علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي
هل يمكن لشرارة واحدة أن تحرق توازن الردع القائم منذ عقود. تفرض التطورات الميدانية المتسارعة هذا السؤال بإلحاح متزايد. فما يجري لم يعد مجرد فصل جديد في الصراع الإيراني الإسرائيلي. بل يبدو أقرب إلى اختبار حقيقي لقواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة خلال سنوات طويلة. الحدث الأبرز لا يكمن فقط في تفاصيل الضربات والصواريخ. بل في ظهور مؤشرات على تحول تدريجي في طبيعة السلوك الإيراني. فبعد عقود اعتمدت خلالها طهران بدرجة كبيرة على شبكة حلفائها الإقليميين لإدارة المواجهة غير المباشرة. باتت أكثر استعداداً لإظهار دورها المباشر في بعض ساحات الصراع. وهو تطور يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود التصعيد الممكنة. كما أن دخول اليمن على خط المواجهة وإغلاق البحر الأحمر أمام بعض خطوط الملاحة أضاف بعداً جديداً للأزمة. ليصبح السؤال المطروح اليوم ليس كيف بدأ التصعيد. بل كيف يمكن أن ينتهي. وهل ما تزال القوى الكبرى قادرة على احتواءه قبل خروجه عن السيطرة.
لفهم هذه اللحظة بصورة أكثر توازناً. لا بد من تفكيك السلوك الإيراني الجديد ضمن سياقه الاستراتيجي الأوسع. فطهران تنظر إلى الضغوط المتزايدة على حلفائها في لبنان باعتبارها تهديداً مباشراً لنفوذها الإقليمي. ومن هذا المنطلق يمكن فهم التحركات العسكرية الأخيرة بوصفها محاولة لردع خصومها ومنع تغيير موازين القوى على الجبهة اللبنانية. في المقابل ترى إسرائيل أن استمرار تنامي قدرات خصومها على حدودها الشمالية يمثل تهديداً أمنياً لا يمكن تجاهله. وأن أي تأخير في التعامل معه قد يجعل كلفته أكبر مستقبلاً. وبين هاتين الرؤيتين تتشكل دائرة خطرة من التصعيد المتبادل. حيث يسعى كل طرف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض تحت عنوان الردع والدفاع عن المصالح الحيوية.
قد يصف بعض المراقبين هذا السلوك بأنه نموذج للتصعيد من أجل خفض التصعيد. أي رفع مستوى الضغط العسكري بهدف الوصول إلى تسوية سياسية أكثر ملاءمة. غير أن هذا المسار يبقى محفوفاً بالمخاطر. لأن الحسابات الخاطئة أو سوء تقدير ردود الأفعال قد يحول التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها. وربما تراهن طهران على أن زيادة مستوى التوتر ستدفع واشنطن وحلفاءها إلى البحث عن تسوية أشمل تراعي مصالح جميع الأطراف. بينما تراهن إسرائيل على أن استمرار الضغط العسكري سيؤدي إلى إضعاف خصومها وفرض معادلة أمنية جديدة.
بالتوازي مع هذه التطورات. تتشكل جبهة أخرى في البحر الأحمر. حيث تحول اليمن من طرف داعم إلى لاعب مؤثر في معادلة الصراع الإقليمي. ولم يعد تأثير هذه الجبهة محصوراً بالأبعاد العسكرية فقط. بل امتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية. وهو ما منح الأزمة بعداً يتجاوز حدود المنطقة. فتعطيل طرق التجارة البحرية لا يضغط على إسرائيل وحدها. بل يثير قلقاً متزايداً لدى القوى الغربية والاقتصادات الكبرى التي تعتمد على استقرار حركة الملاحة الدولية. وهنا تبرز أهمية العامل اليمني باعتباره ورقة ضغط إضافية تزيد من تعقيد المشهد وتوسع دائرة الأطراف المتأثرة به.
وفي قلب هذه التطورات يقف الموقف الأمريكي أمام اختبار دقيق. فمن جهة تبدو واشنطن حريصة على منع اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تستنزف مواردها وتشتت أولوياتها الاستراتيجية في مناطق أخرى من العالم. ومن جهة أخرى تواصل التزامها التاريخي بأمن إسرائيل ودعمها العسكري والسياسي. هذا التوازن الصعب أفرز في بعض الأحيان تباينات واضحة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية حول كيفية إدارة الأزمة. إلا أن الحديث عن انهيار الشراكة بين الطرفين يبقى سابقاً لأوانه. فالمصالح الاستراتيجية المشتركة ما تزال عميقة ومتجذرة. وإن كانت الخلافات حول الوسائل والأولويات قد أصبحت أكثر وضوحاً من السابق.
ولا يمكن إغفال دور القوى الدولية والإقليمية الأخرى في هذه المعادلة. فالصين تراقب التطورات من زاوية تأثيرها على التجارة والطاقة العالمية. وروسيا تنظر إلى الأزمة باعتبارها فرصة إضافية لإعادة تشكيل التوازنات الدولية. بينما تتابع دول الخليج المشهد بحذر شديد نظراً لانعكاساته المباشرة على أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي. كما أن أوروبا تجد نفسها معنية بالأزمة بسبب تداعياتها المحتملة على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية. وهو ما يجعل أي تصعيد واسع النطاق قضية عالمية وليست إقليمية فحسب.
أما السيناريوهات المطروحة. فتتراوح بين ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتمثل في استمرار التصعيد المتبادل دون أفق سياسي واضح. وهو السيناريو الأكثر خطورة لأنه يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة يصعب التحكم بمسارها ونتائجها. والثاني يتمثل في العودة إلى طاولة المفاوضات عبر تفاهمات جديدة تراعي التحولات التي فرضتها التطورات الميدانية الأخيرة. أما السيناريو الثالث فيقوم على تثبيت حالة الردع المتبادل الحالية لفترة طويلة. بحيث تستمر التوترات عند مستويات مرتفعة دون الوصول إلى حرب شاملة أو تسوية نهائية. وهو خيار قد يبدو أقل كلفة على المدى القصير. لكنه يبقي المنطقة رهينة أزمات متكررة وقابلة للانفجار في أي لحظة.
في الختام. يمكن القول إن ما تشهده المنطقة اليوم يتجاوز كونه جولة جديدة من جولات الصراع التقليدي. فهو اختبار حقيقي لقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التوازنات الدقيقة ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. كما أن دخول اليمن على خط المواجهة وتزايد الحضور المباشر لإيران وتعقد الحسابات الأمريكية والإسرائيلية كلها عوامل ترسم ملامح مرحلة جديدة لم تتضح نهاياتها بعد. ويبقى الأمل معقوداً على قدرة الدبلوماسية على فتح مسارات للحوار تخفف من حدة التوتر وتمنع تحوله إلى صراع شامل. لأن البديل عن السياسة في مثل هذه اللحظات لا يكون سوى مزيد من عدم الاستقرار. وربما مزيد من الأسئلة التي لا تجد إجابة.

