقة أكثر كفاءة واستدامة.

فالعراق لا يحتاج «سيمنز جديدة» لمجرد أن اسمها معروف، بل يحتاج إلى قياس واضح لما ستضيفه الاتفاقية: كم ميغاواطاً إضافياً؟ كم ستخفض خسائر الشبكة؟ كم ستوفر من الوقود؟ ما حجم الإنفاق الرأسمالي؟ وما كلفة الصيانة على المدى الطويل؟

سيمنز والعراقيون.. ثقة أم اعتياد؟

لا توجد، بحسب ما ظهر في المصادر التي راجعتها، دراسة استطلاع عراقية تقيس تفضيل المواطنين لسيمنز مقارنة بالمنافسين، لذلك من الأدق عدم القول إن هناك «تفضيلاً شعبياً مثبتاً» للشركة.

لكن يمكن تفسير انتشار اسمها عراقياً بعوامل عملية: قدم حضورها، ارتباطها بمحطات قائمة، استمرار عقود الصيانة، الخبرة المتراكمة، السمعة الصناعية الألمانية، وكونها عادت للتفاوض مع حكومات عراقية متعاقبة.

وهذا ربما يفسر لماذا تبدو سيمنز في العراق أشبه بـ«شريك قديم» أكثر منها مورداً جديداً.

في النهاية، نجاح المرحلة الرابعة لن يقاس بعدد مراسم التوقيع، ولا بعدد المذكرات والاتفاقيات، وإنما بما إذا كانت ستنجح في تحويل العلاقة الطويلة بين بغداد وسيمنز إلى كهرباء أكثر استقراراً، وشبكة أقل هدراً، ومحطات أكثر كفاءة، وفاتورة طاقة أقل على الاقتصاد العراقي.

فبعد أكثر من أربعة عقود من الحضور المتقطع والمستمر، لم يعد السؤال: لماذا سيمنز؟

بل أصبح السؤال الاقتصادي الحقيقي: ماذا سيأخذ العراق هذه المرة من سيمنز، وماذا سيدفع مقابل ذلك؟