«عاشوراء».. رسالة بناء لا موسم حزن فقط

د. مثنى إبراهيم الطالقاني
رئيس التحرير – شبكة إنماز نيوز

في كل عام، تعود عاشوراء لتوقظ في الضمير الإنساني قصة خالدة تجاوزت حدود الزمان والمكان، قصة رجل اختار الوقوف مع الحق رغم قلة الناصر وكثرة الخصوم. لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) يبحث عن انتصار عسكري أو مكسب سياسي، بل أراد أن يرسخ مبدأً لا يسقط بالتقادم: أن كرامة الإنسان أغلى من الحياة نفسها إذا ما اقترنت بالذل والخضوع للباطل.

بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، لا تزال كربلاء حاضرة في وجدان الشعوب لأنها تمثل انتصار القيم على المصالح، والمبادئ على الحسابات الضيقة. ولذلك فإن استذكار عاشوراء لا ينبغي أن يقتصر على استعادة مشاهد الحزن، بل يجب أن يتحول إلى مراجعة صادقة لواقعنا وما نواجهه من تحديات.

العراق اليوم أحوج ما يكون إلى استلهام روح الحسين (عليه السلام)، لا في الشعارات فقط، بل في الممارسة اليومية. فالإصلاح الذي نطمح إليه يحتاج إلى شجاعة حسينية في مواجهة الفساد، وإلى إرادة صلبة في مكافحة الهدر وسوء الإدارة، وإلى وعي مجتمعي يرفض كل ما يعرقل بناء الدولة ويبدد ثروات البلاد.

إن مدرسة الحسين تعلمنا أن المسؤولية تكليف وليست تشريفاً، وأن خدمة الناس قيمة أخلاقية ووطنية قبل أن تكون واجباً وظيفياً. ومن هنا فإن الموظف الأمين، والمعلم المخلص، والطبيب المتفاني، والعامل المنتج، ورجل الأمن الذي يحمي المواطنين بإخلاص، جميعهم يجسدون جانباً من القيم التي ضحى الإمام الحسين من أجلها.

كما أن عاشوراء تدعونا إلى تعزيز الوحدة الوطنية ونبذ الانقسامات التي تستنزف طاقات البلاد. فالعراق لا يمكن أن ينهض إلا بتكاتف أبنائه وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الفئوية والشخصية. وعندما تتوحد الجهود لبناء اقتصاد قوي، وتعليم متطور، وخدمات تليق بالمواطن، فإننا نكون قد قدمنا أفضل وفاء لرسالة كربلاء.

إن أعظم ما يمكن أن نقدمه للإمام الحسين (عليه السلام) ليس كثرة الكلمات، بل صدق الأفعال. أن نحارب الفساد حيثما كان، وأن نحترم القانون، وأن نصون المال العام، وأن نؤمن بأن العراق يستحق مستقبلاً أفضل. فالحسين لم يكن رمزاً للمواجهة فقط، بل كان مشروعاً للإصلاح والنهضة والكرامة الإنسانية.

وفي ذكرى استشهاده الأليمة، نتضرع إلى الله تعالى أن يحفظ العراق وأهله، وأن يجعل من قيم عاشوراء منطلقاً لبناء دولة قوية عادلة، يسودها القانون وتزدهر فيها التنمية ويحيا فيها المواطن بكرامة وأمان.

السلام على الحسين، يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم بقيت رسالته مشعلاً للأحرار والساعين إلى الإصلاح في كل عصر.