المقاومة وتحولات الدور الوطني: من حماية الدولة إلى بناء المؤسسات وترسيخ السيادة

سلام جاسم الطائي – باحث بالشأن السياسي

شهد العراق خلال العقود الأخيرة تحولاتٍ سياسية وأمنية عميقة فرضت على القوى الوطنية إعادة تعريف أدوارها ووظائفها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة. وفي هذا السياق، برزت المقاومة بوصفها أحد أهم الفاعلين في المشهد الوطني، إذ لم يقتصر دورها على مواجهة التهديدات الأمنية والدفاع عن البلاد في اللحظات الحرجة، بل تطور تدريجياً ليشمل الإسهام في دعم الدولة وتعزيز مؤسساتها وترسيخ سيادتها.

ففي مرحلة التحديات الوجودية، ولا سيما خلال الحرب ضد الإرهاب، أدّت فصائل المقاومة دوراً محورياً في حماية العراق وصون وحدته الجغرافية والاجتماعية، وأسهمت إلى جانب القوات الأمنية في تحقيق الانتصار على تنظيم داعش الإرهابي. وقد شكّل هذا الدور محطة مفصلية في التاريخ العراقي الحديث، حيث أثبتت المقاومة قدرتها على الدفاع عن الدولة عندما كانت تواجه أخطر التهديدات.

إلا أن التحول الأبرز تمثّل في الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة البناء والاستقرار. فمع تراجع التهديدات الأمنية المباشرة، برزت الحاجة إلى تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ سلطة القانون وتكريس السيادة الوطنية، وهي أهداف تتطلب رؤية سياسية تتجاوز منطق الصراع إلى منطق الدولة.

ومن هنا، ظهرت دعوات متكررة إلى تنظيم العلاقة بين العمل المقاوم ومؤسسات الدولة، بما يضمن الحفاظ على الإنجازات الأمنية ضمن إطار قانوني ومؤسساتي يعزز هيبة الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها. وقد بات واضحاً أن قوة العراق لا تكمن في تعدد مراكز القوة، بل في وجود مؤسسات وطنية قوية وقادرة على حماية مصالح المواطنين وصيانة استقلال القرار الوطني.

كما أن مفهوم السيادة لم يعد يقتصر على حماية الحدود ومواجهة التهديدات الخارجية، بل أصبح يشمل بناء مؤسسات فاعلة، وتعزيز الاستقرار السياسي، وتحقيق التنمية، وترسيخ الثقة بين المواطن والدولة. وفي هذا الإطار، يكتسب دور القوى الوطنية أهمية مضاعفة من خلال دعم مسار الإصلاح والبناء وتغليب المصالح العليا للبلاد.

إن التجربة العراقية أظهرت أن العلاقة بين المقاومة والدولة ليست بالضرورة علاقة تناقض، بل يمكن أن تكون علاقة تكامل عندما تنطلق من رؤية وطنية تدرك أن حماية الدولة هي الخطوة الأولى، وأن بناءها وتعزيز سيادتها واستقرارها هو الهدف الأسمى والأكثر استدامة. ومن هذا المنطلق، فإن التحول من دور الحماية إلى دور الإسناد والبناء يمثل تطوراً طبيعياً في مسار أي مشروع وطني يسعى إلى ترسيخ دولة قوية وقادرة ومقتدرة.

وبذلك، تتحول المقاومة من قوة تدافع عن الدولة في أوقات الخطر إلى قوة تسهم في تعزيز مقوماتها وترسيخ سيادتها في أوقات الاستقرار، لتكتمل معادلة القوة الوطنية بين حماية الوطن وبناء الدولة.