حضر الجميع… وغاب الإصلاحيون عن المشهد!

علي قاسم – كاتب عراقي

لا تُقاس أهمية المراسم الجنائزية لقادة الدول بحجم الحشود وحده. بل بما تكشفه من طبيعة النظام السياسي في لحظة انتقال السلطة. وبالرسائل التي تبعثها إلى الداخل والخارج في آن واحد. وفي الأنظمة ذات البنية الأيديولوجية والمؤسساتية المركبة. تتحول الجنازات الرسمية إلى اختبار لثلاثة عناصر أساسية. تماسك النخب. واستمرارية الشرعية. وقدرة الدولة على إعادة إنتاج السلطة.

من هذا المنظور. لم تكن مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الإيرانية اية الله العظمى السيد علي الخامنئي (رضّ) مجرد حدث بروتوكولي أو شعبي. بقدر ما مثلت واحدة من أكثر اللحظات السياسية كثافة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد شهدت طهران حضورًا جماهيريًا مليونياً واسعًا. إلى جانب مشاركة رؤساء دول وملوك وأمراء ووفود رسمية من مختلف القارات. رغم مناخ دولي اتسم بتوترات سياسية وضغوط على بعض الحكومات بشأن مستوى تمثيلها.

غير أن الصورة التي بدت متماسكة على المستوى الخارجي. حملت في داخلها تفصيلًا يستحق التوقف عنده. إذ غابت شخصيات بارزة ارتبطت لعقود بالتيار الإصلاحي. وفي مقدمتها الرئيس الأسبق حسن روحاني. ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف. إضافة إلى شخصيات أخرى كانت جزءًا من النخبة السياسية التي أدارت الدولة في مراحل مختلفة.

قد يبدو هذا الغياب. للوهلة الأولى. مجرد تفصيل بروتوكولي. لكن في علم السياسة. لا تُقرأ الرموز بوصفها تفاصيل. بل بوصفها مؤشرات. فالمناسبات السيادية الكبرى تمثل. وفق أدبيات (تماسك النخب). لحظات تُختبر فيها قدرة النظام على إظهار وحدة مراكزه السياسية. حتى عندما تكون الخلافات قائمة خلف الأبواب المغلقة.

وقد بينت دراسات علماء السياسة مثل صامويل هنتنغتون. وغاييرمو أودونيل. وغيرهما ممن تناولوا استقرار الأنظمة. أن استمرارية الدول لا تعتمد فقط على قوة المؤسسات. بل على قدرة النخب الحاكمة على إدارة خلافاتها ضمن إطار مؤسسي يمنع تحولها إلى صراع علني ينعكس على صورة الدولة.

من هنا. يصبح غياب شخصيات إصلاحية بارزة سؤالًا مشروعًا. لكنه لا يسمح. في حد ذاته. بإطلاق أحكام نهائية. فلا توجد معطيات علنية كافية تثبت أن الغياب كان نتيجة استبعاد سياسي. كما لا توجد أدلة معلنة تؤكد أنه كان مقاطعة متعمدة من تلك الشخصيات. وبين هذين الاحتمالين. يبقى المجال مفتوحًا لتفسيرات متعددة تستوجب الحذر.

القراءة الأكثر اتزانًا تتمثل في وضع الحدث ضمن سياق التحولات التي شهدتها الجمهورية الإسلامية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ أكثر من عقد. أخذ ميزان القوة داخل مؤسسات الدولة يميل تدريجيًا نحو التيار المحافظ. ولا سيما بعد سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية والتغييرات المؤسسية التي قلصت الحضور التنفيذي للإصلاحيين. وهذا التحول لا يعني بالضرورة إقصاءً كاملاً. لكنه يشير إلى إعادة ترتيب مراكز التأثير داخل النظام.

وتشير أدبيات (إعادة إنتاج السلطة) إلى أن الأنظمة السياسية. خصوصًا تلك التي تواجه تحديات خارجية وضغوطًا أمنية. تميل إلى تعزيز التماسك حول النواة الأكثر نفوذًا خلال المراحل الانتقالية. ويكون الهدف هو تقليل مساحة التنافس الداخلي وإبراز صورة الاستقرار. بما يطمئن المؤسسات والجمهور والشركاء الخارجيين إلى أن عملية انتقال القيادة لن تتحول إلى أزمة حكم.

في المقابل. حمل الحضور الدولي رسالة مختلفة. فبعيدًا عن المواقف السياسية المتباينة من إيران. فإن مشاركة هذا العدد الكبير من الوفود الرسمية عكست إدراكًا لدى كثير من الدول بأن لحظات الانتقال في الدول الإقليمية الكبرى تستحق المتابعة المباشرة. وأن الحفاظ على قنوات الاتصال قد يكون أكثر فائدة من سياسة المقاطعة. لذلك. لا ينبغي تفسير المشاركة على أنها تأييد لسياسات طهران. بقدر ما يمكن فهمها في إطار الحسابات الدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية.

أما الحشود الجماهيرية. فهي بدورها تحمل أكثر من معنى. فمن ناحية. تعكس قدرة الدولة على التنظيم والحشد في حدث مفصلي. ومن ناحية أخرى. توفر للنظام فرصة لإبراز شرعيته الرمزية في لحظة انتقال حساسة. غير أن أدبيات الشرعية السياسية تميز بين الشرعية الرمزية التي تنتجها المناسبات الكبرى. والشرعية المستدامة التي تُختبر لاحقًا عبر الأداء السياسي والاقتصادي. وإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

ولهذا. فإن السؤال الأكثر أهمية ليس. لماذا غاب الإصلاحيون؟ بل. ماذا سيعني هذا الغياب إذا استمر في المرحلة التالية؟

إذا كان الأمر مرتبطًا بظرف استثنائي أو بقرار شخصي. فإن تأثيره سيظل محدودًا. أما إذا تحول إلى نمط دائم يعكس انكماش مساحة التعدد داخل النخبة الحاكمة. فإن ذلك سيستدعي قراءة مختلفة تتعلق بكيفية إدارة التوازنات الداخلية في الجمهورية الإسلامية.

في النهاية. تكشف الجنازات الرسمية أحيانًا ما تعجز الخطب السياسية عن كشفه. فهي تعرض أمام العالم صورة النظام كما يريد أن يُرى. لكنها تتيح أيضًا للمراقبين قراءة ما يوجد خارج إطار الصورة. وبين مشهد الحشود. والحضور الدولي. وغياب شخصيات إصلاحية بارزة. يبقى الحدث مفتوحًا على أكثر من تفسير. فيما سيظل الحكم النهائي مرهونًا بما ستكشفه المرحلة المقبلة من شكل العلاقة بين مؤسسات الدولة. وتياراتها السياسية. وقدرتها على الحفاظ على تماسكها في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها المعاصر.