واشنطن ترسم خريطة العراق

علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي

في دهاليز السياسة حيث تُخاض الحروب بالوكالة وتُحسم المعارك بالصفقات . ثمة مؤشرات على أن واشنطن تحقق اختراقاً في المشهد السياسي العراقي. ففي الوقت الذي عجزت فيه استراتيجية “الضغط الأقصى” عن تحقيق نصر ميداني حاسم على طهران أو إخضاعها عبر الحرب الاقتصادية يبدو أن إدارة ترامب تراهن على إعادة تشكيل الخريطة السياسية في بغداد بطريقة قد تُضعف النفوذ الإيراني من الداخل. هذا “الانتصار” الذي يلوّح به الرئيس دونالد ترامب ليس وهماً انتخابياً عابراً فحسب بل هو إعلان نوايا صريح بأن “المرشح هو مرشح أمريكا”ًوهي رسالة سياسية سمعها الجميع بوضوح وأدركت أبعادها طهران.

الدلالة الأكثر تعبيراً عن احتمال حدوث تحول في ميزان القوى لم تأتِ من واشنطن، بل من طهران نفسها. فالمكالمة التي وصفتها أوساط دبلوماسية -دون تأكيد مستقل لمضمونها- بأنها “باردة وشكلية”ً تلك التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع رئيس الوزراء العراقي المكلّف يمكن قراءتها كمؤشر على فتور في العلاقة لكن ينبغي الحذر في تأويلها فالبرود الدبلوماسي قد يكون تكتيكاً تفاوضياً أو تعبيراً عن تحفظ مرحلي لا اعترافاً بهزيمة استراتيجية. ومع ذلك، يصعب إنكار أن نبرة إيران تجاه بغداد تشهد تحولاً ملموساً في السنوات الأخيرة من لغة الوصاية الأيديولوجية إلى لغة أكثر براغماتية وإن تكن حسابات طهران في العراق أعمق من أن تختزلها نبرة مكالمة واحدة.

لقد فشلت واشنطن سابقاً في كسر إرادة إيران عبر العقوبات الخانقة والمواجهات الميدانية في الإقليم. لكن ما تعجز عنه “القوة الصلبة” قد تنجح فيه الدبلوماسية الهادئة عبر استثمار عاملين رئيسيين متداخلين. العامل الأول هو التحول البراغماتي لجزء كبير من الطبقة السياسية الشيعية. فهذه النخبة ليست كتلة واحدة “منبطحة” ببساطة بل هي فسيفساء معقدة من تيارات تتصارع وتتفاوض باستمرار. بعضها لا يزال متمسكاً بولائه لإيران كضمانة استراتيجية وبعضها الآخر بات ينظر إلى واشنطن كطرف لا غنى عنه لضمان تدفق الاستثمارات والاعتراف الدولي واستقرار النظام السياسي الذي يحكم من خلاله.

هذا الانقسام ليس خضوعاً جماعياً بل هو انعكاس لبراغماتية النخبة الحاكمة التي تتعامل مع القوى الخارجية وفق حسابات مصالحها الذاتية أولاً البقاء في السلطة وإدارة الاقتصاد الريعي وضمان عدم انهيار الدولة التي تستمد منها شرعيتها ومواردها. واشنطن نجحت -مؤقتاً على الأقل- في تقديم نفسها كضامن لهذه المصالح فأنتجت حكومة “قابلة للتعامل” لا تقلقها.

أما العامل الثاني فهو العودة القوية للحزب الديمقراطي الكردستاني إلى واجهة البرلمان والمشهد السياسي. هذه العودة لم تكن ثمرة تفاهمات داخلية خالصة بل جاءت -بحسب مصادر متطابقة- بضغط وتشجيع أمريكي واضح يهدف إلى إكمال أركان العملية السياسية بموازنة لا تمنح أي طرف داخلي أو إقليمي هيمنة مطلقة. فبما أن مرشح رئاسة الوزراء جاء بدعم وقبول أمريكي كان لا بد للعملية السياسية برمتها من أن تتوافق مع هذا التوجه وأن يُعاد تشكيل البرلمان وفق هندسة تضمن انسيابية القرار.

وهنا تكمن الصورة الأوضح للدور الأمريكي كـ”مهندس سياسي” ما نشهده ليس مجرد تداول سلمي للسلطة بل حالة من الرضا السياسي الشامل باتت تغلف أحزاباً طالما تباعدت في الطوائف والقوميات. هذا الرضا المتزامن يثير التساؤل لا عن ” صدقيتها” بل عن مدى استدامته. جزء كبير من الطبقة السياسية -الشيعية والكردية والسنية- بات يدرك أن واشنطن لاعب أساسي في تقاسم النفوذ وتشكيل الحكومات.

لكن هذا لا يلغي أن هذه القوى ذاتها تحتفظ بقنواتها الخلفية مع طهران وتستثمر المنافسة بين القطبين لتعظيم مكاسبها. العراق ليس ساحة ينتصر فيها طرف نهائياً بل سوق دائم للمساومة بين مراكز القوى الإقليمية والدولية والنخب المحلية هي السماسرة لا مجرد الزبائن.

هذا الواقع الجديد يضع إيران أمام معادلة صعبة ستدفعها لإعادة حساباتها مع حلفائها في الطبقة السياسية العراقية لكنه لا يلغي نفوذها تلقائياً. فطهران التي راهنت لعقدين على عمقها الاستراتيجي في العراق بنت نفوذاً لا يقتصر على علاقاتها بنخب سياسية متقلبة.

هناك شبكات اقتصادية وعلاقات دينية ومؤسسات اجتماعية وروابط أمنية تشكل نسيجاً معقداً لا تُحدث تغيير الحكومات فيه شرخاً فورياً. وهنا يكمن المأزق الحقيقي لواشنطن فرغم هذا الاختراق السياسي يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات. فأمريكا لا تريد مجرد حكومة صديقة بل تريد حلاً لمعضلتي “الحشد الشعبي” وسلاح” فصائل المقاومة”.

وهاتان مسألتان تُعدان خطوطاً حمراء ليس فقط لإيران بل لقطاع واسع من الفواعل الشيعية -داخل الحكومة وخارجها- التي ترى فيهما ضمانة استراتيجية ضد أي تهديد مستقبلي. لا يمكن تجاوز هذين الملفين بقرار نخبوي هادئ وأي محاولة لتصفيتهما بالقوة قد تفجر صراعاً داخلياً لا تحمد عقباه.

فصائل المقاومة في العراق لم تُبدِ رضىً ولا رفضاً علنياً بل التزمت صمتاً مريباً. تفسير هذا الصمت كـ”هدوء يسبق العاصفة” هو احتمال وارد لكنه ليس الوحيد. قد يكون هذا الصمت مؤشراً على تفاهمات غير معلنة مع الحكومة الجديدة حول خطوط حمراء متفق عليها أو هو تكتيك انتظار لتقييم جدية التهديدات قبل الرد أو هو انعكاس لانقسام داخلي بين تيارات
” متشددة “وأخرى أكثر “براغماتية “داخل معسكر المقاومة ذاته. ما يمكن الجزم به أن هذا الصمت إعلان غير مباشر بأن هذه الفصائل لم تُهزم أو تُستوعب بعد وأنها تنتظر لترى ماذا ستفعل الحكومة الجديدة حيال الخطوط الحمراء. السيناريو الأسوأ لواشنطن ليس الرفض الفوري بل التصعيد التدريجي اختبار الحكومة الجديدة عبر استفزازات محسوب ثم الرد بعنف على أي محاولة لنزع السلاح ثم الدخول في دوامة عنف قد تتحول إلى صراع غير مسبوق.

في المحصلةًما تحقق لواشنطن ليس “نصراً استراتيجياً نهائياً” بالمعنى الذي يحتفل به ترامب بل هو اختراق تكتيكي مهم في بيئة شديدة السيولة. العراق لا يُقرأ بلغة المنتصر والمهزوم بل بلغة التنافس المستمر على النفوذ بين قوى خارجية وداخلية لا يمتلك أي منها القدرة وحدها على حسم المشهد. طهران لم تُهزم في العراق لكنها تواجه تحدياً غير مسبوق نخبة شيعية تتكلم بلغة المصالح الضيقة وحكومة مركزية أقل انصياعاً من سابقاتها وحليف أمريكي أكثر تصميماً على تقليم أظافر نفوذها.

كيف ستستجيب؟ بالتصعيد عبر الوكلاء؟ بإعادة فتح قنوات التفاوض مع واشنطن؟ أم بإعادة هيكلة تحالفاتها الداخلية؟ الإجابة ستحدد شكل العراق في السنوات القادمة. أما استعارة “العاصفة” فليست قدراً محتوماً لكنها سيناريو ممكن إذا أخطأت الأطراف المتعددة -المحلية والإقليمية والدولية- في قراءة موازين القوى الحقيقية وظنت أن ما جرى في دهاليز السياسة انتصار حاسم في بلد لا يعرف الحسم.