لا تفرحوا كثيراً بعبدالرحمن الأميركي!

خالد مصطفى | كاتب سياسي مصري

في كل مرة يصل فيها شخص من أصول عربية أو مصرية إلى منصب مؤثر في دولة غربية، تتكرر موجة من الفخر والاحتفاء، وكأن مجرد الانتماء العرقي أو الجذور الوطنية كافٍ للاعتقاد بأنه سيحمل هموم أوطاننا أو سيدافع عن قضاياها. لكن التجارب المتعاقبة تدعونا إلى قدر أكبر من الحكمة والتريث.

فلا أحد ينكر أن نجاح أي إنسان بلغ مكانته بالاجتهاد والمثابرة يستحق التقدير، وأن رؤية أبناء الجاليات العربية يحققون إنجازات عالمية أمر يدعو إلى الاعتزاز، لكن الاعتزاز بالنجاح شيء، وبناء التوقعات السياسية على أساس الهوية أو الأصل شيء آخر تماماً.

فالعمل السياسي، خاصة في الدول الكبرى، لا يُدار بالعواطف أو الأصول العائلية، وإنما تحكمه مؤسسات راسخة ومصالح استراتيجية وتوازنات داخلية وخارجية معقدة. ومن يتولى منصباً عاماً يؤدي القسم لخدمة بلده الذي انتخبه أو عيّنه، وليس لخدمة بلد أجداده أو أصوله.

فالسياسة ليست امتداداً للعواطف، ولا تُدار بمنطق الانتماء العرقي أو الديني، وإنما تحكمها المصالح الوطنية والمؤسسات والقوانين وموازين القوى والحسابات الاستراتيجية. ومن يصل إلى منصب عام في أي دولة، فإن مسؤوليته الأولى تكون تجاه الدستور الذي أقسم على احترامه، والشعب الذي يمثله، والمصالح التي كُلّف بحمايتها.

لذلك، فإن الاحتفال المسبق بالطبيب الأمريكي عبدالرحمن السيد بسبب جذوره المصرية قد يكون مبالغة لا تستند إلى الواقع؛ فالتاريخ يبين أن الأشخاص يُقيَّمون بما يقدمونه من سياسات ومواقف وقرارات، لا بما تحمله أسماؤهم أو بجنسية آبائهم وأجدادهم.

وقد أثبتت تجارب عديدة أن الانتماء العرقي أو الثقافي لا يحدد بالضرورة توجهات المسؤول أو أولوياته السياسية. ولهذا فإن الحكمة تقتضي ألا نستبق الأحداث، وألا نحكم على الأشخاص قبل أن يتحدث سجلهم العملي.

فكم من مسؤول حمل اسماً عربياً أو مسلماً، لكنه اتخذ مواقف لم ترضِ كثيرين في العالم العربي، منهم باراك أوباما، الذي أربك العالم العربي من خلال أجندة الشرق الأوسط الجديد، الذي فشل تحت أقدام الجيش المصري. وكم من شخص لا تربطه بنا رابطة نسب أو لغة، لكنه اتخذ مواقف رآها آخرون أكثر إنصافاً، مثل العظيم نيلسون مانديلا.

فالسياسة لا تعترف بالأسماء، بل بالمصالح والقرارات. وهذا ليس تقليلاً من إنجاز أي شخص نجح بجهده ووصل إلى موقع مؤثر؛ فكل نجاح مستحق يستحق التقدير، لكن من الحكمة الفصل بين الاعتزاز بنجاح فرد من أصول مصرية أو عربية، وبين بناء توقعات سياسية كبيرة قبل أن تتضح مواقفه وأفعاله.

لقد علمتنا التجارب أن المبالغة في التفاؤل قد تنتهي بخيبة أمل، كما أن المبالغة في التشاؤم قد تحجب عنا رؤية الحقائق. لذلك، فإن الطريق الأعدل هو أن نحسن الظن دون أن نُسلّم بالأحكام، وأن نراقب الأداء بدلاً من الاكتفاء بالاحتفاء، وأن نجعل الوقائع هي الحكم بين الآمال والنتائج.

إن السياسة لا تُقاس بالشعارات ولا بالمشاعر، وإنما بالنتائج، وما يهم الشعوب في النهاية هو أثر القرارات على الأمن والاستقرار والاقتصاد وحقوق الإنسان والعلاقات الدولية، وليس الخلفية العائلية أو الأصل القومي للمسؤول.

إذاً، ليس من الحكمة أن نحول أي نجاح فردي إلى انتصار سياسي قبل أوانه، كما ليس من الإنصاف أن نحمل أي شخص مسؤولية قرارات لم يتخذها بعد. فالتقييم الحقيقي يبدأ عندما تبدأ المسؤولية، وتُقاس المواقف بما يُنجز على أرض الواقع، لا بما نتمنى أن يحدث.

فالأمم التي تتعلم من تجاربها لا تنجرف خلف الحماس المؤقت، ولا تبني مواقفها على الأمنيات؛ إنها تنتظر وتراقب وتحكم بميزان واحد، وهو ميزان الأفعال لا الأقوال، والنتائج لا التوقعات.

لذلك، فإن الموقف الأكثر اتزاناً هو أن نبارك لأي إنسان نجاحه الشخصي، مع الاحتفاظ بحقنا في تقييم أدائه عندما يبدأ في ممارسة مسؤولياته. فلا إفراط في التفاؤل، ولا أحكام مسبقة بالإدانة أو الإشادة، بل انتظار لما ستكشفه السياسات على أرض الواقع.

فلنفرح بأي إنجاز إنساني يستحق الفرح، ولنفخر بكل نجاح مشرّف، لكن لنجعل أحكامنا السياسية مؤجلة إلى أن تتضح السياسات والمواقف. فالتاريخ لا يخلّد أصحاب الأصول، بل يخلّد أصحاب المواقف، ولا تتذكر الشعوب من أين جاء القادة، بل ماذا صنعوا عندما امتلكوا القرار.

لتبقى قاعدة واحدة جديرة بأن تُكتب بماء الذهب: لا تمنح الثقة للأسماء ولا تسحبها بسبب الأصول، امنحها للأفعال؛ فالأفعال وحدها هي التي تصنع التاريخ.

ليبقى المبدأ الأهم: الأشخاص يُعرفون بأعمالهم لا بأصولهم، والسياسة تُقاس بالقرارات والنتائج لا بالأسماء والجذور.

ولعل تجربة باراك أوباما خير شاهد؛ لقد سهرنا أسابيع أمام الشاشات نتابع تفوقه الانتخابي، ورقصنا كثيراً وغنينا كثيراً، وفي النهاية كان هذا الباراك هو المهندس الفعلي لما يُسمّى بثورات الربيع العربي والشرق الأوسط الجديد.

فلا تنخدعوا بذلك الطبيب صاحب الأصول المصرية، فهو الآن أمريكي الدم والهوى.