خاص | إنماز نيوز – سدن السالم
لم تعد الزيارات الرسمية بين بغداد وواشنطن تُقرأ بوصفها لقاءات بروتوكولية عابرة، بل أصبحت محطات مفصلية تُبنى عليها حسابات سياسية واقتصادية وأمنية تمتد آثارها لسنوات. وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة أهمية استثنائية، كونها الأولى منذ تسلمه رئاسة الحكومة، فضلاً عن أنها تأتي بدعوة رسمية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي توقيت يشهد تحولات متسارعة في المنطقة، سواء على مستوى التوازنات السياسية أو التنافس الاقتصادي أو إعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط.
ووفق ما أُعلن رسمياً، فإن الزيارة جاءت بعد توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعوة رسمية إلى الزيدي خلال لقاء جمع الأخير بالمبعوث الرئاسي الأميركي توم باراك في بغداد، على أن تتضمن مباحثات في البيت الأبيض ملفات الأمن، والسيادة، والاستثمار، والعلاقات الثنائية، إضافة إلى اصطحاب رئيس الوزراء وفداً من رجال الأعمال العراقيين لبحث فرص التعاون الاقتصادي مع الشركات الأميركية، في مؤشر واضح على أن الاقتصاد سيكون أحد أهم عناوين الزيارة.
ويرى مختصون في العلاقات الدولية أن مجرد توجيه الدعوة يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ يعكس رغبة واشنطن في فتح صفحة جديدة مع الحكومة العراقية الحالية، ويؤكد أن العراق ما يزال يمثل شريكاً محورياً في السياسة الأميركية بالشرق الأوسط، ليس فقط من المنظور الأمني، وإنما أيضاً من زاوية الاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي.
ويقول خبراء في الشأن السياسي إن إدارة ترامب تنظر إلى العراق باعتباره دولة تمتلك موقعاً جيوسياسياً استثنائياً، يقع في قلب التوازنات الإقليمية، ويجاور دولاً تشكل محوراً رئيسياً في السياسات الأميركية، الأمر الذي يجعل استقرار العراق جزءاً من استراتيجية أوسع تتعلق بأمن المنطقة وممرات الطاقة والتجارة العالمية.
ويعتقد محللون أن اللقاء المرتقب قد يمثل نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين البلدين، عبر الانتقال من التركيز على الملفات العسكرية ومحاربة الإرهاب إلى شراكة أوسع تقوم على الاستثمار والتنمية ونقل التكنولوجيا، وهو تحول يتناسب مع احتياجات العراق الحالية التي تتطلب معالجة التحديات الاقتصادية أكثر من أي وقت مضى.
ويشير خبراء إلى أن اصطحاب الزيدي وفداً من رجال الأعمال العراقيين إلى واشنطن لا يقل أهمية عن اللقاء السياسي نفسه، إذ يحمل رسالة بأن الحكومة تسعى إلى تحويل العلاقة مع الولايات المتحدة من علاقة حكومات إلى علاقة اقتصادات وأسواق وشركات، وهو ما يُعد اتجاهاً معمولاً به في أغلب الشراكات الدولية الناجحة.
ويؤكد اقتصاديون أن العراق يمتلك فرصاً استثمارية ضخمة في قطاعات الطاقة، والغاز، والصناعات التحويلية، والبتروكيماويات، والاتصالات، والاقتصاد الرقمي، والنقل، والإسكان، والزراعة، إلا أن استثمار هذه الفرص يتطلب جذب رؤوس الأموال العالمية، ولا سيما الأميركية التي تمتلك خبرات تقنية وتمويلية كبيرة يمكن أن تسهم في تسريع عملية التنمية.
ويضيف خبراء الاقتصاد أن مشاركة رجال الأعمال في الزيارة قد تفتح الباب أمام توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات مباشرة مع شركات أميركية كبرى، بما يساهم في نقل التكنولوجيا، وتوفير فرص عمل، وتحريك القطاع الخاص العراقي، وتقليل الاعتماد على الإنفاق الحكومي بوصفه المحرك الرئيس للاقتصاد.
ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن نجاح الزيارة قد ينعكس على عدة ملفات حيوية، أبرزها تحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز ثقة المؤسسات المالية الدولية بالاقتصاد العراقي، ورفع مستويات التصنيف الائتماني إذا ما ترافق ذلك مع إصلاحات اقتصادية وتشريعية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على قدرة العراق في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
كما يرى مختصون أن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة قد يسهم في توسيع التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات التمويل الأميركية، بما يوفر دعماً للمشاريع الكبرى في مجالات البنية التحتية والطاقة والكهرباء والمياه والنقل.
أما على الصعيد السياسي، فيؤكد مراقبون أن ملف حصر السلاح بيد الدولة سيكون من أبرز الملفات المطروحة خلال المباحثات، نظراً لارتباطه بشكل مباشر بترسيخ سلطة الدولة وتعزيز الاستقرار الداخلي. ويرى هؤلاء أن أي تقدم تحققه الحكومة في هذا الملف سيكون عاملاً أساسياً في طمأنة المستثمرين الأجانب، الذين يضعون الأمن والاستقرار في مقدمة معايير اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
كما يتوقع محللون أن تتناول المباحثات ملفات التعاون الأمني والاستخباري، واستمرار برامج التدريب والدعم الفني للقوات العراقية، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية التي تركز على بناء القدرات أكثر من الانخراط العسكري المباشر.
وفي جانب آخر، يلفت خبراء إلى أن توقيت الزيارة يحمل أهمية إضافية، إذ يأتي في ظل منافسة اقتصادية دولية متزايدة على الأسواق الناشئة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز حضور شركاتها في العراق، مقابل توسع الاستثمارات الآسيوية والأوروبية في عدد من القطاعات الحيوية، وهو ما يجعل بغداد تمتلك فرصة للاستفادة من هذا التنافس عبر تنويع شركائها الاقتصاديين بما يخدم مصالحها الوطنية.
ويؤكد مختصون أن نجاح الحكومة العراقية في إدارة هذه العلاقات المتوازنة سيمنحها هامشاً أكبر لتحقيق مصالحها الاقتصادية دون الانخراط في سياسة المحاور، وهو ما ينسجم مع سياسة الانفتاح التي أعلنتها بغداد تجاه مختلف الشركاء الدوليين.
ويرى خبراء في الاقتصاد الكلي أن العراق يقف اليوم أمام تحديات كبيرة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وهي تحديات تتطلب تدفقات استثمارية كبيرة لا يمكن للاقتصاد المحلي وحده توفيرها، الأمر الذي يمنح هذه الزيارة بعداً اقتصادياً بالغ الأهمية.
كما يعتقد مختصون أن أي تفاهمات اقتصادية قد تنتج عن الزيارة يمكن أن تسهم في دعم خطط الحكومة لتنويع الاقتصاد، وتشجيع القطاع الخاص، وتطوير الصناعات المحلية، وزيادة الصادرات غير النفطية، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ويقلل من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار النفط.
وفي المقابل، يشدد محللون على أن نجاح الزيارة لن يُقاس بحجم الاستقبال الرسمي أو البيانات المشتركة، بل بما ستنتجه من اتفاقيات قابلة للتنفيذ، وجداول زمنية واضحة، وآليات متابعة تضمن تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع واقعية يشعر المواطن العراقي بآثارها في سوق العمل، والخدمات، والاستثمار، والنمو الاقتصادي.
وفي المحصلة، ينظر كثير من الخبراء إلى زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن بوصفها اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على تحويل ثقله السياسي إلى مكاسب اقتصادية واستثمارية. فإذا نجحت بغداد في استثمار هذه الفرصة، وأحسنت إدارة ملفاتها الداخلية بالتوازي مع بناء شراكة متوازنة مع الولايات المتحدة، فقد تشكل الزيارة بداية مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من الشراكة الأمنية التقليدية إلى شراكة اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، وهي مرحلة قد تمنح العراق فرصة لتعزيز مكانته الإقليمية، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة، وترسيخ الاستقرار الذي يتطلع إليه العراقيون.

