د. نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي
في كل صباح، يستيقظ مليون عراقي على أمل أن تثبت أسماؤهم على قوائم الرواتب. ليس طمعاً، بل لأنهم لم يجدوا غير الدولة سنداً. لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع: من يدفع الفاتورة؟
الموازنة التي تتجاوز مئتي تريليون دينار ليست رقماً اقتصادياً فقط، بل مرآة تعكس اختلالاً في العلاقة بين المواطن والدولة. الدولة صارت صاحب العمل الأول والأخير، والوظيفة الحكومية تحولت من حق يُنظّم إلى مكسب يُقتنص. والحقيقة التي يخشى المسؤولون قولها بصوت عالٍ أن إيرادات الدولة، النفطية وغير النفطية، لم تعد تكفي حتى لتغطية فاتورة الرواتب وحدها. نحن لا نتحدث عن عجز في الاستثمار، بل عن عجز في تغطية الشهر الجاري.
المشكلة ليست في تثبيت الموظفين، فهؤلاء بشر يستحقون حياة كريمة. المشكلة في أننا بنينا اقتصاداً هشاً يجعل من الوظيفة الحكومية الملاذ الوحيد، ثم نلوم من يطرق الباب. في بغداد وحدها، تقدّم أكثر من نصف مليون شخص لوظائف عقود، بينما كان العدد المطلوب لا يتجاوز عشرة آلاف. هذه ليست أزمة توظيف، بل أزمة وطن لم يجد فيه الشباب طريقاً آخر.
الحل العملي لا يكمن في رفض التوظيف ولا في الاستسلام له، بل في فتح أبواب أخرى كانت مغلقة بإحكام. منصة «مهن» وحدها تضم أكثر من مليون مسجل ينتظرون فرصة حقيقية في القطاع الخاص. وبرامج التلمذة الصناعية التي تتجه وزارة العمل لتفعيلها يمكن أن تحوّل الشباب من طالبي راتب إلى صُنّاع مهارة. هذه ليست حلولاً نظرية، بل خطوات تنتظر قراراً.
التجارب العالمية تقول إن الدول التي خرجت من هذا الفخ لم تفعل ذلك بمعجزة، بل بقرار سياسي شجاع يوقف النزيف أولاً، ثم يعيد ترتيب الأولويات. إيقاف التوظيف غير المدروس، وإعادة هيكلة سلم الرواتب، وتحويل العقود إلى مسار تدريجي منظم بدلاً من التثبيت الفوري المكلف، كلها خطوات يمكن أن تبدأ غداً إن توفرت الإرادة. وحتى القرارات الصغيرة، كتقليص مخصصات السفر الرسمي إلى الحد الضروري، تبعث رسالة أن أحداً في هذا البلد ما زال يحسب للدينار حسابه.
العراق لا ينقصه المال ولا العقول، بل ينقصه الاعتراف بأن استمرار الحال يعني انهياراً مؤجلاً. والحل ليس في وعود التثبيت، بل في بناء وطن لا يحتاج فيه الإنسان إلى واسطة ليعيش.

