د. نبيل رحيم العبادي – أكاديمي مصرفي ومالي
اسمحوا لي أن أتحدث إليكم اليوم من موقع الخبير المصرفي الذي قضى سنوات طويلة بين أروقة البنوك وأسواق المال العراقية، أراقب التحولات وأعايش القرارات، فأدرك جيدا متى يكون القرار عاديا ومتى يكون مفصليا. وقرار البنك المركزي العراقي الأخير بشأن حصة المسافر من النقد الأجنبي، في تقديري الشخصي، ينتمي إلى النوع الثاني.
حين قرأت بيان البنك المركزي الصادر في 8 تموز 2026، وما تضمنه من تعديل سقف الحصة النقدية إلى 2000 دولار شهريا بدلا من 3000، مع تأكيد واضح على التوسع في استخدام بطاقات الدفع الإلكترونية، شعرت بالاطمئنان. ليس لأني مصرفي أميل بطبعي إلى التنظيم، بل لأني رأيت في القرار ما هو أبعد من الأرقام.
القرار كما أفهمه
في الماضي القريب، كانت الحصة النقدية تمنح كاملة نقدا، فيذهب المواطن إلى المصرف ويتسلم مبلغه ويغادر. هذا المسار، مع أهميته، كان يحمل في طياته إشكاليتين رئيستين: الأولى أن الكاش المسحوب بهذه الصورة كان يتسرب أحيانا إلى غير مستحقيه، والثانية أن التعامل النقدي المحض أصبح في نظر العالم المتقدم أسلوبا متقادما لم يعد يليق باقتصاد يطمح إلى الاندماج العالمي.
البنك المركزي في قراره الأخير لم يسحب البساط من تحت أحد، بل أعاد توزيع الأدوات. قال للمسافر: سأعطيك 2000 دولار نقدا تكفيك لأي طارئ أو مصروف مباشر، وسأضع لك سقفا مفتوحا عبر بطاقتك المصرفية لتغطية كل احتياجات سفرك الأخرى. هذا ليس تضييقا، هذا تنظيم وتحفيز ذكي على سلوك مالي أكثر تحضرا.
لماذا أنا واثق من صحة الاتجاه؟
بحكم اطلاعي على تجارب مصرفية متعددة، أستطيع أن أقول لكم إن كل بنك مركزي جاد في العالم يتجه اليوم نحو ما يسمى بـ (اقتصاد اللمسة الواحدة)، حيث تحل البطاقة والتطبيق محل الورقة والمعدن. العراق لم يخترع شيئا غريبا، بل التحق بركب متحرك.
وعندما يتعلق الأمر بالمسافر تحديدا، فالبطاقة المصرفية توفر له ميزة لا تقدر بثمن: الأمان. تخيلوا معي مواطنا يصل إلى مطار أجنبي في ساعة متأخرة من الليل وهو لا يحمل في جيبه سوى بطاقة واحدة مشحونة برصيده كاملا، يستطيع من خلالها أن يستقل سيارة أجرة، وأن يحجز فندقه، وأن يسدد ثمن وجبته. أليس هذا أهون عليه من حمل مبلغ نقدي كبير قد يتعرض للضياع أو للسرقة أو حتى لسوء التقدير في الصرف؟
هذا القرار يمس السوق الموازي قبل أن يمس المسافر
ما يعرفه العاملون في القطاع المصرفي جيدا، أن السوق الموازي للعملة يزدهر حيث يكثر الكاش. وكلما تمكن الجهاز المصرفي من استيعاب تعاملات المواطنين ضمن قنواته الرسمية، كلما ضاقت المساحات التي يتحرك فيها المضاربون. قرار المركزي العراقي بتوجيه التعامل نحو البطاقات هو من هذا المنطلق تحديدا. إنه إجراء وقائي بامتياز، يحمي استقرار الدينار من خلال ضبط مسارات الدولار، ويضمن وصوله لمستحقيه الحقيقيين بدلا من أن يتبدد في متاهات لا تخدم الاقتصاد الوطني.
رؤيتي لما هو قادم
قد يستغرب البعض إن قلت إن هذا القرار الصغير نسبيا في مظهره هو في الحقيقة حجر الأساس لتحول كبير. نحن نبني اليوم ثقافة مصرفية جديدة. ثقافة يشعر فيها المواطن أن المصرف ليس مجرد مكان لسحب الراتب آخر الشهر، بل شريك يومي يسهل حياته ويفتح له أبواب العالم.
آن الأوان لندخل جميعا في هذا العهد الجديد بثقة. نعم، قد يكون هناك بعض التعثر في البداية، وقد يحتاج البعض إلى وقت ليعتاد فكرة أن قوته المالية أصبحت في بطاقة وليس في جيب سترته. لكن هذه هي طبيعة التطور، يبدأ بخطوة ثم يتسع.
أقول لكم كخبير عاش تفاصيل هذه المهنة وتنفس هواءها: ما فعله البنك المركزي ليس خفضا للحصة، بل ترقية لمستوى الخدمة. وأثق أن الأشهر القادمة ستثبت صحة هذه الرؤية حين يلمس المسافر بنفسه الفرق بين قلق الكاش وطمأنينة البطاقة.

