بغداد – شبكة إنماز نيوز
في تطور سياسي وأمني لافت، أعلنت كل من حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين صدرا الثلاثاء 2 حزيران 2026، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، في خطوة اعتبرها مراقبون امتداداً لمسار بدأ قبل سنوات عندما أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر إخضاع سرايا السلام لأوامر القائد العام للقوات المسلحة وتسليم المقرات والأسلحة الثقيلة والمتوسطة للدولة.
البيان الصادر عن حركة عصائب أهل الحق أكد الانسجام مع دعوة المرجعية الدينية والموقف الوطني الذي عبّر عنه الإطار التنسيقي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، معلناً تشكيل لجنة مركزية تتولى جرد الأفراد والأسلحة والمعدات واستكمال جميع الإجراءات الإدارية واللوجستية اللازمة لتنفيذ القرار بالتنسيق مع القائد العام للقوات المسلحة.
أما كتائب الإمام علي فقد ذهبت أبعد من ذلك في خطابها السياسي، مؤكدة أن المرحلة الراهنة تتطلب بناء دولة قوية مقتدرة ذات سيادة كاملة على أراضيها، ومعلنة تشكيل لجان مختصة للجرد والتسليم والنقل، وأخرى لرعاية عوائل الشهداء والجرحى، فضلاً عن لجنة لمتابعة شؤون المنتسبين وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة.
خطوة الصدر.. البداية المبكرة
ورغم أهمية البيانين الأخيرين، إلا أن مراقبين يرون أن النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة بدأ عملياً عندما اتخذ السيد مقتدى الصدر سلسلة إجراءات هدفت إلى إخضاع سرايا السلام بشكل مباشر لسلطة الدولة العراقية.
ففي أكثر من مناسبة، أكد الصدر أن سرايا السلام تعمل تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، كما وجّه بإخلاء عدد من المقار وتسليمها إلى الأجهزة الأمنية، فضلاً عن تقليص المظاهر المسلحة وإبعاد التشكيلات التابعة له عن التجاذبات السياسية.
وقد اعتُبرت تلك الخطوات آنذاك محاولة لتقديم نموذج مختلف في العلاقة بين الفصائل المسلحة والدولة، يقوم على مبدأ أن السلاح ينبغي أن يكون جزءاً من المنظومة الرسمية لا بديلاً عنها أو منافساً لها.
ويرى متابعون أن ما تشهده الساحة اليوم من إعلانات متتالية لفصائل بارزة بشأن فك الارتباط بالحشد الشعبي يمثل انتقالاً من المبادرات الفردية إلى مسار سياسي أوسع تتبناه قوى مؤثرة داخل البيت الشيعي.
أبعاد أمنية
على المستوى الأمني، تمثل هذه التطورات فرصة مهمة لإعادة تنظيم الملف المسلح في العراق بعد سنوات من التداخل بين الأدوار العسكرية والأمنية والسياسية.
فوجود تشكيلات مسلحة متعددة المرجعيات كان يشكل تحدياً أمام بناء عقيدة أمنية موحدة، كما كان يثير تساؤلات مستمرة بشأن آليات القيادة والسيطرة وتوزيع المسؤوليات.
ومن شأن دمج المقاتلين وإعادة تنظيم الموارد العسكرية ضمن الأطر الرسمية أن يعزز من قدرة الدولة على إدارة الملف الأمني بشكل أكثر مركزية، فضلاً عن تقليل احتمالات الاحتكاك أو تضارب الصلاحيات بين الجهات المسلحة المختلفة.
لكن نجاح هذه العملية سيظل مرهوناً بقدرة المؤسسات الحكومية على استيعاب الأعداد الكبيرة من المنتسبين، وتأمين حقوقهم الوظيفية والاجتماعية، ومنع أي فراغ قد ينشأ نتيجة التحولات التنظيمية الجارية.
أبعاد سياسية
سياسياً، تحمل هذه الخطوات رسائل داخلية وخارجية في آن واحد.
فعلى الصعيد الداخلي، تعكس وجود توافق متنامٍ بين القوى السياسية الشيعية حول ضرورة تعزيز سلطة الدولة وإعادة تعريف العلاقة بين العمل السياسي والعمل المسلح.
أما خارجياً، فإنها تقدم مؤشراً على سعي العراق لترسيخ صورة الدولة القادرة على احتكار أدوات القوة الشرعية وفق المعايير المتعارف عليها دولياً، وهو أمر قد ينعكس إيجاباً على علاقات بغداد الإقليمية والدولية.
كما أن هذه الإجراءات تأتي في وقت تتزايد فيه الدعوات الشعبية لبناء مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات بعيداً عن تأثيرات الانقسامات المسلحة التي رافقت مراحل سابقة من تاريخ البلاد.
البعد الاجتماعي
اجتماعياً، يثير هذا التحول تساؤلات بشأن مستقبل عشرات الآلاف من المقاتلين الذين انخرطوا في تشكيلات الحشد خلال سنوات الحرب ضد تنظيم داعش.
فالكثير من هؤلاء المقاتلين أصبحوا جزءاً من نسيج اجتماعي واقتصادي يعتمد على الرواتب والامتيازات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، ما يجعل أي عملية إعادة هيكلة بحاجة إلى معالجات دقيقة تضمن الاستقرار الاجتماعي وتحافظ على حقوق المنتسبين وعوائل الشهداء والجرحى.
ومن هنا جاءت أهمية ما أعلنته كتائب الإمام علي من تشكيل لجان خاصة لمتابعة شؤون هذه الفئات، باعتبار أن نجاح التحول المؤسسي لا يقاس فقط بملف السلاح، بل أيضاً بمدى قدرة الدولة على احتواء آثاره الاجتماعية والاقتصادية.
ترحيب بالخطوة
وفي السياق ذاته، رحب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالإجراءات التي سبق أن اتخذها السيد مقتدى الصدر بشأن إخضاع سرايا السلام للقائد العام للقوات المسلحة، معتبراً أنها شكلت خطوة متقدمة باتجاه تكريس مفهوم الدولة وتعزيز احتكارها للسلاح.
ويرى الزيدي أن انتقال فصائل أخرى إلى تبني المسار ذاته يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية بناء مؤسسات أمنية موحدة، مشيراً إلى أن استقرار العراق على المدى الطويل يتطلب أن تكون جميع أدوات القوة خاضعة لسلطة الدولة حصراً.
ومع توالي البيانات والإجراءات العملية، يبدو العراق أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم العلاقة بين الفصائل المسلحة والدولة، وهي مرحلة يصفها مراقبون بأنها اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي على تحويل شعارات حصر السلاح بيد الدولة إلى واقع مؤسسي دائم، يرسخ الاستقرار ويعزز سيادة القانون بعد أكثر من عقدين من التحولات الأمنية والسياسية المعقدة.






