نهج تفكيك منظومة الفساد في العراق .. القضاء على حيتان المال والثعالب!

د. عقيل المحمداوي – أكاديمي واستشاري

المشكلة الجوهرية: كل إصلاح يستهدف الأفراد دون تفكيك بنية الثالوث محكوم عليه بالفشل أو بأن يكون أداة في يد الحيتان أنفسهم (الغطاء المؤسسي والشركات الوهمية ، وحيتان المال وثعالب المال)!

إن تفكيك أنظمة الفساد عملية معقدة ومتعددة التخصصات تتطلب معالجة متزامنة لكل من القدرات المؤسسية وتنسيق الشبكات، وللقضاء على النخبة الفاسدة، وحيتان المال “أسماك القرش المالية” (المستفيدين الخفيين)، وتنظيم السوق السوداء الخفي ، يلزم اتخاذ الخطوات التالية:
1. تفكيك المنظومة “النخبة” الفاسدة. اي تفكيك النخبة الفاسدة: يتطلب القضاء على نفوذ النخب الفاسدة وكسر إفلاتها من العقاب واحتكارها. وتفكيك الهياكل الأوليغارشية للحد من نفوذها السياسي.

2. ⁠القضاء على الاحتكارات: الانتقال من الهياكل الرأسية الجامدة إلى المساءلة الأفقية، والاستقلال المؤسسي عبر إنشاء محاكم مستقلة لمكافحة الفساد وهيئات تحقيق تخضع للقانون كذلك تتوزع السلطة عن طريق صحافة حرة ومحاكم مستقلة.

3. ⁠تناوب الموظفين: التناوب المنتظم للأفراد في المناصب الحكومية الحساسة لمنع تكوين علاقات قوية وتركز النفوذ.

4. ⁠إنهاء تضارب المصالح: تنظيم صارم لظاهرة “الأبواب الدوارة” – وهي نظام ينتقل فيه المسؤولون إلى القطاع الخاص للضغط من أجل مصالح الوكالات والمؤسسات التي كانوا يرأسونها سابقاً.

5. تحييد الحيتان “أسماك القرش المالية” والقضاء على الثعالب والاقتصاد الخفي.

6- مكافحة غسل الأموال: ضبط تدابير مكافحة غسل الأموال، بما في ذلك الالتزام الصارم بقواعد “اعرف عميلك” لتحديد المستفيدين في التحويلات الخارجية.

7- ضبط الأصول واستردادها: تحديد الأصول المكتسبة بطرق غير مشروعة وتجميدها ومصادرتها. واستخدام الآليات الدولية المتقدمة لاسترداد الأموال.

8- شفافية الكشف عن الملكية (المالكين )المستفيدة: تطبيق متطلبات الإفصاح الإلزامي عن المالكين المستفيدين الحقيقيين للشركات (المالكين المستفيدين الحقيقيين) لمنع استخدام الشركات الوهمية المجهولة، واستحداث سجلات مفتوحة للمالكين المستفيدين من الشركات لمنع إخفاء رأس المال الخفي . والشفافية في صنع القرار: الإفصاح الإلزامي عن الدخل والنفقات وتضارب المصالح لجميع الموظفين العموميين وأقاربهم المقربين.

9- الحد من الحوافز الخفية: رقمنة الخدمات العامة وعمليات الشراء، بغية تنظيم السوق السوداء والقضاء على إمكانية التدخل البشري والرشاوى.
10- الإصلاح الاقتصادي الذكي : إلغاء القيود وتقليل الأعباء البيروقراطية غير الضرورية (تقليل الروتين) لتمكين الشركات المشروعة من العمل بسهولة وفعالية من حيث التكلفة مقارنةً بالشركات غير المشروعة.

11 – تحليل الشبكات: استخدام الأساليب الخوارزمية لاستهداف العقد الرئيسة والوسطاء والسماسرة في الشبكات الإجرامية لزعزعة استقرارها.

12- نظام حديث لتتبع الأموال: استخدام أدوات تحليلية متخصصة لتتبع سلاسل المعاملات وتحديد التدفقات المالية غير الشفافة والتعاون الدولي عن طريق تنسيق عمل وكالات إنفاذ القانون مع المؤسسات العالمية، مثل فرقة العمل المالي FATF المعنية بالإجراءات المالية لمكافحة غسل الأموال، لمنع نقل الأصول إلى الملاذات الضريبية الخارجية.

فيما يخص العراق ينبغي تفكيك منظومة “المال الميت” والفساد الممنهج ، يتطلب تحولاً هيكلياً يعيد هندسة الدولة من اقتصاد ريعي إلى دولة سيادية ذكية تدير مواردها رقمياً. يعتمد خنق منابع الفساد على إلغاء المعاملات الورقية والتعامل البشري المباشر، وتطبيق حوكمة إلكترونية صارمة تربط مؤسسات الدولة بشبكة موحدة.

في واقعنا العراقي هناك حاجة ضرورية لتكريس جودة ومتانة وتماسك العمل المؤسسي وتعزيز مكانة العمل المؤسسي وتشذيب مظاهر هشاشة الخدمة العامة والعمل المؤسسي وتقديم الاكفاء والمقتدرين ممن يتسمون بمعدلات ذكاء عالية وخبرة متراكمة ومؤهلات علمية متقدمة فضلاً عن المهارات يدعُون إلى اعادة تفكيك مدروسة لمنظومة الفساد ومساعدة الجهات التنفيذية والتشريعية المخلصة في تطهير مؤسساتنا من منظومة الفساد وتفكيك منظومة الاقتصاد الميت وحيتان المال الميت …

جمهورية الحيتان: ينبغي تفكيك منظومة الفساد وبناء الدولة الرقمية

المسار الأول : فهم البنية — لماذا الفساد منظومة وليس أفراداً؟

ما يجري توصيفه ليس مجرد فساداً عرضياً فحسب ، بل يعّد نظام موازٍ هندسياً يعمل بثلاث طبقات:

الطبقة الأولى — الحيتان: صانعو القرار السياسي والمالي، يمتلكون الحصانة الحزبية ومرجعية صنع او تشكيل القرار ، ولا يلمسهم قانون.

الطبقة الثانية — الثعالب: الواجهات التنفيذية، يُفعلون حين تسير العملية، ويضحَّى بهم حين يحترق الغطاء المؤسسي او القانوني وغيره .

الطبقة الثالثة — الغطاء المؤسسي: البنوك الوهمية، الشركات الوهمية، الغطاء الاستشاري لبعض الشخصيات والجهات المُعاد تدويرهم — وهم الذين يمنحون الجرعة الاصولية القانونية للسرقة.

– تحويل العملة / ينبغي التفكير جدياً بالاستعاضة عنه بنظام تحويل مركزي رقمي اكثر تماسك ومرونة وارتباط واتساع بنظام التحويلات المالي في العالم
– الشركات الوهمية / ينبغي ان يربط كل عقد حكومي بسجل ملكية حقيقي شفاف موثوق .
– الأمانات الضريبية / ينبغي ان تكون التحاسب الضريبي مباشرة بين المكلف والخزينة دون وسيط بشري
– الرواتب الوهمية / ينبغي يكون انظمة بيومترية كاملة ومتقاطعة مع السجل المدني الرقمي .
– تضخيم مبالغ وكلف المشاريع وشبهات العقود / ينبغي ان تكون هناك نماذج معيارية قياسية للكلف والجدوى الاقتصادية والفنية للمشاريع والعقود وفق نماذج قياسية مع تعزيز اجراءات الرقابة السابقة والموازية للتنفيذ .

 المسار الثاني: جعل السرقة مستحيلة تقنياً لا مجرد مجرَّمة قانونياً

القانون وحده لا يكفي لأن الحيتان يصنعون القانون. الحل هو جعل العملية نفسها مستحيلة عبر:

• خزينة موحدة رقمية: كل ريال حكومي يدخل ويخرج عبر نظام واحد مرئي للعموم
• عقود ذكية Smart Contracts للمشاريع الكبرى: المال لا يُصرف إلا عند إثبات الإنجاز الفعلي
• API مفتوح للبيانات المالية: يسمح للصحفيين والمجتمع المدني والباحثين بمراقبة التدفقات في الوقت الفعلي

 المسار الثالث: كسر الحصانة عبر المحاور الثلاثة

محور داخلي: قضاء دستوري مستقل ماليًا ومؤسسيًا عن السلطة التنفيذية — لا يعيَّن قضاته بمراسيم حكومية.

محور إقليمي: اتفاقيات ثنائية مع دول الجوار لتتبع العقارات والأصول، لأن جزءاً كبيراً من الأموال المنهوبة تحول إلى طابق في دبي أو منزل في عمّان.

محور دولي: تفعيل حقيقي لآليات FATF وFATCA والـ Egmont Group لتتبع التحويلات المالية المشبوهة، مع ربط الحسابات بمعايير IBAN الدولية لإغلاق نوافذ الغموض.

المسار الرابع: الإفصاح كسلاح

• الذمة المالية رقمية وعلنية لكل مسؤول من درجة مدير عام فما فوق
• “الثروة غير المبررة” جريمة مستقلة بقانون واضح — عبء الإثبات على المسؤول لا على المدعي العام
• جائزة الإبلاغ: نسبة مئوية من المال المسترد تذهب لمن يُبلِّغ بمعلومة موثقة — هذا النموذج نجح في كوريا الجنوبية وهونغ كونغ

ثالثاً: ثالثاً: نماذج نجحت — ما يمكن أن يتعلمه العراق

رواندا: بعد مرحلة الانهيار الكامل، أسست نظام حوكمة رقمي من الصفر، ووصلت إلى مستوى فساد منخفض جداً خلال عقدين بالجمع بين الإرادة السياسية والرقمنة الشاملة.

إستونيا: حكومة رقمية كاملة تجعل التلاعب في المال العام مستحيلاً تقنياً، كل معاملة موثقة ومرئية.

جورجيا (2004-2012): حاربت الفساد الجمركي والضريبي بإلغاء نقاط الاحتكاك البشري كلياً، ونجحت في رفع مستوى الشفافية بشكل لافت.

القاسم المشترك في كل نجاح: الإصلاح لم يبدأ بملاحقة الأفراد بل ببناء نظام يجعل الفساد أصعب تقنياً من النزاهة.

رابعاً: العائق الحقيقي — وهو ليس تقنياً

كل ما سبق موجود كتقنية وكنماذج قابلة للتطبيق. العائق الوحيد هو هذا: الحيتان الخمسون يجلسون في غرفة القرار ذاتها التي يُفترض أن تصدر قرار إصلاحهم.

لذلك فإن بناء الدولة الصلبة يحتاج قبل أي رقمنة إلى:
رابعاً: العائق الحقيقي — وهو ليس تقنياً

كل ما سبق موجود كتقنية وكنماذج قابلة للتطبيق. العائق الوحيد هو هذا: الحيتان الخمسون يجلسون في غرفة القرار ذاتها التي يُفترض أن تصدر قرار إصلاحهم.

لذلك فإن بناء الدولة الصلبة يحتاج قبل أي رقمنة إلى:

1. ضغط شعبي منظم يجعل تكلفة الإبقاء على الفساد أعلى من تكلفة الإصلاح
2. شراكة مجتمع مدني مستقل يمتلك بيانات ويوثق ويضغط دولياً
3. تحالف دولي يربط التمويل والاستثمار بمعايير حوكمة قابلة للقياس

المعادلة النهائية : دولة بلا ذاكرة رقمية = دولة بلا محاسبة. ودولة بلا محاسبة والمساءلة = مزرعة للحيتان والثعالب الماكرين .

الحلول الفضلى لا تكمن في انتظار حرث يتحول الى مصّلح ، بل يكمن في بناء نظام محوكم متماسك لا يحتاج الى نوايا حسنة فحسب، لانه يجعل النية السيئة عديمة الجدوى.