السيليكا.. ثروة العراق الصامتة!.. والزيدي يدعوا من باريس لاستثمارها

شبكة إنماز نيوز | محرر الشؤون الاقتصادية

لم يعد الحديث عن ثروات العراق محصوراً بالنفط والغاز، فبينما ظل الاقتصاد العراقي لعقود يعتمد بصورة أساسية على عوائد تصدير النفط، بدأت تظهر في السنوات الأخيرة محاولات لإعادة اكتشاف موارد طبيعية يمكن أن تشكل قاعدة لصناعات جديدة، من بينها رمال السيليكا التي قد تتحول من مادة خام مهملة إلى مدخل لصناعات زجاجية وتقنية وطاقة ذات قيمة مضافة مرتفعة.

وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء علي الزيدي خلال زيارته إلى فرنسا: “العراق يمتلك بحرًا من السيليكا… وندعو للاستثمار في الطاقة النظيفة”، في إشارة إلى الإمكانات التي يمكن أن يوفرها هذا المورد الطبيعي في دعم توجه العراق نحو تنويع اقتصاده والانتقال تدريجياً إلى مشاريع ترتبط بالطاقة النظيفة والصناعات الحديثة.

لكن خلف عبارة “بحر من السيليكا” توجد قصة اقتصادية أكثر تعقيداً؛ فامتلاك رمال السيليكا بكميات كبيرة لا يعني تلقائياً امتلاك صناعة متكاملة للخلايا الشمسية أو أشباه الموصلات، وإنما يمثل الحلقة الأولى في سلسلة صناعية طويلة تبدأ من الاستخراج والتنقية، وقد تنتهي بصناعات عالية التقنية.

ثروة مثبتة بالأرقام

تؤكد بيانات رسمية لهيأة المسح الجيولوجي العراقية التابعة لوزارة الصناعة والمعادن أن العراق يمتلك ترسبات كبيرة من رمال السيليكا، وبمواصفات تجعلها صالحة لعدد من الاستخدامات الصناعية.

وفي محافظة النجف، تشير بيانات الهيأة إلى وجود 220 مليون متر مكعب من الرمال الصالحة لصناعة الزجاج، إضافة إلى 385 مليون متر مكعب صالحة لصناعة الزجاج الملون، في موقع يقع على بعد نحو 45 كيلومتراً شمال غرب مدينة النجف الأشرف. (جيولوجيا العراق)

وهذه الأرقام وحدها تكشف أن الحديث عن السيليكا في العراق لا يتعلق بوجود كميات محدودة أو جيوب متناثرة من الرمال، وإنما بموارد يمكن أن تشكل أساساً لصناعة تحويلية متكاملة إذا ما توفرت الاستثمارات والتكنولوجيا والبنية التحتية اللازمة.

أما في محافظة الأنبار، فتتركز ترسبات السيليكا في مناطق الگعرة، ووادي العامج، وأرضمة غرب مدينة الرطبة، وتشير البيانات الجيولوجية إلى احتياطيات كبيرة في هذه المناطق، تتجاوز 330 مليون متر مكعب.

ولا تقف الصورة عند هذه الأرقام، إذ تشير بيانات ودراسات جيولوجية رسمية إلى وجود احتياطي إضافي يقدّر بنحو مليار طن من رمال الزجاج عالية النقاوة، تصل نسبة النقاوة فيها إلى نحو 99%، الأمر الذي يفتح الباب أمام استخدام هذه الرمال في صناعات دقيقة ومتقدمة ذات قيمة مضافة عالية.

وهنا تحديداً تتحول السيليكا من مجرد مادة طبيعية إلى فرصة اقتصادية؛ فكلما ارتفعت درجة النقاوة وانخفضت نسبة الشوائب، اتسعت مجالات الاستخدام الصناعي وارتفعت القيمة المحتملة للمنتج.

وتقدم دراسات وزارة الصناعة والمعادن مؤشراً مهماً على جودة بعض الرمال العراقية. فقد أظهرت بحوث هيئة البحث والتطوير الصناعي أن رمال هضبة النجف، بعد إخضاعها لمراحل من المعالجة الفيزيائية والكيميائية، ارتفعت نسبة السيليكا فيها من 87.98% إلى 98.94%، مع انخفاض نسبة الحديد إلى أقل من 0.015%، ما جعل المنتج النهائي قابلاً للاستخدام في أنواع مختلفة من الزجاج. (وزارة الصناعة)

وفي دراسة أخرى رسمية، وصلت نسبة السيليكا في رمال منطقة كربلاء–النجف بعد المعالجة إلى نحو 99.5%، مع انخفاض نسبة أوكسيد الحديد إلى 0.08%، وهو ما يؤكد قدرة عمليات التنقية على تحويل الخام العراقي إلى مادة أكثر ملاءمة للصناعات الزجاجية. (وزارة الصناعة)

كما أظهرت دراسة لوزارة الصناعة والمعادن حول رمال هضبة النجف والكفل إمكانية إنتاج رمال صالحة لصناعة الزجاج الملون، مع تسجيل نسب سيليكا بلغت 97.02% و98.23% بحسب موقع الخام وطريقة المعالجة. (وزارة الصناعة)

هذه النتائج تمنح تصريح الزيدي أساساً اقتصادياً واضحاً: العراق لا يتحدث عن مورد افتراضي، بل عن خامات درستها مؤسسات الدولة جيولوجياً ومختبرياً، وأثبتت قابليتها للمعالجة والدخول في صناعات قائمة بالفعل.

من الرمل إلى الطاقة

المفارقة أن السيليكا بحد ذاتها ليست ألواحاً شمسية، ولا تتحول مباشرة إلى خلايا كهروضوئية بمجرد استخراجها من الصحراء.

فالسيليكا هي ثاني أوكسيد السيليكون، بينما تحتاج الصناعات الإلكترونية والطاقة الشمسية إلى مراحل إضافية من المعالجة والتنقية والتحويل للوصول إلى السيليكون بدرجات نقاوة عالية جداً، ثم إنتاج مواد تدخل في صناعة الخلايا والرقائق.

وهنا تحديداً تكمن الفرصة الاقتصادية الحقيقية للعراق.

فبدلاً من تصدير الرمل بوصفه مادة خام منخفضة القيمة، يمكن أن تبدأ الصناعة بإنتاج رمال السيليكا المعالجة، ثم الزجاج المتخصص، ثم الانتقال إلى صناعات أكثر تقدماً بحسب الجدوى الاقتصادية والتكنولوجيا المتاحة، وصولاً إلى مراحل مرتبطة بالسيليكون والمنتجات الإلكترونية والطاقة الشمسية.

وتكمن أهمية هذه الفكرة في أن القيمة الاقتصادية للمادة الخام ترتفع كلما تقدمت داخل سلسلة الإنتاج. فبيع الرمال الخام يحقق عائداً محدوداً مقارنة بإنتاج مادة معالجة، بينما يمكن أن تتضاعف القيمة عند تحويلها إلى زجاج متخصص أو مواد تدخل في صناعات الطاقة والتقنيات المتقدمة.

ولهذا فإن تصنيع السيليكا داخل العراق بدلاً من تصديرها كمادة خام يمكن أن يخلق قيمة اقتصادية مضافة، ويولد إيرادات أكبر، ويدعم الصناعات التقنية، خصوصاً في ظل النمو العالمي المتسارع في استخدامات السيليكون والمواد المرتبطة بالطاقة الشمسية والإلكترونيات.

وهذا التوجه ليس مجرد تصور نظري. فالهيئة الوطنية للاستثمار أعلنت أن مشروع رمال السيليكا يمثل فرصة استراتيجية ذات قيمة مضافة عالية، ويمكن أن يوفر قاعدة لصناعات تشمل الزجاج الصناعي والتقنيات الإلكترونية وأشباه الموصلات للأغراض المدنية.

كما أشارت الهيئة إلى العمل على استثمار رمال السيليكا عالية الجودة ضمن مشاريع غير نفطية، بالتعاون مع جهات دولية، في إطار توجه أوسع لتنويع الاقتصاد العراقي.

فرصة استثمارية مؤجلة

ورغم هذه الإمكانات، ظل هذا المورد لسنوات طويلة بعيداً عن صدارة النشاط الاقتصادي العراقي، بفعل الظروف السياسية والأمنية التي عطلت الكثير من المشاريع التعدينية والصناعات التحويلية المرتبطة بالموارد الطبيعية.

واليوم، ومع توجه الدولة نحو جذب الاستثمار وتنويع مصادر الدخل، يعود السؤال بقوة: لماذا لا تتحول السيليكا إلى صناعة عراقية بدلاً من بقائها مجرد مادة خام؟

المطلوب ليس مجرد استخراج الرمال، وإنما بناء سلسلة إنتاج تبدأ من المسح الجيولوجي والاستخراج، ثم التنقية والمعالجة، وصولاً إلى إنتاج الزجاج والمواد الصناعية المتخصصة، مع دراسة إمكانية الانتقال مستقبلاً إلى مراحل أكثر تعقيداً ترتبط بالسيليكون والطاقة الشمسية.

وهذه العملية تحتاج إلى دراسات جيولوجية دقيقة تحدد الاحتياطيات القابلة للاستخراج اقتصادياً، وتحاليل مستمرة لنسب الشوائب، ومصانع للغسل والفصل والتنقية، وطاقة كهربائية مستقرة، ومياه صناعية، وبنية نقل، فضلاً عن تقنيات متقدمة ورأس مال قادر على تحمل فترة التأسيس قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري.

وتشير تجارب وزارة الصناعة نفسها إلى أهمية المعالجة؛ فالرمال العراقية لا تصل بالضرورة إلى المواصفات المطلوبة لكل صناعة وهي في حالتها الخام، وإنما يمكن رفع جودتها من خلال الغربلة والغسل والحك والفصل المغناطيسي والمعالجات الكيميائية. وتثبت نتائج البحوث الرسمية أن هذه العمليات قادرة على رفع تركيز السيليكا وخفض الشوائب بصورة كبيرة. (وزارة الصناعة)

وهنا يصبح الاستثمار الأجنبي والشراكة مع شركات متخصصة عاملاً حاسماً، خصوصاً إذا كان الهدف لا يقتصر على استخراج الرمل وإنما بناء سلسلة إنتاج داخل العراق.

لماذا الطاقة النظيفة؟

ربط الزيدي بين السيليكا والطاقة النظيفة يحمل دلالة اقتصادية مهمة.

فالعالم يتجه بصورة متسارعة نحو الطاقة الشمسية، والسيليكون يمثل مادة أساسية في صناعة الخلايا الكهروضوئية، لكن الطريق من رمال السيليكا إلى الخلية الشمسية يمر بمراحل صناعية وتقنية معقدة.

ولهذا فإن العراق أمام خيارين: إما الاستمرار في تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات ذات القيمة العالية، أو محاولة بناء جزء أكبر من سلسلة القيمة داخل البلاد.

الخيار الثاني أكثر صعوبة، لكنه أيضاً أكثر فائدة للاقتصاد على المدى الطويل.

فإذا تمكن العراق من جذب شركات متخصصة لإقامة مصانع لمعالجة السيليكا وإنتاج الزجاج المتخصص، ثم تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة الشمسية، فإنه لن يكون أمام مشروع تعدين فقط، بل أمام منظومة صناعية يمكن أن توفر فرص عمل، وتزيد الطلب على الخدمات والنقل والطاقة، وتدعم الصادرات غير النفطية.

ثروة تتجاوز النفط

اقتصادياً، يمكن أن تكون السيليكا جزءاً من نموذج مختلف للاقتصاد العراقي؛ نموذج لا يعتمد على بيع المادة الخام فقط، وإنما على تحويلها إلى منتجات صناعية.

وهذا ما يجعل الربط بين تصريح الزيدي عن السيليكا ودعوته إلى الاستثمار في الطاقة النظيفة مهماً. فالعراق يمتلك مورداً يمكن أن يدخل في صناعات مرتبطة بالزجاج والطاقة الشمسية والتقنيات الحديثة، وفي الوقت نفسه يمتلك مساحات واسعة وإمكانات كبيرة للتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة.

والهيئة الوطنية للاستثمار طرحت بالفعل فرصاً لمشاريع طاقة شمسية في عدد من المحافظات، ما يعكس وجود توجه رسمي نحو توسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة.

لكن النجاح لن يتحقق بالشعارات وحدها. المطلوب هو الانتقال من مرحلة الإعلان عن الثروة إلى مرحلة إعداد الخرائط الجيولوجية الدقيقة، وإعلان الاحتياطيات القابلة للاستثمار، وإجراء دراسات الجدوى، واستقطاب الشركات المتخصصة، ثم بناء صناعة محلية قادرة على إنتاج قيمة مضافة حقيقية.

العراق أمام فرصة اقتصادية لا ترتبط فقط بما يملكه تحت الأرض، وإنما بما يستطيع أن يصنعه من تلك الموارد.

فالسيليكا التي تبدو في ظاهرها مجرد رمال متناثرة في صحراء الأنبار أو هضبة النجف يمكن، إذا دخلت في سلسلة صناعية متطورة، أن تتحول إلى زجاج، ومواد صناعية متخصصة، ومكونات مرتبطة بالطاقة النظيفة، وربما إلى صناعات إلكترونية أكثر تقدماً.

ولذلك فإن عبارة رئيس الوزراء علي الزيدي من فرنسا عن امتلاك العراق “بحراً من السيليكا” تفتح سؤالاً أكبر من حجم الاحتياطي نفسه:

هل يستطيع العراق أن يحوّل هذا البحر من الرمل إلى صناعة؟

الإجابة لن تحددها كمية السيليكا وحدها، بل قدرة الدولة والقطاع الخاص والمستثمرين على بناء سلسلة قيمة تبدأ من الصحراء، ولا تنتهي عند تصدير المادة الخام.