من مصدِر للنفط الخام لصانع المشتقات .. خارطة طريق لإنهاء طوابير الوقود

د. نبيل رحيم العبادي – قانوني اقتصادي ومصرفي

في مفارقة لا تخلو من عبث مؤلم، يقف العراق كأحد أكبر منتجي النفط في العالم، بينما تختنق مدنه بطوابير السيارات أمام محطات الوقود. مشهد يتكرر مع كل أزمة إمداد، ليعيد طرح سؤال بديهي لكنه موجع: كيف لبلد يطفو على بحر من النفط أن يعجز عن تأمين مشتقاته النفطية بصورة مستقرة؟

قد تبدو الأزمة الحالية نتيجة عوامل ظرفية كارتفاع الحرارة أو ضغوط الاستيراد، لكن جوهر المشكلة أعمق. إنه فشل مزمن في تحويل وفرة النفط الخام إلى قيمة مضافة داخل البلاد. فبينما نواصل تصدير الخام بأسعار زهيدة، نعود لاستيراد مشتقاته من الأسواق الخارجية بأسعار أعلى، مما يجعلنا أكثر عرضة لأي اضطراب في سلاسل التوريد الإقليمية.

الخيار الاستراتيجي الذي طال انتظاره هو الانتقال من دولة مصدرة للنفط الخام إلى دولة مصنعة للمشتقات والبتروكيماويات. ولكن السؤال العملي: كيف نفعل ذلك بسرعة وفاعلية؟

التجارب العالمية، من الهند إلى السعودية، تقدم لنا نموذجاً قابلاً للتطبيق لا يحتاج إلى مصافٍ عملاقة تستهلك مليارات الدولارات وسبع سنوات من الانتظار. الحل يكمن في إنشاء وحدات تكرير مصغرة منتشرة في المحافظات النفطية، بطاقة إنتاجية تتراوح بين عشرين إلى خمسين ألف برميل يومياً لكل وحدة. هذه الوحدات يمكن تشغيلها في غضون اثني عشر إلى ثمانية عشر شهراً، ويمكن ربطها بخطوط إنتاج بتروكيماوية أساسية تنتج البوليمرات والأسمدة والوقود النظيف.

هذا النموذج لا يهدف فقط إلى تصدير المنتجات المصنعة بأسعار مضاعفة مقارنة بالخام، بل يبدأ بحل المشكلة المحلية أولاً. فبدلاً من استيراد البنزين والديزل، ننتجها محلياً، وبدلاً من تصدير النفط الخام بسعر سبعين دولاراً للبرميل، نصنع منه بتروكيماويات تباع بمئات الدولارات. والأهم أن توزيع الوحدات التكريرية في مناطق الاستهلاك يقلل من حوافز التهريب ويعزز الشفافية في منظومة التوزيع.

إن استمرار الاعتماد على الاستيراد لا يستهلك المال العام فقط، بل يخلق بيئة تسمح بتضارب المصالح ويساهم في بقاء الحلقة المفرغة من الأزمات المتكررة. التجارب الناجحة أثبتت أن الشراكات المختلطة بين الحكومة والمستثمرين العراقيين والأجانب، مع ضمانات حكومية وشفافية في العقود، هي المفتاح لتحويل هذا الواقع.

العراق لا يعاني من فقر في الموارد، بل من أزمة في إدارة الوفرة. وطوابير البنزين ليست مجرد مشهد يومي عابر، بل رمز للفجوة بين ما نملكه وما ننجح في تحويله إلى تنمية واستقرار. إن البدء فوراً في تطبيق نموذج التكرير المصغر والبتروكيماويات هو الخطوة العملية الأولى نحو إطفاء هذه الطوابير إلى الأبد، وتحويل الثروة النفطية إلى قوة إنتاجية مستدامة.