د. نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي و قانوني
مع اقتراب موعد الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة في منتصف الشهر الحالي، يتجدد سؤال جوهري يفرض نفسه على الساحة الاقتصادية: كيف نبني وفداً حكومياً وتجارياً يليق بزيارة استراتيجية لا تحتمل الهفوات؟.
لقد أثبتت تجارب الزيارات السابقة لرؤساء حكومات سابقين، أن اصطحاب وفود منتفخة تفتقر إلى التخصص والجاهزية، ليس مجرد خطأ إداري، بل كلفة اقتصادية وسياسية باهظة. فالزيارة ليست نزهة دبلوماسية، ولا بروتوكولاً بروتوكولياً، بل هي مفصلية في رسم ملامح العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية لعقود قادمة.
أين يكمن الخلل في تشكيلة الوفد المرافق؟
السؤال الذي يطرحه الاقتصاديون بكل تجرد: ما المغزى الحقيقي من ضم مجموعة من رجال الأعمال إلى الوفد الرسمي، في غياب عقود مبرمة مسبقاً أو شراكات قائمة مع الجانب الأمريكي؟
إن دور رجل الأعمال في الزيارات الرسمية لا يجب أن يكون مستمعاً أو متفرجاً على اجتماعات الوزراء، بل يجب أن يكون طرفاً فاعلاً في جلسات التوقيع، يمتلك ملفات استثمارية جاهزة، ودراسات جدوى مُعدة، واتفاقيات مبدئية تمت صياغتها قبل أسابيع من انطلاق الطائرة.
أما اصطحاب رجال أعمال لا يملكون شراكات أمريكية قائمة، أو لا يعرفون آليات السوق الأمريكي، فهو إهدار للوقت الثمين على طاولة المفاوضات. إنه يخلق انطباعاً بأن الوفد العراقي جاء للبحث عن فرص، بدلاً من المجيء لترسيخ فرص قائمة. وهذا نقيض ما تتطلبه استراتيجية (رابح – رابح).
ما الذي يجب أن يكون عليه الوفد؟
إن قراءة المشهد الاقتصادي الدولي، وخصوصاً السوق الأمريكي (الأكبر عالمياً)، تفرض معايير صارمة في انتقاء الوفد:
1/الانتقاء النوعي لا الكمي: أن يضم الوفد مستشارين قانونيين وماليين خبراء بالقوانين الفيدرالية الأمريكية، ومدراء تنفيذيين لشركات عراقية لديها مشاريع استثمارية جاهزة للانطلاق في مجالات الطاقة، التكنولوجيا، أو الزراعة الذكية.
2/الهدف الواضح: يجب أن يكون لكل عضو في الوفد (ملف) محدد يتابعه، لا أن يكون مجرد مرافق سمعي وبصري.
3/التكامل بين الحكومة والقطاع الخاص: أن تكون الاجتماعات مُحكمة التوقيت، بحيث تسلم الحكومة الملفات السياسية والتنظيمية، ويسلم رجال الأعمال الملفات التنفيذية والاستثمارية، في تنسيق عالي الاحترافية.
رسالة في قالب وجهة نظر!
لا أملك ولا أرغب في أن أملي على رئيس الوزراء من يختار، فهذا من صميم صلاحياته الدستورية. لكنني أطرح رأياً استشارياً مبنياً على معطيات الواقع: إن اصطحاب وفد غير منتقى بعناية يضعف موقف العراق التفاوضي، ويضيع فرصة نقل التكنولوجيا والخبرات التي نعلن دائماً أننا نبحث عنها.
الزيارة القادمة إلى واشنطن هي فرصة ذهبية لا تعوض لتحويل العلاقة من مجرد تصدير نفط إلى شراكة حقيقية في سلاسل الإمداد والبنية التحتية. ولتنجح هذه المهمة، يجب أن يكون الوفد العراقي (كتيبة عمل) لا (قافلة زائرين).
ختاماً، نأمل أن تكون القناعة قد استقرت لدى صناع القرار بأن التحضير للزيارة يبدأ قبل أسابيع من موعدها، وأن من يصطحب هو من يضيف قيمة، لا من يستهلك وقت الجلسات. إن نجاح العراق في واشنطن لا يقاس بعدد الحاضرين، بل بجدول العقود الموقعة.

