قاسم الطائي | كاتب سياسي عراقي
في العراق، حتى السيادة أصبحت تحتاج إلى سؤال!
نحتفل اليوم بـ يوم السيادة الوطني، وهو يوم يفترض أن يحمل معنى كبيرًا في وجدان العراقيين، لكن المواطن البسيط قد يسأل، وهو يقف أمام طابور البنزين، أو يبحث عن فرصة عمل، أو يراقب سعر الدولار، أو ينتظر إنصافًا لقانون أقرّته الدولة: أي سيادة نتحدث عنها؟ وأين يشعر بها المواطن؟
السيادة ليست علمًا يُرفع فقط، ولا احتفالًا يُقام، ولا كلمات تُقال في الخطب والمناسبات.
السيادة، قبل كل شيء، هي أن يشعر المواطن أن دولته موجودة من أجله، وأن كرامته ليست شعارًا موسميًا، وأن حقوقه لا تحتاج إلى مظاهرة حتى يسمع بها أحد.
يوم السيادة… وحملة الشهادات العليا والأوائل يتظاهرون من أجل تطبيق قانون يخصهم.
أي مفارقة أكبر من أن يحمل المواطن شهادة عليا، سنوات من الدراسة والتعب، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى الشارع للمطالبة بتطبيق حق يفترض أن تضمنه المؤسسات؟
يوم السيادة… والشورجة، قلب التجارة العراقية وأحد أشهر أسواق بغداد، تبدو في لحظات كثيرة أقل حركة مما اعتاد عليها العراقيون.
الشورجة ليست مجرد سوق؛ إنها صورة مصغرة للاقتصاد العراقي. وحين يضعف السوق، فإن السؤال لا يتعلق بالتاجر وحده، بل بقدرة المواطن على الشراء، وبقوة الدينار، وبحركة الاقتصاد، وبالثقة بالمستقبل.
يوم السيادة… والعراق ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في توفير كثير من احتياجات.
أين المصنع العراقي؟
أين المعمل؟
أين المنتج الذي يحمل عبارة “صُنع في العراق”!
ويغزو الأسواق بدل أن تغزو البضائع المستوردة بيوت العراقيين؟
لا يمكن لبلد غني بالموارد أن يبقى منشغلًا بتأمين أبسط احتياجاته من الخارج، ثم يطلب من المواطن أن يشعر بأنه يعيش في دولة مكتفية وقوية.
يوم السيادة… والاقتصاد يضغط على المواطن من كل جانب.
وفي الأيام الأخيرة، اقترب سعر صرف الدولار في السوق العراقية من حاجز 160 ألف دينار لكل 100 دولار، قد يكون الدولار رقمًا في شاشة صيرفة، لكنه بالنسبة إلى المواطن ليس رقمًا.
إنه سعر الدواء.
وسعر الغذاء.
وسعر الملابس.
وسعر الإيجار.
وسعر مستلزمات المدرسة.
وسعر كل شيء تقريبًا يدخل إلى حياة العراقي.
وهنا تصبح السيادة بالنسبة إلى المواطن سؤالًا يوميًا بسيطًا:
هل يستطيع راتبي أن يصمد أمام السوق؟
يوم السيادة… والمواطن يقف في أزمة بنزين.
والبنزين ليس ترفًا.
إنه سيارة الموظف، وسيارة الأجرة، وشاحنة التاجر، وحركة السوق، ووصول الطالب إلى جامعته، ووصول العامل إلى عمله.
ويوم السيادة… والشتاء يطرق الأبواب، والمواطن يبدأ التفكير من الآن في النفط الأبيض وما قد يرافقه من أزمة إذا لم تكن الاستعدادات كافية.
وهنا لا يعود المواطن يريد خطبة عن السيادة.
يريد أن يعرف فقط:
هل سيكون لديه وقود في الشتاء؟
هل سيستطيع تدفئة بيته؟
هل سيجد ما يكفي من المواد الأساسية؟
هل سيستطيع أن يعيش بكرامة؟
السيادة التي يدفع ثمنها المواطن
ربما علينا أن نعيد تعريف السيادة من زاوية المواطن العراقي.
السيادة ليست فقط أن تكون الحدود تحت حماية الدولة.
السيادة أيضًا أن تكون كرامة المواطن تحت حماية الدولة.
السيادة أن يكون القانون فوق الجميع.
السيادة أن يحصل صاحب الشهادة على حقه دون أن يضطر إلى رفع صوته في الشارع.
السيادة أن يجد الشاب فرصة للعمل.
السيادة أن يستطيع الموظف والمتقاعد والعامل أن يعيشوا دون أن تتحول نهاية الشهر إلى معركة.
السيادة أن يكون لدينا إنتاج، وصناعة، وزراعة، واقتصاد قادر على مواجهة الأزمات.
السيادة أن لا تكون الدولة قوية في خطابها فقط، وإنما قوية في مؤسساتها وخدماتها واقتصادها وعدالتها.
المواطن هو من دفع الفاتورة
وعندما دخل الإرهاب إلى العراق، لم تكن الفاتورة سياسية فقط.
المواطن العراقي هو من دفع الثمن.
شهيد ترك عائلة.
وأبناء أصبحوا أيتامًا.
وزوجات أصبحن أرامل.
وأمهات فقدن أبناءهن.
وعائلات هُجرت من بيوتها.
وشباب حملوا السلاح بدل أن يحملوا كتبهم.
هذا المواطن لا يحتاج إلى من يذكّره بالسيادة.
هو دفع ثمنها من عمره، وأمنه، ودموعه، وأحيانًا من أغلى ما يملك.
ولهذا، فإن الحديث عن السيادة لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المناسبة.
السيادة الحقيقية تبدأ من المواطن وتنتهي عنده.
فإذا كان المواطن يشعر أن الدولة تحميه، وتصون حقه، وتوفر له فرص الحياة الكريمة، وتحفظ أمواله وقوته الشرائية، وتضمن له القانون والخدمة والعمل؛ عندها تصبح السيادة واقعًا لا شعارًا.
أما إذا تحولت السيادة إلى يوم في التقويم، واحتفال في المناسبات، وكلمات في المنصات، بينما المواطن يطارد لقمة العيش والوقود والعمل والدواء…
فمن حقه أن يسأل:
يوم السيادة… لمن؟
هل هو يوم الدولة فقط؟
أم يوم المواطن الذي دفع فاتورة بقاء هذه الدولة؟
ربما آن الأوان لأن نضع المواطن العراقي في قلب معنى السيادة.
فالعراق ليس حدودًا وجغرافيا ونفطًا ومؤسسات فقط.
العراق هو الإنسان العراقي.
وإذا لم يشعر هذا الإنسان أن وطنه يحفظ كرامته، ويمنحه الأمان والعدالة والفرصة، فستبقى كلمة “السيادة” أكبر بكثير من واقعها.
السيادة الحقيقية ليست أن نطلب من المواطن أن يحتفل بالدولة، بل أن نجعل المواطن يشعر كل يوم أن الدولة تستحق أن يحتفل بها.

