موظفة مبيعات أم أداة لاستعراض الجسد؟

علي كريم إذهيب – صحافي وباحث اقتصادي

في العراق، صار من الطبيعي أن تشوف محلات كوزمتك ضخمة، ومعارض هواتف حديثة، وصفحات تبيع الملابس النسائية وملابس الأطفال، ومشاريع “برّاقة” تلمع على تيك توك وفيسبوك وكأنها جزء من اقتصاد مزدهر وحديث. لكن خلف هذه الواجهات اللامعة، توجد قصة أخرى أقل بريقاً وأكثر قسوة… قصة استغلال يومي للفتيات العاطلات عن العمل تحت اسم “القطاع الخاص”.

هذا القطاع الذي يُفترض أن يكون شريكاً ببناء الاقتصاد، تحوّل عند كثير من أصحاب المشاريع إلى سوق مفتوح لاستنزاف الإنسان، بلا رحمة، بلا قانون، وبلا أدنى احترام لكرامة العامل.

أي “وظيفة” هذه التي يبدأ دوامها من العاشرة صباحاً حتى العاشرة ليلاً؟12 ساعة يومياً، وعلى مدار سبعة أيام بالأسبوع، مقابل راتب لا يتجاوز 500 ألف دينار، وأحياناً 350 ألف فقط!

حتى العامل البسيط في دول فقيرة يملك ساعات راحة وإجازة وضمانات، بينما في العراق تُعامل بعض موظفات المبيعات وكأنهن جزء من ديكور المحل، لا بشر لديهن حياة وكرامة وحقوق.

الأدهى من ذلك، أن كثيراً من هذه المشاريع لا تبحث عن الكفاءة أو الخبرة، بل عن “المظهر”، الإعلان الوظيفي يكون مبطناً أحياناً، وفاضحاً أحياناً أخرى: “مطلوب موظفة جميلة، لبقة، تجيد التصوير واللايفات”، وكأن الوظيفة تحولت من بيع منتج إلى تسويق الجسد والصورة لجذب المتابعين والمشاهدات!

فتاة خريجة جامعية، عاطلة عن العمل، تُدفع دفعاً بسبب الحاجة الاقتصادية إلى الوقوف ساعات طويلة أمام كاميرا الهاتف، تبث “لايف” على تيك توك وفيسبوك، وسط تعليقات وإساءات وابتزاز إلكتروني أحياناً، فقط لأن صاحب المشروع يريد زيادة المبيعات بأقل كلفة ممكنة.

أي قطاع خاص هذا الذي يبني أرباحه على إذلال الشباب والفتيات؟
وأي اقتصاد هذا الذي يسمح بتحويل البطالة إلى وسيلة ضغط لقبول شروط مهينة؟

ما يجري اليوم لا يتعارض فقط مع القوانين الاقتصادية الخاصة بالعمل، بل حتى مع أبسط المبادئ الإنسانية.

قانون العمل العراقي حدّد ساعات العمل والإجازات والحقوق، لكن من يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يجرؤ على مساءلة أصحاب النفوذ الذين يختبئون خلف عبارة “استثمار”؟

الحكومة تتحمل مسؤولية مباشرة عن هذا الانفلات.

وزارة العمل مطالبة بحملات تفتيش حقيقية، لا بيانات إعلامية.

يجب فرض حد أدنى عادل للأجور، ومراقبة ساعات العمل، ومنع استغلال النساء في الدعاية التجارية الرخيصة تحت ضغط الحاجة والفقر.

كما أن المجتمع نفسه أمام اختبار أخلاقي خطير.

حين تتحول حاجة الخريجات إلى أداة استعراض وتسويق، فهذه ليست تنمية ولا “حداثة”، بل سقوط قيمي واقتصادي كامل.

العراق لا يحتاج قطاعاً خاصاً متوحشاً، بل يحتاج سوق عمل يحترم الإنسان قبل الأرباح.

لأن الدولة التي تترك شبابها بين البطالة والاستغلال، ستدفع الثمن اجتماعياً وأخلاقياً واقتصادياً عاجلاً أم آجلاً.