استنزاف النفط.. فشل الدولة العميق!

علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي

في تناقض يكاد يكون عبثياً. يقف العراق كواحد من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم. بينما تختنق مدنه بطوابير السيارات أمام محطات الوقود. مشهد يتكرر كلما ظهرت أزمة في إمدادات البنزين أو اختناقات في توزيعه. ليطرح سؤالاً بديهياً لكنه موجع. كيف يمكن لبلد يطفو على بحر من النفط أن يعجز عن تأمين مشتقاته النفطية بصورة مستقرة؟

قد تبدو الأزمة الحالية للوهلة الأولى نتيجة عوامل ظرفية ومؤقتة. فقد تزامنت مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الوقود. ومع حركة السفر والتنقل خلال العطل والمناسبات. فضلاً عن الضغوط التي تعرضت لها إمدادات البنزين المحسن بفعل تعقيدات الاستيراد والنقل والتوترات الإقليمية. كما ساهمت بعض الاختناقات اللوجستية ومشكلات التوزيع في زيادة الضغط على المحطات وظهور طوابير الانتظار.

لكن هذه العوامل لا تفسر سوى جانب من المشهد. أما جوهر الأزمة فيكمن في فشل مزمن رافق إدارة قطاع الطاقة لعقود طويلة. فبينما كان المنطق الاقتصادي يقتضي أن تتحول عوائد النفط الخام إلى مشاريع استراتيجية لبناء مصافٍ حديثة وتوسعة القدرات التكريرية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية. استمر العراق في الاعتماد على تصدير النفط الخام واستيراد جزء من المشتقات التي يحتاجها. وهكذا نشأت مفارقة مؤلمة جعلت بلداً نفطياً بامتياز أكثر عرضة للتأثر بأي اضطراب في سلاسل التوريد أو الأسواق الإقليمية.

إن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد. بل في كيفية إدارتها. فخلال السنوات الماضية دخلت إلى خزينة الدولة إيرادات نفطية ضخمة كان من الممكن أن تؤسس لبنية تحتية متطورة في قطاع التكرير والخزن الاستراتيجي. غير أن السياسات الحكومية المتعاقبة اتسمت في كثير من الأحيان بالمعالجات المؤقتة والتركيز على إدارة الأزمة بدلاً من إزالة أسبابها. وبدلاً من بناء منظومة متكاملة تقلل الحاجة إلى الاستيراد. بقيت البلاد تعتمد بدرجات متفاوتة على الأسواق الخارجية لتغطية جزء من احتياجاتها.

وفي هذا السياق. لا يمكن تجاهل ملف التهريب الذي ما زال يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع المشتقات النفطية. ففروقات الأسعار بين العراق وبعض الأسواق المجاورة تخلق حوافز كبيرة لعمليات التهريب. خصوصاً عندما يقترن ذلك بضعف الرقابة أو الثغرات الإدارية. ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على استنزاف المال العام فحسب. بل يمتد إلى حرمان السوق المحلية من كميات كان يفترض أن تصل إلى المستهلك العراقي. بما يفاقم الاختناقات ويزيد من هشاشة منظومة الإمداد.

كما أن استمرار الاعتماد على الاستيراد يثير تساؤلات مشروعة حول وجود مصالح اقتصادية تستفيد من بقاء هذا الواقع على حاله. فكلما توسعت عقود الاستيراد وازدادت الأموال المتداولة في هذا الملف. ازدادت احتمالات تشكل شبكات مصالح ترى في استمرار الاعتماد على الخارج فرصة اقتصادية لها. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة منظمة أو اتهاماً مباشراً لجهات محددة. لكنه يسلط الضوء على بيئة تسمح بتضارب المصالح وتستدعي أعلى درجات الشفافية والرقابة والمحاسبة.

ومن هنا فإن الأزمة الحالية ليست مجرد نقص مؤقت في البنزين. بل هي عرض لمرض أعمق يتعلق بطبيعة إدارة الثروة النفطية في العراق. فالدول لا تقاس بحجم مواردها الطبيعية فقط. بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قوة إنتاجية مستدامة. وما دامت الاختناقات تتكرر كلما تعرضت منظومة الإمداد لأي ضغط استثنائي. فإن ذلك يكشف أن الخلل لا يزال قائماً في البنية نفسها. لا في الظروف الطارئة وحدها.

إن تجاوز هذه الحلقة المفرغة يتطلب رؤية تتجاوز منطق الحلول المؤقتة. رؤية تقوم على استكمال مشاريع المصافي وتطويرها. وتعزيز الطاقة التكريرية. وبناء احتياطيات استراتيجية كافية. وتشديد الرقابة على عمليات التوزيع والتهريب. وإخضاع عقود الاستيراد لأقصى درجات الشفافية. فالعراق لا يعاني من فقر في الموارد. بل من أزمة في إدارة الوفرة.

وحتى يتحقق ذلك. ستبقى طوابير البنزين أكثر من مجرد مشهد يومي عابر. ستبقى رمزاً للفجوة بين ما يملكه العراق من ثروة هائلة وما ينجح في تحويله منها إلى تنمية وخدمات واستقرار. وستبقى شاهداً على أن المشكلة الحقيقية ليست في النفط الذي يخرج من باطن الأرض. بل في السياسات التي تعجز عن تحويله إلى رفاه فوقها.