تسونامي أزرق يجتاح أمريكا!

علي قاسم | كاتب سياسي عراقي

لم تنفع وعود ترامب بتقديم خمسة آلاف دولار لكل أمريكي بالغ. ولم ينقذه شعار «أمريكا أولاً» الذي عاد به إلى البيت الأبيض. فقد جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي لتشكل واحدة من أقسى الضربات السياسية التي يتلقاها رئيس أمريكي في منتصف ولايته. بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية من الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ. وتحقيق مكاسب مهمة في انتخابات حكام الولايات. في مشهد يعكس تحولاً واضحاً في المزاج السياسي الأمريكي.

ما جرى يتجاوز خسارة مقاعد برلمانية. فالانتخابات تحولت عملياً إلى استفتاء على أداء دونالد ترامب وسياساته خلال العامين الماضيين. وقد أظهرت استطلاعات الناخبين أن كلفة المعيشة والاقتصاد والقلق من الفساد كانت في مقدمة دوافع التصويت. وأن نسبة كبيرة من الناخبين دخلت صناديق الاقتراع بدافع معارضة ترامب أكثر من تأييد الحزب الديمقراطي. وهذا يعكس حجم التراجع في الثقة بالرئيس الذي جعل شخصه محوراً أساسياً في المعركة الانتخابية.

داخلياً. وجد الأمريكيون أنفسهم أمام واقع اقتصادي لم تنجح الوعود الانتخابية في تغييره بالسرعة التي انتظروها. ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والقلق من التضخم أثقلت الأسر الأمريكية. كما أثارت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب مخاوف بشأن انعكاساتها على الأسعار والأسواق. وفي ملف الهجرة. ورغم أن التشدد في ضبط الحدود كان من أبرز وعود ترامب. فإن هذا الملف تحول إلى مصدر انقسام سياسي واجتماعي واسع.

كان ترامب يراهن على تحويل القوة الاقتصادية الأمريكية إلى رصيد انتخابي. حتى إنه وعد بمنح كل مواطن بالغ خمسة آلاف دولار إذا احتفظ الجمهوريون بأغلبية الكونغرس. لكن الوعد المالي لم يكن كافياً لإقناع الناخبين. فالمواطن الذي يواجه ارتفاعاً في تكاليف الوقود والسكن والخدمات يريد أن يرى تحسناً ملموساً في حياته اليومية. وليس مجرد أرقام ووعود انتخابية.

لكن العامل الأكثر حساسية في هذه الانتخابات كان السياسة الخارجية. وتحديداً الحرب مع إيران. فترامب الذي أراد تقديم المواجهة باعتبارها استعراضاً للقوة الأمريكية وجد نفسه أمام نتائج اقتصادية وسياسية معاكسة في الداخل. اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود وتزايد تكاليف المواجهة العسكرية أعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً لدى الأمريكيين. لماذا تتحمل الولايات المتحدة أعباء حرب جديدة في الشرق الأوسط بينما تواجه الأسر الأمريكية ضغوطاً اقتصادية متزايدة؟

وتكشف استطلاعات الرأي حجم هذا التحول. فقد أظهر استطلاع رويترز وإبسوس أن 55 بالمئة من الأمريكيين يرون أن الحرب مع إيران لم تكن تستحق تكلفتها. كما أظهر استطلاع جامعة ماركيت أن 79 بالمئة يعتقدون أن الحرب لم تكن تستحق ما دُفع فيها. وهذه الأرقام تعكس فجوة متزايدة بين حسابات الإدارة الأمريكية وتصورات قطاعات واسعة من المجتمع.

هناك أيضاً تحول مهم في نظرة الأمريكيين إلى العلاقة مع إسرائيل. فقد أصبح الدعم العسكري غير المحدود لحكومة بنيامين نتنياهو موضع نقاش متزايد داخل المجتمع الأمريكي. وأظهر استطلاع جامعة ماركيت أن 55 بالمئة من الأمريكيين يرون أن بلادهم تقدم مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي لإسرائيل. وهي نتيجة تحمل دلالة سياسية مهمة. فجزء متزايد من الرأي العام بات يتساءل عن جدوى توجيه الأموال والموارد الأمريكية إلى حروب لا يرى أنها تخدم أولوياته الداخلية.

هذا التحول لا يعني أن المجتمع الأمريكي اتخذ موقفاً موحداً ضد إسرائيل. لكنه يكشف تراجعاً في مساحة التأييد الشعبي للدعم العسكري المفتوح. وارتفاع الأصوات التي ترى أن أموال دافعي الضرائب يجب أن تكون الأولوية فيها لمصالح الأمريكيين واحتياجاتهم. وليس لتمويل حروب يقرر مسارها قادة آخرون.

وفي هذا السياق. لم تنجح العلاقة الوثيقة بين ترامب ونتنياهو في حمايته من كلفة الحرب السياسية. كما لم تستطع شبكات الدعم السياسي المؤيدة لإسرائيل تعويض اتساع الاعتراض الشعبي على الإنفاق العسكري وتداعيات المواجهة مع إيران. فقد وجد ترامب نفسه أمام ناخب يحاسبه على ما يحدث داخل الولايات المتحدة قبل أي اعتبار آخر.

وهنا تبرز قراءة استراتيجية أخرى. إيران التي واجهت الولايات المتحدة عسكرياً وسياسياً لم تكن بحاجة إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي حتى تحقق مكسباً في هذه الجولة. وأنا أرى أن إيران خرجت بانتصار سياسي مهم في هذه المواجهة. فمجرد انتقال كلفة الحرب إلى الداخل الأمريكي. وتحولها إلى قضية انتخابية تضغط على الرئيس وحزبه. يمثل مكسباً سياسياً لطهران. فالحروب لا تُقاس بنتائج الميدان وحده. وإنما بقدرة الطرف الآخر على تحمل كلفتها داخلياً واستمرارها سياسياً.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة نتائج الانتخابات باعتبارها انتصاراً سياسياً غير مباشر لإيران في مواجهة استراتيجية ترامب. فقد ساهمت الحرب في تعميق الانقسام داخل الولايات المتحدة. وأضعفت قدرة الرئيس على تقديم سياسته الخارجية باعتبارها نجاحاً وطنياً. وأظهرت أن القوة العسكرية لا تضمن بالضرورة الحصول على التأييد الشعبي.

لكن التداعيات الأهم تبدأ الآن داخل واشنطن. فسيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ تمنحهم قدرة واسعة على تعطيل التشريعات التي يريدها ترامب. ومراقبة إدارته وفتح التحقيقات واستجواب المسؤولين. كما تمنحهم نفوذاً أكبر في مناقشة الميزانية والإنفاق العسكري والسياسة الخارجية. وسيبقى حق النقض الرئاسي بيد ترامب. ما يفتح الباب أمام مواجهة مؤسساتية قد تجعل تمرير القرارات أكثر صعوبة.

قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام عامين من التجاذب السياسي. أغلبية ديمقراطية في الكونغرس ورئيس جمهوري يستخدم حق النقض للدفاع عن أجندته. وهذا يعني احتمالات أكبر للتعطيل التشريعي والصدام بين البيت الأبيض والكونغرس. في وقت تحتاج فيه البلاد إلى معالجة ملفات اقتصادية وخارجية شديدة التعقيد.

إن تسونامي الأزرق الذي اجتاح الولايات المتحدة لم يكن مجرد تبدل في موازين المقاعد. إنه رسالة من الناخب الأمريكي بأن السياسة الخارجية لا تستطيع أن تنفصل عن تكلفة المعيشة. وأن شعار أمريكا أولاً يفقد معناه عندما يشعر المواطن أن أولوياته تأتي بعد حسابات الحروب والتحالفات.

لقد خسر الجمهوريون الانتخابات. ودفع ترامب ثمن خياراته السياسية. أما إيران فقد خرجت بمكسب سياسي مهم من مواجهة لم تكن نتائجها محصورة في ساحات القتال. ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة. هل يتعامل ترامب مع هذه النتائج باعتبارها دعوة لمراجعة سياسته. أم يختار المواجهة مع الكونغرس الديمقراطي. لتدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الانقسام الداخلي؟