شبكة إنماز نيوز | تحليل سياسي خاص
أزمة الحكم المزدوج تفتح أبواب المستقبل المجهول.. وانسحاب الاتحاد الوطني يضع الحكومة الاتحادية أمام اختبار دستوري وسياسي جديد
لم تعد الأزمة السياسية في إقليم كردستان العراق مجرد خلاف على توزيع المناصب أو تشكيل حكومة جديدة، بل بدأت تطرح تساؤلات أكبر تتعلق بمستقبل الإقليم ووحدة مؤسساته، وحدود نفوذ الحزبين الرئيسيين، واحتمالات عودة بغداد إلى ممارسة دور أوسع في إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والإدارية في المناطق التي تشهد انقساماً في السلطة والنفوذ.
فبعد سنوات من الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة عائلة بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، جاءت خطوة انسحاب الاتحاد الوطني من حكومة الإقليم، في الخامس من تشرين الثاني 2026، لتضع العلاقة بين الطرفين أمام منعطف بالغ الحساسية، خصوصاً بعدما لوّح طالباني بتشكيل مؤسسات ومناصب موازية إذا مضى الحزب الديمقراطي في خطواته بصورة منفردة.
انقسام سياسي يعيد ذاكرة الإدارتين
لم يكن إعلان بافل طالباني مفاجئاً بالكامل، فالأزمة بين الحزبين ممتدة منذ انتخابات برلمان الإقليم في تشرين الأول 2024، التي حصل فيها الحزب الديمقراطي على 39 مقعداً، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني، فيما تعثرت المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب العليا طوال الفترة الماضية.
وجاءت جلسة برلمان الإقليم الأخيرة، التي عقدت بحضور 52 عضواً من أصل 100، وانتُخبت خلالها رئاسة جديدة للبرلمان وسط مقاطعة الاتحاد الوطني وحلفائه، لتفجر الخلاف بصورة علنية.
طالباني وصف الحكومة الحالية بالفاشلة، واتهم الطرف الآخر بعدم احترام إرادة الناخبين، مؤكداً أن حزبه لن يعترف بالقرارات والمناصب التي تنتج عن الخطوات الأخيرة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أعلن استعداده للرد بالمثل على أي تعيينات جديدة.
هذه التطورات تعيد إلى الأذهان مرحلة الإدارتين اللتين عاشهما الإقليم خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما انقسم النفوذ بين أربيل والسليمانية، قبل اتفاق إعادة توحيد الإدارة عام 2006. لكن الخطورة اليوم تكمن في أن الانقسام لا يقتصر على التنافس الحزبي، بل يمتد إلى المؤسسات الأمنية والاقتصادية والإدارية، وهو ما يجعل احتمالات عودة الانقسام المؤسسي أمراً يستحق التعامل معه بجدية.
وتشير تقديرات وتحليلات معهد تشاتام هاوس إلى أن الإقليم يعيش فعلياً مناطق نفوذ متباينة؛ إذ يهيمن الحزب الديمقراطي على أربيل ودهوك، فيما يتمتع الاتحاد الوطني بالنفوذ الأوسع في السليمانية وحلبجة، مع استمرار تأثير الأحزاب في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية.
أربيل أمام مستقبل مجهول
السؤال الأهم الذي تطرحه الأزمة ليس فقط: ماذا سيفعل بافل طالباني؟ بل ماذا سيحدث لأربيل إذا تحولت الخلافات السياسية إلى انقسام إداري فعلي؟
فأربيل، بوصفها عاصمة الإقليم ومركز القرار السياسي والاقتصادي للحزب الديمقراطي، تعتمد في استقرارها على وجود مؤسسات إقليمية موحدة، وعلى استمرار التفاهمات مع السليمانية، فضلاً عن علاقاتها المالية والتجارية مع بغداد.
وفي حال تشكلت إدارتان متوازيتان، فإن حكومة أربيل قد تواجه صعوبات في فرض قراراتها على المناطق الخاضعة لنفوذ الاتحاد الوطني، كما قد تتأثر قدرتها على إدارة الملفات المشتركة، وفي مقدمتها الرواتب والإيرادات النفطية والجمارك والمنافذ الحدودية والتمثيل السياسي.
أما اقتصادياً، فإن الانقسام يهدد بتعقيد حركة التجارة والاستثمار، ويضعف ثقة الشركات والمستثمرين بوجود سلطة موحدة قادرة على تنفيذ الالتزامات. كما أن أي خلاف بشأن الإيرادات أو الصلاحيات المالية قد ينعكس مباشرة على الموظفين والمواطنين، الذين يعانون أصلاً من أزمات تأخر الرواتب والخدمات.
وبالتالي، فإن مستقبل أربيل لا يرتبط فقط بقدرة الحزب الديمقراطي على الاحتفاظ بمواقعه، وإنما بقدرته على منع تحول الأزمة إلى انقسام دائم، لأن إدارة الإقليم من طرف واحد قد تمنح أربيل سيطرة سياسية أوسع في مركزها، لكنها لا تعني امتلاكها شرعية إدارية وسياسية في جميع مناطقه.
سنجار وكركوك.. ماذا تعني عودة المناطق إلى بغداد؟
عند الحديث عن المناطق التي خرجت من سيطرة الإقليم، تبرز كركوك وسنجار ومناطق أخرى ضمن المناطق المتنازع عليها، لكن من الضروري التمييز بين السيطرة الأمنية والإدارة المحلية والوضع الدستوري.
فكركوك شهدت تحولاً كبيراً في تشرين الأول 2017، عندما استعادت القوات الاتحادية السيطرة على مواقع ومؤسسات استراتيجية فيها، عقب استفتاء استقلال الإقليم، وأصبحت المحافظة تحت الإدارة الاتحادية، مع استمرار الخلافات السياسية والإدارية بشأن تقاسم النفوذ والتمثيل.
أما سنجار، فهي حالة أكثر تعقيداً، بسبب تعدد القوى الأمنية والسياسية الموجودة فيها، ووجود اتفاق سنجار بين بغداد وأربيل عام 2020، الذي لم تُستكمل متطلبات تنفيذه بصورة شاملة. ولذلك لا يمكن اختزال وضعها بالقول إنها عادت نهائياً إلى سلطة اتحادية مستقرة.
وتكمن أهمية هذه المناطق في ارتباطها بالمادة 140 من الدستور العراقي، التي وضعت مساراً دستورياً لحسم المناطق المتنازع عليها عبر التطبيع والإحصاء السكاني والاستفتاء لتحديد إرادة سكانها.
ورغم أن المادة حددت نهاية عام 2007 موعداً أقصى لتنفيذ مراحلها، فإنها لم تُنفذ بصورة كاملة، كما أكدت المحكمة الاتحادية العليا استمرار سريانها وإلزاميتها إلى حين استكمال متطلباتها.
وهنا تبرز المفارقة: فالمناطق المتنازع عليها ليست أوراقاً سياسية تتناقلها الأحزاب وفق موازين القوة، بل قضية دستورية تتطلب حلاً قانونياً يضمن حقوق سكانها ومكوناتهم، ويمنع فرض الأمر الواقع بالقوة.
السليمانية وحلبجة.. انفصال إداري أم عودة إلى بغداد؟
من أكثر الأسئلة حساسية في المرحلة المقبلة: هل يمكن للسليمانية وحلبجة أن تخرجا من إدارة أربيل وتتوجها نحو بغداد؟
الإجابة الدستورية تقتضي التمييز بين الانفصال عن إدارة حكومة الإقليم وبين الخروج من إقليم كردستان نفسه.
فالمادة 117 من الدستور اعترفت بإقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً، فيما تمنح المادة 121 سلطات الإقليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضمن حدود الدستور.
أما المادة 119 فتمنح كل محافظة أو أكثر حق تكوين إقليم جديد، بشرط اتباع الإجراءات الدستورية وتقديم طلب للاستفتاء، إما من ثلث أعضاء مجلس المحافظة أو من عُشر الناخبين فيها.
وبالتالي، فإن إعلان حزب سياسي انسحابه من حكومة الإقليم أو رفضه قرارات أربيل لا يؤدي تلقائياً إلى تحويل السليمانية إلى محافظة خاضعة مباشرة لبغداد، ولا يمنح أي طرف حق إعلان الانفصال الإداري من طرف واحد.
وتزداد أهمية حلبجة في هذا السياق، بعدما أصبحت المحافظة التاسعة عشرة في العراق بموجب القانون رقم 7 لسنة 2025، والخامسة عشرة؟ بل المحافظة الرابعة ضمن جغرافية إقليم كردستان، إلى جانب أربيل ودهوك والسليمانية. غير أن استحداثها محافظة مستقلة لا يعني خروجها دستورياً من الإقليم.
إن السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة قد يتمثل في مطالبة السليمانية بإدارة أوسع لشؤونها، أو إقامة ترتيبات إدارية ومالية مباشرة مع بغداد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انفصالها عن الإقليم.
ماذا يتطلب من بغداد الاتحادية فعله؟
أمام هذه التطورات، لا ينبغي للحكومة الاتحادية أن تتعامل مع الأزمة باعتبارها فرصة لتصفية الحسابات مع أربيل، أو دعماً لطرف كردي على حساب آخر، بل عليها أن تتعامل معها بوصفها اختباراً لقدرة الدولة العراقية على حماية الدستور ووحدة مؤسساتها.
أولاً، يتعين على بغداد فتح حوار مباشر مع أربيل والسليمانية، وعدم حصر قنوات التواصل بحكومة الإقليم وحدها، خصوصاً في الملفات التي تمس الرواتب والخدمات والإيرادات والحقوق الدستورية للمواطنين.
ثانياً، يجب ضمان وصول المستحقات المالية إلى الموظفين والمواطنين وفق آليات شفافة، وربط التحويلات المالية بالتزامات قانونية ورقابية واضحة، بعيداً عن توظيف الرواتب كورقة ضغط سياسي.
ثالثاً، ينبغي تعزيز دور المؤسسات الاتحادية الرقابية والمالية في متابعة الإيرادات النفطية وغير النفطية، والمنافذ الحدودية والجمارك، استناداً إلى المواد 110 و111 و112 من الدستور، التي تنظم الاختصاصات الاتحادية وملكية النفط والغاز وإدارة مواردهما.
رابعاً، على بغداد العمل مع الأطراف المعنية على حسم ملف المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140، وعدم السماح بتحويل كركوك وسنجار وخانقين ومناطق أخرى إلى ساحات صراع حزبي أو أمني جديد.
خامساً، يتطلب الوضع توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية ومنع وجود تشكيلات تتلقى أوامرها من قيادات حزبية خارج التسلسل الرسمي، مع احترام الصلاحيات الدستورية للإقليم، وضمان خضوع جميع الأجهزة للقانون.
سادساً، ينبغي للحكومة الاتحادية دراسة الخيارات الدستورية التي تتيح للمحافظات إدارة شؤونها المحلية بصورة أكثر فاعلية، إذا طالبت بذلك عبر المؤسسات المنتخبة والإجراءات القانونية، مع عدم فرض أي صيغة إدارية من خارج إرادة السكان.
العراق أمام فرصة لا أزمة فقط
إن ما يجري في كردستان قد يكون بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين بغداد وأربيل، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار الإقليم أو عودة جميع مناطقه إلى الإدارة الاتحادية.
فالسيناريوهات مفتوحة بين تسوية سياسية تعيد توحيد المؤسسات، وانقسام إداري يعيد تجربة الإدارتين، أو تفاهمات جديدة تمنح السليمانية وحلبجة مساحة أكبر من الاستقلال الإداري والمالي، مع بقاء الإقليم ضمن النظام الاتحادي.
أما السيناريو الأكثر خطورة فهو تحول الخلاف السياسي إلى صراع على المؤسسات والأجهزة الأمنية والإيرادات، بما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في شمال العراق.
وفي نهاية المطاف، فإن بغداد أمام مسؤولية تاريخية: لا أن تنتظر سقوط طرف أو انتصار آخر، بل أن تثبت أن الدولة الاتحادية قادرة على حماية حقوق المواطنين في أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة وكركوك وسنجار، وأن الدستور ليس اتفاقاً سياسياً مؤقتاً، بل مرجعية ملزمة للجميع.
فهل نشهد إعادة رسم خريطة النفوذ في كردستان، أم أن أربيل والسليمانية ستعودان إلى طاولة التفاهم قبل أن يتحول الخلاف إلى انقسام يصعب احتواؤه؟

