علي قاسم – كاتب عراقي
توجد لحظات في التاريخ لا تتغير فيها موازين القوى لأن دولة انتصرت في حرب أو لأن أخرى خسرت معركة. وإنما لأن الطريقة التي تنظر بها القوى الكبرى إلى العالم تتغير. عندها تبقى الجغرافيا في مكانها. لكن وظيفتها تتبدل. وتبقى الحدود كما هي. لكن قيمتها الاستراتيجية تصبح مختلفة. وتظل الدول قائمة. غير أن الأدوار التي تؤديها داخل النظام الدولي يعاد تعريفها من جديد.
يبدو أن غرب آسيا يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات. فالمشهد الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة. واستمر لعقود تحت قيادة أمريكية شبه منفردة. بدأ يفقد الكثير من مرتكزاته. ليس بسبب تراجع الولايات المتحدة وحدها. ولا بسبب صعود الصين أو عودة روسيا فقط. وإنما نتيجة تزامن مجموعة من التحولات الدولية والإقليمية التي دفعت الجميع إلى مراجعة حساباته في الوقت نفسه.
من السهل النظر إلى الحرب في غزة. والمواجهة بين إيران وإسرائيل. والتنافس على سوريا. وتصاعد أهمية تركيا. والتحركات في الخليج. بوصفها ملفات مستقلة. لكن هذه القراءة تكتفي بوصف الأحداث. ولا تفسر الرابط الذي يجمعها. فالإقليم يعيش اليوم عملية إعادة تشكيل شاملة. تتداخل فيها اعتبارات الأمن بالطاقة. والممرات التجارية بالعقيدة العسكرية. والاقتصاد بالتكنولوجيا. وهو ما يجعل كل تطور محلي يحمل آثاراً تتجاوز حدوده الجغرافية.
خلال العقود الماضية. كانت واشنطن تدير الجزء الأكبر من معادلات المنطقة اعتماداً على التفوق العسكري المباشر. وشبكة واسعة من القواعد والتحالفات. وأمن الممرات البحرية. وقد نجحت هذه المعادلة في حماية كثير من المصالح الأمريكية لفترة طويلة. لكنها أصبحت أكثر كلفة مع اتساع رقعة الأزمات. وتزايد الإنفاق العسكري. وتحول المنافسة مع الصين إلى أولوية تتقدم على غيرها في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
في الوقت نفسه. لم تكن بكين تبني حضورها عبر حاملات الطائرات أو القواعد العسكرية. وإنما عبر الموانئ. والسكك الحديدية. وشبكات الطاقة. والاستثمارات طويلة الأمد. بينما عملت موسكو على استثمار الأزمات الدولية لإعادة تثبيت نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في ملفات عديدة. خصوصاً بعد تدخلها في سوريا وما تبعه من تحولات في شرق المتوسط والبحر الأسود.
هذا التزامن بين التحول الأمريكي. والصعود الصيني. والعودة الروسية. منح الجغرافيا الإقليمية قيمة مختلفة. فلم تعد المضائق والموانئ والطرق البرية مجرد مسارات للتجارة. وإنما أصبحت أدوات لإعادة توزيع النفوذ العالمي. ومن هنا بدأت مشاريع الربط الإقليمي تتحول من أفكار اقتصادية إلى رهانات سياسية واستراتيجية.
التصريحات الأخيرة للمبعوث الرئاسي الأمريكي توم باراك تعكس جانباً من هذا التحول. فحديثه عن أن أهمية مضيق هرمز قد تتراجع خلال الأعوام المقبلة مع تطور مسارات نقل بديلة. وربطه بين الخليج وتركيا وآسيا الوسطى ضمن منظومة اقتصادية واحدة. لا يتعلق بالملاحة البحرية وحدها. وإنما يكشف عن رؤية أمريكية تحاول تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية. وإعادة توزيع الحركة التجارية والطاقة على ممرات أكثر تنوعاً.
قد يبدو هذا الطرح طموحاً. لأن مضيق هرمز سيبقى في المستقبل المنظور واحداً من أهم شرايين الطاقة العالمية. لكن مجرد التفكير في بدائل استراتيجية يحمل دلالة مهمة. فالقوى الكبرى لم تعد تبحث فقط عن حماية الممرات القائمة. وإنما عن إعادة رسم شبكة الممرات نفسها. وهي فكرة تختلف جذرياً عن السياسات التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.
هنا تبدأ وظائف الدول بالتغير. فتركيا لم تعد تُقاس أهميتها بعضويتها في حلف شمال الأطلسي فقط. وإنما بموقعها الذي يربط آسيا بأوروبا. والعراق لم يعد مجرد ساحة للتنافس الأمريكي الإيراني. إذ تشير مشاريع الربط الإقليمي إلى إمكانية تحوله إلى عقدة تصل الخليج ببلاد الشام وتركيا. والخليج نفسه لم يعد يُقرأ من زاوية النفط وحده. بل بوصفه مركزاً للاستثمار والتمويل والموانئ وسلاسل الإمداد.
أما سوريا. فقد خرجت من كونها أزمة داخلية إلى موقع يجعلها جزءاً من التنافس على خرائط النقل والطاقة والنفوذ. في حين أصبح البحر الأحمر وباب المندب امتداداً طبيعياً لأي نقاش يتعلق بأمن التجارة العالمية. بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة أن حركة الملاحة لم تعد مرتبطة بهرمز وحده. وأن أي اضطراب في أحد الممرات ينعكس مباشرة على بقية الشبكة البحرية الممتدة من الخليج إلى قناة السويس.
في المقابل. لم تقف إيران موقف المتفرج أمام هذه التحولات. فالحرب الأخيرة أظهرت أن طهران لا تنظر إلى الصراع بوصفه مواجهة حدودية مع إسرائيل فحسب. وإنما باعتباره صراعاً على شكل النظام الإقليمي المقبل. ولذلك تمسكت بمعادلة الردع التي بنتها على مدى عقود. وبشبكة حلفائها الممتدة في أكثر من ساحة. وبأهمية موقعها الجغرافي المطل على هرمز. إدراكاً منها أن إعادة رسم خرائط الممرات لا تعني بالضرورة انتهاء قيمة الجغرافيا التي تمتلكها.
في الوقت ذاته. بدأت إسرائيل تنظر إلى البيئة الجديدة باعتبارها فرصة لإعادة صياغة موقعها داخل المنطقة. فخطاب بنيامين نتنياهو عن شرق أوسط جديد لا ينفصل عن رؤية أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الطموحات الجيوسياسية. كما أن صعود اليمين الديني منح هذا المشروع أبعاداً أيديولوجية لا يمكن تجاهلها عند قراءة السياسات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. إلا أن ترجمة هذه الرؤية على الأرض تصطدم ببيئة إقليمية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. وبقوى إقليمية باتت تمتلك أدوات تأثير يصعب تجاوزها.
وسط هذه التحولات. يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل كل أزمة على حدة. إذا كانت المنطقة تدخل بالفعل مرحلة يعاد فيها توزيع النفوذ. فمن الذي يقود هذه العملية. ومن الذي يحاول التكيف معها. ومن الذي يسعى إلى منعها.
إن إعادة توزيع الأدوار داخل غرب آسيا لا تعني أن القوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالاً عن النظام الدولي. ما يجري أقرب إلى إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين. فكل دولة تحاول توسيع هامش حركتها. بينما تسعى القوى الكبرى إلى توظيف هذا الهامش ضمن مشاريعها الأوسع. لذلك أصبح من الصعب قراءة أي تحرك إقليمي بمعزل عن المنافسة الدولية التي تتشكل فوقه.
العراق يقدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول. فعلى مدى سنوات طويلة جرى التعامل معه بوصفه ساحة صراع بين واشنطن وطهران. غير أن المشهد الحالي يطرح قراءة مختلفة. فالموقع الذي يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا. ومشاريع البنية التحتية والربط الإقليمي. وإمكان تحوله إلى عقدة لوجستية ضمن شبكة تمتد نحو أوروبا. كلها عوامل تمنحه وظيفة تتجاوز كونه ميداناً للتنافس الأمني. وفي المقابل. تدرك الولايات المتحدة أن أي مشروع لإعادة هندسة الإقليم سيبقى ناقصاً إذا بقي العراق خارج هذه الرؤية. كما تدرك إيران أن الحفاظ على نفوذها لا يرتبط بالبعد الأمني وحده. وإنما بقدرتها على البقاء جزءاً من المعادلات الاقتصادية والسياسية التي يجري بناؤها.
هذا التنافس لا يعني أن العراق يتجه حتماً إلى الانحياز لطرف دون آخر. فالمؤشرات الحالية توحي بأن السنوات المقبلة ستشهد محاولات متوازية لاستقطابه. بعضها يعتمد على الاستثمار والممرات التجارية. وبعضها يقوم على الترتيبات الأمنية والتحالفات العسكرية. والنتيجة النهائية ستتوقف على قدرة الدولة العراقية على تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة. لا إلى ساحة تستنزفها مشاريع الآخرين.
الصورة نفسها تنطبق على تركيا. فأنقرة لم تكتسب أهميتها من قوتها العسكرية فقط. وإنما من قدرتها على الجمع بين موقعها الجغرافي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي وشبكة علاقاتها الاقتصادية. ومع تصاعد الحديث عن الممر الأوسط والربط بين آسيا الوسطى وأوروبا. أصبحت تركيا عنصراً يصعب تجاوزه في أي مشروع يتعلق بالطاقة أو النقل أو سلاسل الإمداد. وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة بين واشنطن وموسكو وبكين.
أما الخليج. فقد دخل مرحلة مختلفة عن تلك التي ارتبطت بعوائد النفط وحدها. الاستثمارات الضخمة في الموانئ. والمناطق الاقتصادية. والبنية التحتية. جعلت دوله جزءاً من المنافسة على شبكات التجارة العالمية. لذلك فإن الحديث عن مشاريع الربط الإقليمي لا يقتصر على إنشاء طرق وسكك حديد. وإنما يتعلق أيضاً بإعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي داخل المنطقة.
في المقابل. تبدو سوريا أكثر الساحات تعقيداً. فالجغرافيا التي مزقتها الحرب تحولت إلى نقطة تلتقي عندها مصالح متعارضة. الولايات المتحدة. وروسيا. وتركيا. وإيران. وإسرائيل. إلى جانب أطراف عربية تسعى إلى تثبيت حضورها في مرحلة ما بعد الحرب. ولهذا أصبحت سوريا أكثر من ملف أمني. إنها عقدة تحدد إلى حد بعيد شكل الممرات البرية. وخطوط الطاقة. وحدود النفوذ في المشرق.
ولا يختلف لبنان كثيراً في هذا السياق. فدوره لا يقتصر على حدوده الجنوبية أو على التوازنات الداخلية. إذ أصبح جزءاً من معادلة الردع الإقليمية. وما يجري على أرضه ينعكس مباشرة على حسابات إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. كما أن أي تغيير في وضعه الأمني سيؤثر في مستقبل شرق المتوسط بأكمله.
أما اليمن. فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن باب المندب لم يعد ممراً بحرياً ثانوياً. فالتأثير الذي أحدثته الهجمات على حركة الملاحة كشف أن أمن التجارة العالمية يقوم على شبكة مترابطة من الممرات. وإذا كان مضيق هرمز يمثل البوابة الشرقية للطاقة. فإن باب المندب أصبح بوابتها الغربية. وهذا ما منح أنصار الله موقعاً يتجاوز حدود الصراع اليمني. وجعل البحر الأحمر جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
في خلفية هذا المشهد. تتحرك الصين وروسيا وفق منطق مختلف عن المنطق الأمريكي. فبكين تنظر إلى المنطقة من زاوية الترابط الاقتصادي وأمن الإمدادات والأسواق. فيما ترى موسكو أن الحفاظ على حضورها في غرب آسيا جزء من توازنها مع الغرب في أوروبا والبحر الأسود. وبين هذين المسارين. تحاول الولايات المتحدة إعادة صياغة حضورها بطريقة تقلل الأعباء المباشرة. وتعتمد أكثر على الشركاء الإقليميين. وعلى شبكات الربط والتحالفات المرنة.
لهذا تبدو المرحلة الحالية مختلفة عن كل ما سبقها. فالصراع لم يعد يدور حول من يسيطر على مدينة أو قاعدة عسكرية فقط. وإنما حول من يمتلك القدرة على رسم شبكة العلاقات التي ستربط الموانئ بالممرات. والطاقة بالأسواق. والتحالفات بالمصالح الاقتصادية. إنها منافسة على بنية الإقليم أكثر من كونها منافسة على حدوده.
وربما لهذا السبب تبدو الأحداث اليومية متسارعة إلى هذا الحد. تصريح عن ممر جديد. اتفاق اقتصادي. تحرك عسكري. زيارة دبلوماسية. أو إعادة انتشار لقوات. جميعها تبدو أحداثاً منفصلة في ظاهرها. لكنها تكتسب معنى مختلفاً عندما توضع داخل سياق واحد. سياق إعادة تشكيل غرب آسيا.
هذه العملية لم تكتمل بعد. وما زالت نتائجها مفتوحة على أكثر من احتمال. غير أن المؤكد هو أن القواعد التي حكمت الإقليم خلال العقود الماضية تتعرض اليوم لاختبار غير مسبوق. وأن القوى الكبرى لم تعد تتنافس على إدارة الأزمات فقط. وإنما على تصميم البيئة التي ستولد منها أزمات المستقبل وتسوياته.
ومن بين جميع هذه القوى. تبقى الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيراً في رسم اتجاه التحول. فهي صاحبة أكبر شبكة تحالفات عسكرية. والأوسع انتشاراً في المنطقة. وهي أيضاً الدولة التي بدأت تعيد النظر في طبيعة هذا الانتشار. وفي الكلفة التي تتحملها. وفي الأدوات التي تعتقد أنها أكثر ملاءمة لمرحلة تتقدم فيها المنافسة مع الصين إلى صدارة أولوياتها العالمية.

