ثلاث ركائز تعيد رسم الشراكة العراقية – التركية

د.نبيل رحيم العبادي – خبير مالي ومصرفي

قراءتي للبيان الختامي بمناسبة انتهاء زيارة رئيس مجلس الوزراء لا تتوقف عند لغة البروتوكول الدبلوماسي، بل تتجاوزها إلى استخلاص جوهر التحول في بنية العلاقة بين بغداد وأنقرة، والذي يمكن تلخيصه في ثلاث ركائز استراتيجية ذات مردود اقتصادي مباشر.

الركيزة الأولى، والأكثر أهمية، هي إعادة تشغيل محرك التكامل الإقليمي عبر مشروع طريق التنمية. فالبيان لم يكتفِ بالتأكيد على أهمية هذا الممر، بل حدّد التزاماً زمنياً بتنفيذه، وهو ما يعني عملياً تحويل العراق من دولة عبور إلى محور لوجستي يربط بين آسيا وأوروبا، بما يسهم في خفض تكاليف النقل، وخلق فرص استثمارية في المناطق الحدودية، وتحريك عجلة الصناعات المرتبطة بالتخزين والتوزيع والخدمات اللوجستية.

أما الركيزة الثانية، فتتمثل في تفكيك عقدة الطاقة والمياه بوصفهما أداتي ضغط، وتحويلهما إلى إطار للتعاون الاستراتيجي. فقد تضمّن البيان الاتفاق على إبرام اتفاقية شاملة للطاقة تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة في البلدين، إلى جانب مقاربة ملف المياه من منظور التعاون بدلاً من الصراع. وهذا من شأنه أن يسهم في استقرار التكاليف التشغيلية للمصانع العراقية، وتأمين إمدادات الكهرباء، بما ينعكس إيجاباً على جاذبية البيئة الاستثمارية.

الركيزة الثالثة، وهي الأكثر ذكاءً من الناحية الاقتصادية، تتمثل في جعل الاستقرار الأمني قاعدةً للتبادل التجاري. فالتنسيق الأمني المشترك لمكافحة التهديدات العابرة للحدود لا يُعد مجرد بند سياسي، بل يمثل ضمانة لحماية الاستثمارات التركية القائمة في العراق، وتأمين سلاسل الإمداد من مخاطر التعطيل، بما يتيح توسيع حجم التبادل التجاري وإبرام عقود طويلة الأجل بثقة أكبر.

وما يضيف قيمة نوعية لهذا البيان هو ترسيخ الإطار المؤسسي للعلاقة عبر عقد الاجتماع الخامس لمجلس التعاون الاستراتيجي في بغداد، واستكمال إجراءات التصديق على الاتفاقيات المعلّقة، الأمر الذي يعزز الاستمرارية، ويحدّ من تأثير التقلبات السياسية على المشاريع الاقتصادية، ويجعل العلاقة قائمة على مؤسسات وآليات عمل واضحة، لا على حسن النوايا وحده.

وبالنظر إلى التطورات الإقليمية، فإن التنسيق بشأن سوريا وفلسطين، وإن بدا ذا طابع سياسي، يحمل في جوهره أبعاداً اقتصادية مهمة، إذ يسهم في توفير قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي، بما يعزز انسيابية حركة السلع والطاقة، ويدعم في نهاية المطاف معدلات النمو في البلدين.

إن هذا البيان لم يعد مجرد تعبير عن نوايا مشتركة، بل أصبح خارطة طريق لربط المصالح الاستراتيجية، تضع الطاقة واللوجستيات والأمن في منظومة واحدة، وتمنح العراق ورقة اقتصادية مهمة تؤهله ليكون شريكاً متوازناً، لا مجرد سوق استهلاكية. ويبقى الاختبار الحقيقي مرهوناً بسرعة تنفيذ هذه الالتزامات على أرض الواقع، لا بزخم الكلمات التي تضمنها البيان.