هل تستجدي واشنطن فتات المواطنين؟

علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي

“تبرعوا من أجل أمريكا”… تصريح ترامب الذي مرّ مرور الكرام . لكنه حمل في طياته دلالات أعمق من مجرد دعوة رمزية. خلف هذا النداء الذي بدا أقرب إلى مشهد درامي منه إلى سياسة اقتصادية تقليدية . يتكشف حجم القلق المتزايد داخل الولايات المتحدة بشأن مسار الدين العام وقدرة الاقتصاد الأمريكي على احتواء تضخمه المستمر. فالأزمة التي بدت لسنوات مجرد أرقام قابلة للإدارة . تحولت اليوم إلى كرة ثلج بدأت تتدحرج بثقل متزايد .وسط مخاوف من أن يصبح إيقافها أكثر كلفة وتعقيداً مع مرور الوقت.

جوهر الأزمة: ليس رقماً بل عبء بنيوي متفاقم

لم يعد الدين العام الأمريكي مجرد رقم ضخم في دفاتر وزارة الخزانة . بل تحول إلى تحدٍّ بنيوي يضغط تدريجياً على مستقبل الاقتصاد الأمريكي وقدرته على المناورة. ومع اقتراب الدين من حاجز 38.5 تريليون دولار . وتجاوز نسبته حجم الناتج المحلي الإجمالي . دخلت الولايات المتحدة مرحلة حساسة لم تشهدها بهذا الشكل منذ تداعيات الحرب العالمية الثانية.

ما يثير القلق في مراكز الدراسات الاقتصادية لا يتعلق فقط بحجم الدين . بل بوتيرة نموه المتسارعة. فالعجز الفيدرالي يتضخم سنوياً بمعدلات مرتفعة . فيما ترتفع كلفة خدمة الدين بصورة متواصلة . الأمر الذي يحدّ تدريجياً من قدرة واشنطن على توجيه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج والبنية التحتية.

تشريح العجز : كيف تراكمت الفاتورة؟

وفقاً لتقارير الخزانة الأمريكية ومكتب الميزانية في الكونغرس . فإن الأزمة الحالية ليست نتاج إدارة واحدة أو قرار منفرد .بل نتيجة تراكم طويل لعوامل سياسية واقتصادية متشابكة أبرزها:

الحروب والإنفاق العسكري الممتد:
عقود من التدخلات الخارجية رفعت الإنفاق الدفاعي إلى مستويات هائلة استنزفت الموازنة الفيدرالية.

التخفيضات الضريبية المتكررة:
سياسات هدفت لتحفيز الاقتصاد لكنها قلّصت في المقابل إيرادات الخزانة بالتزامن مع استمرار ارتفاع الإنفاق الحكومي.

الأزمات الاقتصادية الكبرى:
من أزمة 2008 إلى جائحة كورونا اضطرت واشنطن إلى ضخ تريليونات الدولارات لإنقاذ الأسواق وتحفيز الاقتصاد ومنع الانهيار.

التحولات الديموغرافية وبرامج الرعاية: شيخوخة السكان وارتفاع كلفة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية باتا يشكلان ضغطاً هيكلياً طويل الأمد على المالية العامة.

لكن رغم خطورة هذه المؤشرات . لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بعوامل قوة استثنائية في مقدمتها هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي وعمق سوق السندات الأمريكية ما يمنحها قدرة أكبر على الاقتراض مقارنة بمعظم الاقتصادات الأخرى.

الخطوة الرمزية: هل كانت الرسالة أكبر من قيمتها المالية؟

في فبراير 2026 . أعادت الإدارة الأمريكية تسليط الضوء على بوابة التبرعات الحكومية الخاصة بالمساهمة في تقليص الدين العام . بما يشمل وسائل دفع إلكترونية حديثة مثل PayPal وVenmo. تحت بند “هدايا لتقليص الدين العام”.

من الناحية الحسابية . يدرك الجميع أن هذه التبرعات لن تُحدث أثراً فعلياً على دين يُقاس بعشرات التريليونات. إلا أن القيمة الحقيقية للخطوة بدت رمزية وسياسية أكثر منها مالية. فبالنسبة لكثير من المراقبين عكست المبادرة حجم الإرباك الذي يحيط بالنقاش المالي الأمريكي”.

وأظهرت أن الأدوات التقليدية لمعالجة العجز باتت أكثر كلفة سياسياً خصوصاً مع اقتراب أي إصلاحات محتملة من ملفات حساسة تمس الضرائب والإنفاق الاجتماعي.

إنذار الأسواق : الثقة لا تزال قائمة… لكنها ليست مطلقة

في بكين وطوكيو ولندن . تتابع البنوك المركزية وصناديق الاستثمار السيادية مسار الدين الأمريكي بحذر متزايد. فسندات الخزانة الأمريكية ما تزال تمثل العمود الفقري للنظام المالي العالمي . غير أن ارتفاع كلفة الفوائد بدأ يفرض ضغوطاً حقيقية على الموازنة الأمريكية.

لقد أصبحت مدفوعات الفوائد تنافس بنود الإنفاق الكبرى وهو ما يعني أن جزءاً متزايداً من الاقتراض يُستخدم لخدمة ديون سابقة بدلاً من تمويل مشاريع إنتاجية جديدة. ومع ذلك . لا تزال الأسواق العالمية تتعامل مع الدولار والسندات الأمريكية باعتبارهما الملاذ الأكثر أماناً مقارنة بالبدائل المتاحة وهو ما يفسر استمرار الطلب العالمي عليها رغم تنامي المخاوف.

غير أن استمرار هذا المسار على المدى الطويل قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في قدرة واشنطن على إدارة الأزمات المستقبلية بالكفاءة ذاتها التي تمتعت بها خلال العقود الماضية.

ماذا بعد؟ هل تدخل الهيمنة المالية مرحلة الاختبار؟

لا يتحدث معظم الاقتصاديين عن انهيار وشيك للاقتصاد الأمريكي بل عن مسار طويل من الضغوط البنيوية التي قد تعيد تشكيل طبيعة الهيمنة الأمريكية نفسها. فتوقعات ارتفاع الدين إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقد المقبل تفتح الباب أمام أسئلة معقدة تتعلق بمستقبل الدولار وقدرة الولايات المتحدة على تمويل التزاماتها الداخلية والخارجية دون الدخول في دوامة تضخم أو تباطؤ اقتصادي مزمن.

وربما تكمن أهمية مبادرة “التبرع لتقليص الدين” ليس في قيمتها المالية المحدودة بل في رمزيتها السياسية إذ إنها تعكس اتساع القلق داخل المؤسسة الأمريكية من مسار مالي يبدو أكثر صعوبة وتعقيداً مع مرور الوقت.

السؤال الذي يلوح في الأفق اليوم لم يعد متعلقاً فقط بحجم الدين . بل بقدرة النظام الأمريكي نفسه على إنتاج تسوية سياسية واقتصادية تسمح بإعادة ضبط العلاقة بين الإنفاق .والضرائب والدور العالمي للولايات المتحدة قبل أن تتحول الضغوط المتراكمة إلى عبء يقيد هامش الحركة الأمريكية في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوة والاقتصاد.