الحرب والاقتصاد وصندوق الاقتراع أي مستقبل لأمريكا؟

علي قاسم | كاتب سياسي عراقي

ثلاث جلسات. ثلاثة أرقام. وسؤال واحد ظل يعود إلى وزير الحرب بيت هيغسيث. كم أنفقتم على الحرب مع إيران. كم استهلكتم من الذخائر. ومتى يمكن أن تنتهي الحرب.

وراء هذه الأسئلة العسكرية سؤال أكثر حساسية بالنسبة إلى السياسة الأمريكية. كم ستدفع الولايات المتحدة مقابل هذه الحرب. ومن سيدفع الكلفة في النهاية.

الحروب لا تظهر آثارها السياسية في اللحظة التي تبدأ فيها. تحتاج إلى وقت حتى تنتقل من خرائط العمليات العسكرية إلى ميزانية الدولة. ومن ميزانية الدولة إلى أسعار السوق. ومن أسعار السوق إلى حياة الناخب. وعندما تصل الحرب إلى محطة الوقود وسلة الغذاء. تصبح السياسة الخارجية جزءاً من الحساب الانتخابي الداخلي.

هذا المسار بدأ يثير مؤشرات تستحق التوقف عندها.

بحسب استطلاع رويترز خلال سبتمبر. حصل دونالد ترامب على تأييد 35 بالمئة مقابل 62 بالمئة غير مؤيدين. وفي سؤال التفضيل الحزبي للكونغرس تقدم الديمقراطيون بنسبة 44 بالمئة مقابل 37 بالمئة للجمهوريين. بفارق سبع نقاط.

الأهم أن الاقتصاد دخل مساحة المنافسة الحزبية من جديد. فقد رأى 38 بالمئة أن الديمقراطيين أفضل في التعامل مع الاقتصاد مقابل 37 بالمئة للجمهوريين. وهذه النتيجة تكتسب دلالة خاصة لأن الجمهوريين امتلكوا خلال سنوات طويلة أفضلية واضحة في هذا الملف.

استطلاع فوكس نيوز خلال الشهر نفسه قدم مؤشرات مشابهة. بلغت نسبة عدم الرضا عن أداء ترامب 61 بالمئة مقابل 39 بالمئة مؤيدين. وفي تفضيلات مجلس النواب تقدم الديمقراطيون بنسبة 51 بالمئة مقابل 44 بالمئة للجمهوريين.

لكن الأرقام الأكثر ارتباطاً بالحرب كانت اقتصادية. فقد قال 63 بالمئة إن إدارة ترامب جعلت الاقتصاد أسوأ. كما تقدم الديمقراطيون بفارق 15 نقطة في التعامل مع التضخم. وقال 60 بالمئة إن قرار التدخل العسكري في إيران كان خاطئاً. بينما رأى 71 بالمئة أن ترامب لا يملك مخرجاً واضحاً من الأزمة.

هذه الأرقام لا تعني أن الانتخابات المقبلة حُسمت. ولا تعني أن الحرب وحدها تفسر تراجع شعبية الإدارة. الناخب الأمريكي يصوت عادة تحت تأثير مجموعة من العوامل. الاقتصاد. الهجرة. الأمن. الثقافة. أداء الرئيس. والسياسة الخارجية.

لكن الحرب تستطيع أن تجمع بعض هذه العوامل في قضية واحدة عندما تبدأ كلفتها بالظهور في الحياة اليومية.

مضيق هرمز يمثل هنا نقطة التحول الأوضح. فإغلاقه لا يعني أزمة في تجارة النفط فقط. بل يضغط على سلسلة اقتصادية تمتد من الناقلات إلى المصانع ثم إلى المستهلك الأمريكي.

قبل الحرب كان متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة قريباً من ثلاثة دولارات للغالون. وبحلول سبتمبر وصل إلى نحو 4.47 دولار بحسب الأرقام المتداولة. وتجاوز الديزل ستة دولارات. وهذه الزيادة لا تتوقف عند السائق. فالنقل جزء من تكلفة الزراعة. والصناعة. والبناء. وتوزيع الغذاء.

ثم تأتي كلفة الشحن. فقد اقتربت تكلفة نقل الحاوية من الصين إلى الساحل الشرقي الأمريكي من 10948 دولاراً. أي أكثر من أربعة أضعاف مستويات ما قبل الحرب. ومع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة تصبح الحرب حاضرة في أسعار سلع لا علاقة مباشرة لها بإيران.

حتى التضخم بدأ يعكس هذا الضغط. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في أغسطس بنسبة 3.4 بالمئة على أساس سنوي. وكانت أسعار البنزين من أبرز عناصر الزيادة الشهرية.

هنا تتحول المسألة من حرب في الشرق الأوسط إلى مشكلة في السياسة الاقتصادية الأمريكية.

الإدارة تستطيع أن تشرح أهمية الحرب من منظور الأمن القومي. تستطيع الحديث عن إيران. وعن أمن الملاحة. وعن الردع. وعن مصالح الحلفاء. لكنها تواجه سؤالاً مختلفاً عندما يقف المواطن أمام محطة الوقود.

هل أصبحت حياته أكثر أمناً. أم أصبحت أكثر كلفة.

هذه النقطة قد تكون أكثر أهمية من تفاصيل المعارك نفسها.

الإنفاق العسكري يقدم طبقة أخرى من المشكلة. الحرب استهلكت مليارات الدولارات وكميات كبيرة من الذخائر. وإعادة بناء المخزونات تحتاج إلى موارد إضافية. وهنا يصبح وزير الدفاع أمام معادلة سياسية لا عسكرية فقط. فكل دولار يذهب إلى الحرب يمكن أن يصبح موضوعاً للنقاش حول الأولويات الداخلية. خصوصاً عندما تكون الإدارة نفسها مطالبة بخفض التضخم وتحسين القدرة الشرائية.

لكن من الخطأ افتراض أن ارتفاع الكلفة الاقتصادية يعني تلقائياً خسارة الجمهوريين للانتخابات.

التاريخ الانتخابي الأمريكي أكثر تعقيداً من ذلك. فقد يستطيع الرئيس تحويل الحرب إلى قضية أمن قومي إذا شعر الناخب بأن الخطر الخارجي أكبر من الكلفة الاقتصادية. وقد يتغير المزاج سريعاً إذا انتهت الحرب. أو انخفضت أسعار الطاقة. أو تحسن الاقتصاد. كما أن المعارضة تحتاج إلى تقديم بديل مقنع. وليس الاكتفاء بتسجيل نقاط على الإدارة.

لهذا فإن السؤال لا يتعلق بكلفة الحرب وحدها. بل بمدة استمرارها.

كلما قصرت الحرب أمكن للإدارة أن تقدمها باعتبارها عملية محدودة ذات كلفة يمكن احتواؤها. وكلما طال أمدها أصبحت الأرقام الاقتصادية أكثر رسوخاً في وعي الناخب. عندها قد تتحول الكلفة من خبر اقتصادي إلى موقف سياسي.

وهذا يفسر حساسية الحديث داخل الحزب الجمهوري عن إبقاء المواجهة ضمن مستوى يمكن التحكم به. والاعتماد بدرجة أكبر على العقوبات والضغط الاقتصادي بدلاً من توسيع العمليات العسكرية قبل الانتخابات.

كما بدأ الديمقراطيون بدورهم يغيرون خطابهم. أسعار الوقود التي كانت مساحة سياسية يستثمرها الجمهوريون بصورة أكبر أصبحت اليوم جزءاً من خطاب الديمقراطيين أيضاً.

وفي أوهايو ظهر شيرود براون أمام محطة للوقود قائلاً إن تكلفة البنزين خرجت عن السيطرة وإن الأمريكيين هم من يدفعون الثمن.

المشهد مهم لأنه يعكس محاولة لإعادة تعريف الحرب. ليس باعتبارها معركة تدور بعيداً عن الولايات المتحدة. وإنما باعتبارها سبباً محتملاً لارتفاع كلفة الحياة داخلها.

ومن هنا تصبح تصريحات ترامب بشأن نهاية الحرب ذات قيمة سياسية. فقد قال أمام المؤتمر الجمهوري في التاسع من سبتمبر بحسب التصريح المتداول إن الحرب ستنتهي فوراً بعد الانتخابات.

بغض النظر عن دقة التوقع. فإن مجرد ربط نهاية الحرب بالمرحلة الانتخابية يكشف حجم المشكلة. فالإدارة تحتاج إلى تحقيق نتيجة سياسية في الخارج قبل أن تتحول كلفة الحرب إلى عبء أكثر وضوحاً في الداخل.

وهناك مفارقة أخرى تستحق الانتباه.

ترامب وصل إلى السلطة وهو يرفع شعار إعادة القوة إلى الداخل الأمريكي. وإذا ارتبطت إدارته في ذهن الناخب بارتفاع أسعار الوقود والغذاء والتضخم والإنفاق العسكري. فقد يجد الجمهوريون أنفسهم أمام تناقض بين الرسالة التي أوصلتهم إلى السلطة وبين الصورة التي قد تنتجها الحرب.

وقد يصبح هذا التناقض أكثر حساسية إذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة حتى موعد الانتخابات.

لكن النتيجة ليست محسومة.

الجمهوريون يستطيعون القول إن أمن الملاحة والطاقة العالميتين مصلحة أمريكية مباشرة. ويمكنهم تقديم الحرب باعتبارها مواجهة ضرورية لمنع خصم إقليمي من تغيير قواعد التجارة والطاقة الدولية. كما يستطيعون تحميل ارتفاع الأسعار لعوامل خارجية أو لإرث اقتصادي سابق.

الديمقراطيون بدورهم سيحاولون تقديم رواية مختلفة. مفادها أن الإدارة دخلت حرباً مكلفة من دون خطة واضحة للخروج منها. وأن المواطن الأمريكي أصبح يدفع ثمن قرار في السياسة الخارجية.

بين الروايتين ستتحرك الانتخابات.

وهنا قد يكون العامل الحاسم هو الزمن. فإذا توقفت الحرب وانخفضت أسعار الطاقة. فقد تتراجع آثارها السياسية بسرعة. أما إذا استمرت. وأصبح ارتفاع الأسعار جزءاً من الحياة اليومية. فإن قدرة الإدارة على فصل السياسة الخارجية عن الاقتصاد الداخلي ستصبح أكثر صعوبة.

ترامب يدرك أهمية هذا العامل على ما يبدو. ولذلك جاء وعده بمنح كل مواطن أمريكي بالغ خمسة آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون بمجلسي النواب والشيوخ. وهو وعد يضع المال مباشرة في قلب الخطاب الانتخابي.

لكن الوعود المالية لا تستطيع وحدها محو أثر التضخم إذا بقيت تكاليف الطاقة والنقل مرتفعة. كما أن الناخب لا يقيس دخله فقط بما يحصل عليه من دفعة مالية. بل بما يستطيع شراءه بهذا الدخل.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

الحرب قد تبدأ باعتبارها قراراً استراتيجياً. ثم تصبح عبئاً مالياً. وبعد ذلك تتحول إلى اختبار للثقة السياسية.

إذا استمرت الحرب من دون تسوية واضحة. وبقيت أسعار الطاقة مرتفعة. وواصل التضخم الضغط على الأسر الأمريكية. فإن ما بدأ كقرار في السياسة الخارجية قد يتحول إلى حكم سياسي على الإدارة نفسها.

عندها لن يسأل الناخب فقط لماذا دخلت الولايات المتحدة الحرب. سيسأل ماذا حصل له بسببها.

وهنا قد تظهر المفارقة التي يصعب على الجمهوريين تجاهلها. الحزب الذي استفاد قبل عامين من الغضب الاقتصادي ومن وعد إعادة القوة إلى الداخل قد يجد نفسه مضطراً للدفاع عن حرب جعلت كلفة القوة محسوسة في حياة الناخب اليومية.

ذلك هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة. فالحرب التي لا تستطيع الإدارة إنهاءها قد تصبح حرباً انتخابية لا تستطيع مغادرتها. وإذا تحولت كلفتها من أرقام في ميزانية البنتاغون إلى أرقام في استطلاعات الرأي. فقد لا يكون السؤال من انتصر في إيران. وإنما من خسر في واشنطن.

عند تلك النقطة قد ترسم كلفة الحرب ملامح الكونغرس القادم. وقد يجد الجمهوريون أنفسهم أمام السؤال الذي لا تجيب عنه الطائرات ولا الصواريخ. هل يستطيع حزب أن يحتفظ بما حققه في صناديق الاقتراع عندما يصبح ثمن سياسته الخارجية جزءاً من فاتورة المواطن الأمريكي.