بغداد – شبكة إنماز نيوز
تحولت قضية أعداد موظفي مجلس النواب العراقي ورواتبهم خلال الأيام الماضية إلى محور جدل واسع بين الأكاديمي والخبير الاقتصادي نبيل المرسومي والدائرة الإعلامية لمجلس النواب، بعد تبادل تصريحات وبيانات متناقضة بشأن عدد العاملين في المجلس وحجم الإنفاق السنوي على رواتبهم. وبينما يستند كل طرف إلى ما يراه أدلة ووثائق داعمة لموقفه، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى شفافية المؤسسات الحكومية في الإعلان عن بياناتها المالية والإدارية، خصوصاً في ظل تصاعد المطالبات الشعبية بترشيد الإنفاق العام وكشف تفاصيل الموازنات التشغيلية لمؤسسات الدولة.
وكان الأكاديمي الاقتصادي نبيل المرسومي قد نشر بيانات قال إنها مستندة إلى ما ورد في الموازنة الثلاثية، مؤكداً أن عدد موظفي مجلس النواب والهيئات التابعة له يبلغ نحو 12 ألفاً و500 موظف، وأن مجموع رواتبهم السنوية في عام 2025 بلغ 551 مليار دينار. وبحسب حساباته، فإن متوسط الراتب الشهري للموظف الواحد يصل إلى نحو 3.6 ملايين دينار.
المرسومي عاد ليدافع عن أرقامه بعد صدور بيان من الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، معتبراً أن رد المجلس تضمن معلومات تتناقض مع ما هو مثبت في الوثائق الرسمية الخاصة بالموازنة. وقال إن من “المؤسف أن مجلس النواب لا يعرف عدد موظفيه والهيئات التابعة له ورواتبهم”، مؤكداً أن الرقم الذي نشره يستند إلى بيانات مدرجة رسمياً في الموازنة.

وأشار المرسومي إلى أن بيان مجلس النواب ذكر أن العدد الحقيقي للموظفين يقل عن ربع الرقم الذي أورده، موضحاً أن صحة هذا الادعاء تعني، وفقاً للحسابات المالية، أن متوسط الراتب الشهري للموظف سيصل إلى نحو 14 مليون دينار، وهو رقم يفوق بكثير ما ذكره في منشوره السابق. وأضاف أن هذه المعادلة الحسابية تثير تساؤلات حول دقة الأرقام الواردة في رد المجلس، داعياً إلى مراجعتها قبل إصدار البيانات الرسمية.

كما انتقد الخبير الاقتصادي لغة البيان الصادر عن الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، معتبراً أن استخدام أوصاف مثل “المدعو” و”المومأ إليه” لا ينسجم مع طبيعة النقاش العام ولا مع مستوى الحوار المطلوب بين المؤسسات الرسمية والأكاديميين والباحثين. وأكد أنه كان يتمنى أن يركز الرد على تقديم الأرقام والوثائق بدلاً من اللجوء إلى عبارات وصفها بأنها غير مناسبة.
في المقابل، أصدرت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب بياناً رسمياً نفت فيه بشكل قاطع ما ورد في تصريحات المرسومي، ووصفت المعلومات المتداولة بأنها “افتراء لا حقيقة له”. وأكدت أن عدد موظفي المجلس يقل عن ربع العدد المذكور في تصريحاته، وأن رواتبهم تصرف وفق جدول رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22 لسنة 2008، إضافة إلى مخصصات محددة ينظمها قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لسنة 2018.
وأوضح البيان أن موظفي المجلس لا يتقاضون رواتب استثنائية خارج الأطر القانونية النافذة، مشيراً إلى أن ما تم تداوله يمثل إساءة للمجلس وتشهيراً به أمام الرأي العام. كما أعلن المجلس عزمه اتخاذ إجراءات قانونية وتحريك شكوى لدى المحكمة المختصة بحق المرسومي لتحميله المسؤولية القانونية عن تصريحاته.
غير أن المرسومي رد على ذلك بالتأكيد أنه يمتلك وثائق وبيانات تدعم ما نشره، وأنه ينتظر من مجلس النواب الاعتذار عن بيانه الأخير بعد إظهار المستندات التي قال إنها تثبت صحة الأرقام التي استند إليها. ويرى مراقبون أن الخلاف تجاوز مجرد اختلاف في قراءة الأرقام ليصبح اختباراً حقيقياً لمستوى الشفافية المالية في المؤسسات العامة، خصوصاً أن الرأي العام يتابع باهتمام أي معلومات تتعلق برواتب ومخصصات المسؤولين والموظفين في الدوائر العليا للدولة.
وفي ظل استمرار الجدل، تبقى الوثائق الرسمية والبيانات التفصيلية هي الفيصل في حسم الخلاف بين الطرفين. فبين تأكيد المرسومي صحة أرقامه ونفي مجلس النواب لها، يترقب الشارع العراقي مزيداً من الإيضاحات التي من شأنها كشف الحقائق للرأي العام وتعزيز مبدأ الشفافية في إدارة المال العام، بعيداً عن لغة الاتهامات المتبادلة، وبما يضمن حق المواطنين في الاطلاع على تفاصيل الإنفاق الحكومي ومساءلة المؤسسات العامة وفق الأرقام والوثائق الرسمية.

