وائل رياض – أكاديمي عراقي
أثار الأداء الهزيل للمنتخب العراقي لكرة القدم في منافسات كأس العالم، انتقادات واسعة بين الأوساط الرياضية والشعبية. هذا الإخفاق يعيد سؤالا مهما للواجهة، كيف يتم اختيار التشكيلة و ماهي معايير الكفاءة داخل المنتخب؛ بل داخل المؤسسات العراقية كافة.
إذ يرى المراقبون أن هنالك عدة أسماء تشكل علامات استفهام داخل المنتخب، خصوصا ونحن نمتلك الأسماء البديلة المناسبة
فرصة الدور الثالث: حين يتم تحويل نجاحات بسيطة لمنجزات عملاقة؟
قبل أن نعرج على مشكلة المنتخب الوطني، نتذكر سوية أن تأهله لهده المناسبات كان أشبه بنجاح الدور الثالث للطلاب الكسالى، وليس طبعا نتاج استراتيجية كروية رصينة بقدر ما كان هبة صنعها الحظ عبر توسعة نظام البطولة وزيادة عدد المشاركين. ورغم الاحتفاء الرسمي والمبالغات التي صدرت عن اتحاد اللعبة، فإن المواجهة الحتمية مع منتخبات منظمة ومثابرة كشفت الهشاشة البنيوية للفريق. وربما وقع المنتخب وحاضنته الشعبية تحت تأثير دانينغ-كروجر، حيث يميل الفاشلون وغير المؤهلون إلى امتلاك ثقة مفرطة بأنفسهم، مما دفع المنظومة بأكملها إلى الاحتفال بهذا المنجز رغم الاداء المتواضع للمنتخب.
البعث وتأسيس ثقافة الولاء قبل الكفاءة
إن هذا الخلل ليس وليد الصدفة، بل يمتلك جذوراً أعمق هندسها وقعّد نظام حزب البعث محولًا إياها ثقافة مؤسسات مقدما الولاء والطاعة على الكفاءة والاستحقاق المهني أو العلمي، مما خلق بيئة خصبة لصعود غير المؤهلين لمجرد امتلاكهم صكوك الولاء.
و ما حدث بعد عام 2003 لم يكن إلغاءً لهذه البنية المريضة، بل “وراثة لآلياتها” مع تغيير الوجوه والأغطية الأيديولوجية؛ حيث جرى تقسيم الدولة كـغنائم تُدار بذات العقلية الإقصائية التي تبعد الموهبة وتُعلي من شأن ماسحي الأكتاف.
دولة الغنيمة، الترتيب الهرمي للفساد الإداري
تتجسد خطورة هذه التركة في تحول مفاصل الدولة إلى نموذج (دولة الغنيمة) ، حيث يُنظر إلى المنصب العام والمسؤولية كحصة ومكسب شخصي يجب استثماره بكل السبل الشرعية وغير الشرعية. هذا المبدأ المريض يتناسل بشكل هرمي وعمودي مرعب؛ فيبدأ من أعلى الهرم السياسي صعوداً من زعيم الكتلة ليمر بـالوزير الذي يرى وزارته غنيمة لحزبه، ومنه إلى المدير العام الذي يحيط نفسه بأقاربه ومتملقيه، وصولاً إلى أصغر وحدة إدارية في مؤسسات الدولة.
في هذا النظام، يصبح كل فرد في السلسلة مدفوعاً برغبة استثمار مكانه الضيق لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، وحينها يتحول مصطلح “الصالح العام” لعبارة تثير الضحك!.
النظام يأكل الجميع ثم يأكل نفسه
هذا النظام الاجتماعي القائم على إقصاء الكفاءات يتجلى بوضوح في العديد من المجالات، فداخل أروقة الجامعات لك أن ترى بوضوح أن الأستاذ صاحب النفوذ الاجتماعي والحزبي يتصدر المشهد على حساب من يملك المعرفة، هذا الترتيب المشوه يؤثر على المشهد الجامعي برمته حتى أصبح تسول الأوراق العلمية وسرقة البحوث واستعمال أساليب ملتوية من قبل الطلبة أمرا شائعا.
ولا يبدو أن المشاهد في باقي المجالات الثقافية و التربوية والأمنية وغيرها بمنأى عن هذه المنظومة المريضة؛ إذ باتت الحظوة والشهرة في الأوساط الأدبية تُمنح أحياناً عبر العلاقات والولاءات في وقت يُهمل فيه أصحاب المواهب الأصيلة. ويمتد هذا النهج إلى المؤسسات التربوية والأمنية، بل وتغلغل داخل الأحزاب الحاكمة نفسها؛ فبالرغم من اعتمادها مبدأ (الغنيمة) لتثبيت نفوذها، إلا أن هذا النظام المريض بات ينقلب عليها وينخر جسدها الداخلي عبر تفتيت الحزب نفسه إلى شلل متصارعة، تَقمع الكفاءات الحقيقية وأصحاب الولاء الحقيقي للحزب وتقدم من يجيد التملق إلى مراكز القيادة.
حتمية المواجهة وعقم التبرير
في ظل هذه السيطرة لعديمي الكفاءة كما في حالة الكثير من لاعبي المنتخب العراقي، والأساتذة أصحاب البحوث المسروقة والشهادات المزورة، والقيادات الحزبية التي لا تملك المعرفة سيكون الفشل هو نهاية هذا المسار، لذا يعمد أمثال هؤلاء إلى صناعة انجارات وهمية أو تهويل منحزات صغيرا أملا في مداراة الخيبة، وفي النهاية إن لم يتخذ الشعب العراقي قرارا صادقا صعبا بترك هذا النظام الذي يسيطر على كل تحركاته سنبقى في قعر الأمم على كافة الصعد والمجالات.

