د. احمد علي الكناني – سفير عراقي
منذ عام 2003 لم تتوقف الحكومات العراقية عن إطلاق المشاريع والبرامج التي تحمل عناوين “الإصلاح” حتى تحولت الكلمة نفسها إلى مصطلح مستهلك في الوعي الشعبي يرتبط غالباً بالوعود أكثر من ارتباطه بالتغيير الحقيقي. واليوم تعود “ورقة الإصلاح” التي طرحها رئيس الوزراء علي الزيدي أمام القوى السياسية لتفتح السؤال القديم المتجدد: هل نحن أمام مشروع إصلاح فعلي أم أمام محاولة جديدة لإعادة إنتاج الخطاب السياسي ذاته بصياغة مختلفة؟
الورقة وفق ما تم تداوله تتحدث عن ملفات شديدة الحساسية تبدأ من الإصلاح المالي والإداري ولا تنتهي عند مكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد وحصر السلاح بيد الدولة وتحسين الخدمات وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وهي عناوين لا يمكن التقليل من أهميتها لأنها تمثل فعلاً جوهر الأزمة العراقية المتراكمة منذ سنوات طويلة.
الإيجابية الأولى في هذه الورقة أنها تعترف ولو ضمنياً بأن الأزمة في العراق لم تعد أزمة خدمات فقط بل أزمة بنية دولة. فالعراق لا يعاني من نقص الثروات أو الإمكانات بل من اختلال عميق في الإدارة وازدواجية القرار وتضخم شبكات المصالح السياسية والاقتصادية. وهذا التشخيص بحد ذاته يمثل خطوة مهمة إذا ما قورن بخطابات سابقة كانت تحاول اختزال الأزمة في الكهرباء أو الرواتب أو بعض الملفات الجزئية.
كما أن التركيز على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط يمثل نقطة قوة واضحة لأن الاقتصاد الريعي جعل الدولة العراقية رهينة لتقلبات أسعار النفط وأفقدها القدرة على بناء قطاع إنتاجي حقيقي. ولذلك فإن أي حديث عن دعم القطاع الخاص والاستثمار وتحفيز التنمية المحلية يعد اتجاهاً صحيحاً من الناحية النظرية.
كذلك، فإن طرح ملف الفساد بوصفه تهديداً لبقاء الدولة وليس مجرد خلل إداري يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الأزمة. فالعراق لم يعد يخسر الأموال فقط بسبب الفساد بل يخسر الثقة بالمؤسسات ويخسر هيبة القانون ويخسر قدرة الدولة على إدارة نفسها بصورة طبيعية.
لكن ورغم كل هذه العناوين الإيجابية تبقى المشكلة الأساسية في مكان آخر في قدرة النظام السياسي نفسه على تنفيذ ما يطرحه من إصلاحات. فالتجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أثبتت أن أغلب مشاريع الإصلاح كانت تصطدم بجدار المصالح الحزبية والسياسية لأن أي إصلاح حقيقي سيعني بالضرورة تقليص نفوذ جهات مستفيدة من بقاء الوضع الحالي.
وهنا تظهر المعضلة الكبرى: هل يمكن للقوى التي ساهمت في إنتاج الأزمة أن تتحول فجأة إلى أدوات لمعالجتها؟
فالورقة الإصلاحية تبدو حتى الآن أقرب إلى إطار سياسي عام منها إلى خطة تنفيذية واضحة. لا توجد تفاصيل دقيقة بشأن آليات التطبيق ولا جداول زمنية ملزمة ولا أدوات رقابية حقيقية لقياس النجاح أو الفشل. وهذا ما يجعل المخاوف مشروعة من أن تتحول الورقة إلى وثيقة سياسية جديدة تضاف إلى أرشيف الوعود الحكومية في العراق.
الأكثر تعقيداً أن بعض الملفات المطروحة مثل حصر السلاح بيد الدولة لا ترتبط بالإرادة الحكومية وحدها بل بتوازنات سياسية داخلية وحسابات إقليمية معقدة. لذلك فإن نجاح الحكومة في هذا الملف سيكون اختباراً حقيقياً لقدرتها على الانتقال من مرحلة “إدارة التوازنات” إلى مرحلة “فرض الدولة”.
كما أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون قرارات مؤلمة مثل إعادة هيكلة الإنفاق وضبط المنافذ ومراجعة ملف التوظيف السياسي وتقليل الهدر المالي. وهذه ملفات غالباً ما تتراجع عنها الحكومات عند أول ضغط سياسي أو شعبي.
إن المشكلة في العراق لم تعد نقصاً في الأفكار أو الرؤى بل أصبحت أزمة إرادة سياسية. فجميع الحكومات تقريباً تحدثت عن مكافحة الفساد وبناء الدولة والإصلاح الاقتصادي لكن النتيجة النهائية كانت توسع الدولة الريعية وتضخم البيروقراطية وتزايد النفوذ السياسي على حساب المؤسسات.
لهذا فإن الحكم على ورقة الإصلاح لا ينبغي أن يكون من خلال الشعارات التي تحملها بل من خلال قدرتها على الاصطدام الحقيقي بمراكز القوة والمصالح. لأن الإصلاح في العراق لا يبدأ من كتابة الوثائق بل من القدرة على كسر منظومة المحاصصة والامتيازات التي تشكلت طوال السنوات الماضية.
وفي النهاية قد تكون هذه الورقة فرصة حقيقية إذا امتلكت الحكومة الجرأة السياسية لتحويلها إلى مشروع دولة لكنها قد تتحول أيضاً إلى مجرد محاولة جديدة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها. فالعراق لا يحتاج اليوم إلى المزيد من النصوص السياسية بل إلى قرار تاريخي يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والدولة وبين السياسة والمصلحة العامة.
وأي ورقة إصلاح لا تبدأ بإصلاح بنية الحكم نفسها ستبقى مجرد خطاب مؤقت في بلد أنهكته وعود المؤجلة.

