سوريا.. ما وراء المشهد المعلن!

علي قاسم – كاتب عراقي

في الوقت الذي يحبس فيه العالم أنفاسه وهو يراقب الشرق الأوسط على وقع المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وما يرافقها من قلق متصاعد بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز. واتساع دائرة الاشتباك الإقليمي. تبدو سوريا وكأنها تدخل مرحلة مختلفة تماماً. مرحلة لا يقتصر فيها التحدي على إعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب. بل يمتد إلى صراع أكثر تعقيداً يدور بين ما يجري داخل حدودها. وما يراد لها أن تقوم به خارج تلك الحدود. وكأن البلاد تجد نفسها مرة أخرى في قلب مشروع إقليمي أكبر من قدرتها على التحكم بمساره.

فالهدوء النسبي الذي يبدو ظاهرياً

لا يعكس بالضرورة حقيقة المشهد. إذ تتقاطع في سوريا اليوم حسابات الأمن مع الجغرافيا السياسية. وتتداخل الضغوط الدولية مع الحسابات الإقليمية. بينما تتحرك ملفات عدة بصورة متزامنة. بعضها يظهر إلى العلن. وكثير منها يبقى بعيداً عن الأضواء. الأمر الذي يجعل قراءة المشهد أكثر تعقيداً من اختزاله في التطورات العسكرية أو السياسية اليومية.

وتشير قراءات عديدة إلى أن السلطة الانتقالية تواجه اليوم اختباراً هو الأصعب منذ وصولها إلى دمشق. فالمطلوب منها لم يعد يقتصر على إدارة الداخل السوري. وإنما الانخراط في ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة. وهو ما يضعها أمام معادلة شديدة الحساسية. لأن أي قرار تتخذه ستكون له أثمان داخلية وخارجية في آن واحد.

وتزداد هذه المعادلة تعقيداً مع الحديث المتكرر عن ضغوط خارجية لدفع دمشق نحو أدوار عسكرية تتجاوز حدودها الوطنية. بالتزامن مع استمرار الحشود العسكرية على بعض المحور الحدودي اللبناني . ومع تداول تقديرات تربط بين تلك التحركات وبين احتمالات فتح جبهات جديدة خلال المرحلة المقبلةمع حزب الله اللبناني . وهي فرضيات لا يمكن الجزم بها. لكنها تعكس حجم القلق الذي يحيط بالمشهد السوري.

وفي المقابل. لا تبدو الجبهة الداخلية أقل تعقيداً من محيطها الإقليمي. إذ بدأت تظهر إلى السطح مؤشرات توحي بأن التماسك الذي رافق المرحلة الأولى من انتقال السلطة لم يعد بالصلابة نفسها. فقد تصاعد الحديث عن تململ داخل بعض التشكيلات العسكرية التي شاركت في إسقاط النظام السابق. وعن خلافات متزايدة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة. وهو ما فتح الباب أمام تكهنات تتحدث عن بوادر تمرد داخل بعض الوحدات أو الفصائل المنضوية ضمن المؤسسة العسكرية الجديدة. وهي معطيات ما تزال بحاجة إلى التحقق. لكنها تكشف في الوقت نفسه عن وجود حالة سيولة سياسية وأمنية يصعب تجاهلها.

وفي خضم هذا المشهد. عاد اسم مناف طلاس إلى التداول السياسي والإعلامي بصورة لافتة. ليس باعتباره مجرد شخصية عسكرية سابقة. وإنما بوصفه اسماً يتكرر كلما دخلت سوريا مرحلة إعادة ترتيب موازين القوى. وعودة هذا الاسم إلى الواجهة تعكس وجود نقاشات أوسع حول طبيعة البدائل المحتملة. وحول شكل السلطة التي قد تكون قادرة على إنتاج حالة أكثر قبولاً داخلياً وخارجياً إذا ما دخلت البلاد مرحلة انتقال جديدة.

ولا يقف الأمر عند حدود التوازنات الداخلية. فهناك من يربط ما يجري بتحولات أوسع تتعلق بالرؤية الإسرائيلية لمستقبل سوريا. حيث تتحدث بعض المصادر عن مخاوف من مشاريع تتجاوز مجرد الاعتبارات الأمنية التقليدية. وتستند إلى اعتبارات سياسية وعقائدية ترى أن ما يجري اليوم ليس سوى جزء من إعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية للمنطقة. ورغم أن هذه الطروحات تبقى محل جدل واسع. فإن حضورها المتكرر في الخطاب السياسي والإعلامي يعكس حجم المخاوف المتداولة بشأن مستقبل دمشق.

وفي هذا السياق. تبدو السلطة السورية أمام خيارات جميعها صعبة. فالاستجابة للضغوط الخارجية قد تفتح الباب أمام صدامات إقليمية لا تملك البلاد ترف تحمل نتائجها بعد سنوات طويلة من الحرب. أما رفض تلك الضغوط فقد يؤدي إلى فقدان جزء من الدعم السياسي الذي تحتاج إليه السلطة الجديدة لتثبيت موقعها. وبين هذين الخيارين تضيق مساحة المناورة بصورة متسارعة.

ولعل ما يزيد من ضبابية المشهد هو أن المنطقة بأكملها تعيش مرحلة إعادة تموضع سياسي واستراتيجي. حيث تتغير الأولويات بسرعة. وتخضع التحالفات لحسابات المصالح أكثر من ثبات المواقف. وهو ما يجعل مستقبل سوريا مرتبطاً ليس فقط بقرارات دمشق. وإنما أيضاً بما ستسفر عنه التفاهمات والخلافات بين العواصم الإقليمية والدولية المؤثرة.

ومن هنا. يصبح من الصعب الحديث عن سيناريو واحد لمستقبل البلاد. فقد تنجح الوساطات في احتواء التصعيد وإعادة ترتيب الأولويات. وقد تجد دمشق نفسها مضطرة إلى الانخراط في ترتيبات أمنية جديدة. كما يبقى احتمال اتساع المواجهات العسكرية قائماً إذا ما انهارت محاولات الاحتواء. وفي المقابل. لا يمكن استبعاد سيناريو إعادة تشكيل المشهد السياسي من الداخل إذا ما تعمقت الانقسامات داخل البنية العسكرية والسياسية القائمة.

إن أخطر ما يميز اللحظة السورية الراهنة ليس وجود حرب معلنة. وإنما تعدد المسارات المفتوحة في وقت واحد. فهناك صراع على شكل الدولة. وصراع على موقعها الإقليمي. وصراع على هوية السلطة التي ستقودها. وفي مثل هذه اللحظات. تصبح التفاصيل الصغيرة قادرة على تغيير مسار الأحداث أكثر من القرارات الكبرى.

ولهذا. تبدو سوريا اليوم أقرب إلى الوقوف على حافة مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد. مرحلة قد تنتهي بتسوية سياسية تعيد إنتاج التوازنات. وقد تنزلق إلى مواجهة أوسع تتداخل فيها الحسابات المحلية مع مشاريع الإقليم. وبين هذا وذاك. يبقى المؤكد الوحيد أن ما يجري في سوريا لم يعد شأناً سورياً خالصاً. وأن مستقبلها سيتحدد بقدر ما ترسمه الوقائع على الأرض. وبقدر ما تقرره موازين القوى خارج حدودها.