حسنين تحسين – كاتب عراقي
إن الدخول في مفاوضات مع إيران لا يقود إلا إلى نتيجتين، إما القبول بما تريده طهران، أو العودة إلى نقطة الصفر لحظة القبول بالتفاوض، وكأن الحرب لم تقع أصلًا. أما السعي إلى نتيجة مختلفة، فهي رغبة لم تتحقق حتى الآن. و الحرب العراقية الإيرانية خير دليل على ذلك. فالتفاوض مع إيران يشبه الدخول في دائرة مُفرغة تستنزف الوقت بلا نهاية واضحة أو هدف حاسم، و هذا واضح من أوراق اقتراح ايران بمفاوضات إسلام آباد التي تنص على انهاء الحرب و بعدها التفاوض! و يبدو ان فكرة حائك السجاد تُعجب ايران كثيرًا كصفة ملازمة، فهي تاريخيًا لم تتعود على اتفاق او عطاء سريع.
ستكتشف أمريكا والعالم أن الدخول في حرب مع إيران أيسر بكثير من الدخول في مفاوضات معها؛ فهم لا يفاوضون حتى ينتهون، بل يفاوضون كي يستمرون . وربما تتحول هذه النظرية مستقبلًا إلى نموذج سياسي يُدرَّس عند الحديث عن طبيعة التفاوض لدى القوميتين الفارسية والكردية تحديدًا.
تتمايل الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران لأنها تريد إنجاز ملف الحكومة العراقية، بعدما نجحت بقمع أو إسقاط أي شخصية تُطرح إعلاميًا لأي منصب حكومي. وإذا أدركت إيران هذه الحاجة الأمريكية، فإنها ستتجه إما إلى انتزاع ما تريده كاملًا، أو إلى عدم الاكتراث بتعطيل تشكيل الحكومة، كما عطّلت سابقًا ملفات وممرات استراتيجية كمضيق هرمز.
لقد استمرت أجواء الحرب، وهناك دول تموضعت واستفادت اقتصاديًا وسياسيًا من هذا الواقع، وركّزت مواردها على أساس استمراره؛ لذلك فإن أي نهاية قريبة للحرب لا تبدو بالضرورة في مصلحتها. الحرب اليوم تبدو كأنها على “عداد النهاية”، لكنها ما زالت تعيش في أجواء اللهب، وهذه الحالة الرمادية مفيدة لبعض الدول والكيانات الاقتصادية، لذلك يبدو أنها ستدفع باتجاه استمرارها. فكما أن للسلام قادة، فإن للحروب أيضًا أمراءها.
في النهاية، قد تستمر حكاية المفاوضات مع إيران لعشرات، وربما مئات السنين؛ لذا لا ينبغي للعراق أن يعلّق مستقبله على نهاية هذا الصراع، بل عليه البحث عن بدائل استراتيجية، والشروع بجهد وطني مكثف لإنشاء خطوط تصدير نفط عبر تركيا أو سوريا أو الأردن، والتعامل بواقعية مع فكرة أن الخليج العربي لم يعد منفذه الآمن الوحيد. فالواقع اليوم يفرض التفكير خارج الصندوق، مع حرب جاءت من الصندوق نفسه.

