علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
من أغرب المفارقات في الحياة السياسية أن يجتمع النقيضان في شخص واحد. أن يتحدث السياسي عن التضحية وهو يعيش على حساب الآخرين. وأن يرفع شعارات العدالة بينما تتسع ثروته من وراء ظهور الذين يعدهم بالإنصاف. وأن يقسم بحب الوطن فيما تتعامل ممارساته معه كما لو كان غنيمة وقعت بين يديه. عند هذه النقطة تصبح الوطنية مفهوماً يحتاج إلى إعادة النظر. فهل تكفي الشعارات لصناعة الوطني. أم أن المعيار الحقيقي يظهر حين تتعارض مصلحة الفرد مع حقوق المجتمع.
تقوم الوطنية في معناها الأخلاقي على تقديم المصلحة العامة واحترام حقوق المواطنين والاستعداد لتحمل المسؤولية تجاه الدولة. وقد تحدث مفكرون مثل هيغل عن علاقة الفرد بالدولة والمجتمع في إطار أوسع من المصلحة الشخصية. لكن المأساة تبدأ حين تتحول هذه المعاني إلى غطاء سياسي. فيستعير الفاسد لغة التضحية. ويتحدث المستفيد عن العدالة. ويقدم من يراكم الثروة على حساب المال العام نفسه بوصفه حارساً لمصالح الشعب.
هنا لا نكون أمام تناقض عابر بين القول والفعل. نحن أمام صناعة سياسية كاملة. تُستخدم فيها الشعارات لبناء الثقة. ثم تُستثمر تلك الثقة لتحقيق مصالح خاصة. فالمواطن يمنح صوته على أمل التغيير. والناخب يصدق الوعود بحثاً عن حياة أفضل. والجمهور يتابع الخطب التي تتحدث عن السيادة والكرامة والحقوق. ثم يكتشف بعد سنوات أن بعض الذين تحدثوا باسمه أصبحوا أبعد الناس عن معاناته.
المفارقة الساخرة أن اللص التقليدي يحاول إخفاء فعلته. بينما يستطيع اللص السياسي أن يقف على منصة ويشرح للجمهور فضائل النزاهة. وقد يطالب بمحاسبة الفاسدين في الصباح. ثم يحمي شبكة المصالح التي يستفيد منها في المساء. إنه لا يسرق المال وحده. إنه يستولي أيضاً على المعاني التي تمنح المجتمع قدرته على التمييز بين الصادق والمخادع.
تأمل المشهد قليلاً. مواطن يبحث عن فرصة عمل فلا يجدها. وأسرة تحسب نفقاتها قبل نهاية الشهر. وأب يحاول تأمين تعليم جيد لأبنائه. وشاب يؤجل أحلامه لأن الطريق إلى الاستقرار أصبح أكثر صعوبة. وفي الجهة الأخرى تظهر حياة موازية من العقارات الفاخرة والسيارات والطائرات والحسابات المتخمة بالمال. لا تكمن المفارقة في امتلاك الثروة بحد ذاته. فمن حق الإنسان أن ينجح ويكسب. إنما في أن تتضخم الثروة على حساب المال العام أو عبر استغلال النفوذ بينما يُترك المجتمع لمواجهة الفقر والعوز وتراجع الخدمات.
عندها يصبح الحديث عن الوطنية أقرب إلى مسرحية يتقاسم أدوارها أبطال يعرفون متى يرفعون أصواتهم ومتى يذرفون دموعهم ومتى يتبادلون الاتهامات. وقد يبدو الخلاف بينهم حاداً إلى درجة توحي بأنهم يمثلون مشاريع متناقضة. لكن المصالح قد تجمعهم حين تقترب المحاسبة من أبوابهم. يتنازعون أمام الجمهور على تفسير الأزمة. ويتفقون بعيداً عنه على إبقاء أسبابها قائمة.
لا يعني ذلك أن كل خلاف سياسي مسرحية أو أن كل من يرفع شعاراً وطنياً يخفي وراءه فساداً. فالتعميم السهل يظلم الصادقين ويمنح الفاسدين فرصة الاختباء خلف ضجيج الاتهامات. لكن المعيار الذي يميز الاثنين واضح. هل يقبل السياسي أن تطبق عليه القوانين نفسها التي يطالب المواطنين باحترامها. وهل يكشف مصادر ثروته ومصالحه. وهل يسمح بمحاسبته. وهل يستطيع أن يشرح للناس كيف تحولت الوعود إلى نتائج ملموسة.
إن أخطر ما يفعله الفساد حين يرتدي ثوب الوطنية أنه يضعف ثقة المجتمع بالكلمات نفسها. فعندما تتكرر الوعود من دون نتائج يفقد المواطن إيمانه بالإصلاح. وعندما يرى العدالة شعاراً يستخدم ضد الخصوم فقط يصبح القانون في نظره أداة للنفوذ لا ضمانة للحقوق. وعندما تتحول مؤسسات الدولة إلى وسائل لحماية المصالح الخاصة فإن الخسارة تتجاوز الأموال المسروقة إلى تآكل الثقة التي تحتاج إليها الدولة كي تستمر.
وقد تكون السخرية هنا أكثر قدرة على كشف الحقيقة من الخطب الغاضبة. تخيل سياسياً يحدثك عن عظمة الوطن بينما لا يجد في مؤسساته مكاناً لابنك. ويحدثك عن كرامة المواطن بينما لا يستطيع المواطن تأمين احتياجات أسرته. ويطالبك بالصبر والتضحية بينما لا يظهر أي استعداد للتنازل عن امتيازاته. إنه يريد منك أن تحب الوطن بصوت مرتفع. وأن تتحمل أزماته بصمت. وأن تصدق أن ضيق حياتك ضرورة وطنية بينما اتساع ثروته نتيجة استحقاق شخصي.
وأنا أرى أن مواجهة هذه المفارقة لا تبدأ بتبادل الشتائم ولا بتوزيع تهم الخيانة على الخصوم. إنها تبدأ بإخراج الوطنية من سوق الشعارات وإعادتها إلى ميدان المسؤولية. فالوطنية لا تُقاس بعدد الأعلام التي ترفع ولا بحرارة الخطاب ولا بحجم الصور التي تملأ الشوارع. إنها تظهر في احترام المال العام وفي حماية حقوق الناس وفي قبول المحاسبة وفي قدرة المسؤول على تقديم نتائج يمكن قياسها.
إن الوطن ليس ملكاً لحزب أو تيار أو زعيم. والمال العام ليس مكافأة لمن يصل إلى السلطة. ومؤسسات الدولة ليست إرثاً ينتقل بين المتنفذين. من يريد أن يتحدث باسم الناس عليه أن يقبل أولاً أن يكون خاضعاً لرقابتهم. ومن يرفع راية النزاهة ينبغي أن يسمح للحقائق بفحص سيرته. ومن يطالب بالتضحيات عليه أن يبدأ بنفسه لا أن يجعل المواطنين وحدهم يدفعون الثمن.
في النهاية قد ينجح اللص في إخفاء المال. وقد ينجح السياسي في تجميل صورته. وقد تنجح الشعارات لبعض الوقت في خداع الجمهور. لكن التناقض بين حياة الناس وحياة من يدعون تمثيلهم يظل شاهداً يصعب إسكاتُه. فالوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى من يكرر أنه يحب الوطن. إنها تحتاج إلى من يثبت أن حبه للوطن لا يتحول إلى وسيلة لسرقة أبنائه.
وأكثر ما يثير السخرية أن بعضهم يجمع النقيضين في وقت واحد. يتحدث عن التضحية ويعيش على غيابها. يدعو إلى محاربة الفساد ويحتمي بامتيازاته. ويطالب الشعب بالدفاع عن الوطن بينما يتعامل معه كأنه ملكية خاصة. عندها لا يعود الوصف الأقرب إليه وطنياً أخطأ الطريق. بل لصاً وجد في الوطنية أفضل قناع.

