خاص | شبكة إنماز نيوز
على مدى أكثر من عقدين، ظل قطاع الكهرباء في العراق يمثل المفارقة الأكبر في إدارة المال العام؛ إذ استحوذ على مليارات الدولارات من الإنفاق الحكومي، لكنه بقي عاجزاً عن تلبية الطلب المحلي بصورة مستقرة. وبينما تعاقبت الحكومات والوزراء منذ عام 2005، استمرت معاناة المواطنين مع الانقطاعات الطويلة، وتراكمت الاتهامات والتقارير بشأن وجود خلل وفساد إداري ومالي رافق تنفيذ المشاريع والعقود، حتى أصبح ملف الكهرباء أحد أكثر الملفات حضوراً في تقارير الرقابة البرلمانية وهيئة النزاهة ورأي الشارع العراقي.
وفي تطور لافت قد يعيد فتح هذا الملف من زاوية مختلفة، وجّه وزير الكهرباء المهندس زياد علي فاضل كتاباً رسمياً إلى هيئة النزاهة الاتحادية طالب فيه بتدقيق كشوفات الذمة المالية لجميع الوزراء والوكلاء والمديرين العامين وأصحاب الدرجات الخاصة الذين شغلوا مناصب في الوزارة خلال المدة الممتدة من 2005 إلى 2026.
وتؤكد الوثيقة الرسمية أن الخطوة تأتي في إطار ترسيخ مبادئ الشفافية وصيانة المال العام، مع إرفاق جداول بأسماء المسؤولين المشمولين لغرض تدقيق أموالهم وربطها بكشوفات الذمة المالية وفقاً لقانون هيئة النزاهة وتعليمات كشف الذمة المالية النافذة.
ورغم أن تدقيق الذمم المالية يعد إجراءً قانونياً معمولاً به في مؤسسات الدولة، فإن أهمية هذه الوثيقة تكمن في أنها تشمل جميع القيادات التي أدارت الوزارة طوال واحد وعشرين عاماً، وهي الفترة التي شهدت أعلى حجم إنفاق حكومي على قطاع الكهرباء في تاريخ العراق الحديث بحسب التقديرات الرسمية.
إنفاق تاريخي بلا نتائج متناسبة
وفق تصريحات رسمية متكررة لوزراء سابقين وأعضاء في لجنة الكهرباء والطاقة النيابية، فإن إجمالي الإنفاق الحكومي على قطاع الكهرباء منذ عام 2003 تجاوز 120 مليار دولار، فيما تشير تقديرات تقارير برلمانية أخرى إلى أن الإنفاق تجاوز حاجز 100 مليار دولار.
وشملت هذه الأموال إنشاء محطات إنتاج، ومد خطوط النقل، وتوسعة شبكات التوزيع، واستيراد المعدات، وإبرام عقود الصيانة، واستيراد الغاز والطاقة الكهربائية، فضلاً عن مشاريع استثمارية مع شركات أجنبية.
وبلغة الأرقام الصادرة عن اللجان المختصة، فإن هذا الحجم من الإنفاق يضع قطاع الكهرباء بين أكثر القطاعات استحواذاً على الأموال العامة بعد قطاع النفط، إلا أن النتائج العملية بقيت دون مستوى الطموح، إذ ما زالت البلاد تعاني من فجوة واضحة بين الإنتاج والطلب، ولا يزال الاعتماد قائماً على استيراد الغاز الإيراني لتشغيل عدد من المحطات، إضافة إلى استيراد كميات من الطاقة الكهربائية خلال فترات الذروة.
مقارنة بين الإنفاق والإنتاج
إذا كانت الأموال المصروفة وفق البيانات الرسمية المعلنة قد تجاوزت 120 مليار دولار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا تحقق فعلياً؟
تشير بيانات وزارة الكهرباء إلى أن الطاقة الإنتاجية ارتفعت تدريجياً مقارنة بما كانت عليه بعد عام 2003، إلا أن هذا الارتفاع تزامن مع زيادة كبيرة في الطلب نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني وارتفاع استخدام أجهزة التبريد في ظل موجات الحرارة الشديدة.
ورغم تسجيل مستويات إنتاج تجاوزت في بعض الفترات 27 ألف ميغاواط، فإن الطلب الفعلي خلال الصيف يتجاوز في أحيان كثيرة 40 ألف ميغاواط، ما يبقي فجوة تتراوح بين 10 و15 ألف ميغاواط بحسب الظروف التشغيلية وتوفر الوقود.
وبذلك، فإن حجم الإنفاق لم ينجح حتى الآن في تحقيق الاكتفاء الذاتي أو إنهاء أزمة الانقطاعات، الأمر الذي جعل كثيراً من الخبراء والتقارير الفنية يربطون بين ضعف كفاءة التخطيط، وتأخر تنفيذ المشاريع، ووجود اختلالات وشبهات في إدارة بعض العقود.
الفساد… التهمة الأكثر حضوراً في التقارير الرقابية
لم يكن الحديث عن الفساد في قطاع الكهرباء مجرد اتهامات إعلامية، بل استند خلال السنوات الماضية إلى تصريحات رسمية وتقارير رقابية صادرة عن الجهات المختصة.
فقد وصفت لجنة النزاهة النيابية في بيانتها قطاع الكهرباء بأنه أحد أكبر الملفات المحمّلة بشبهات الفساد في العراق، مشيرة إلى وجود عقود متلكئة ومشاريع لم تُنجز رغم صرف مبالغ كبيرة عليها، فضلاً عن ملاحظات تتعلق بالإحالات والتعاقدات وأسعار التجهيز.
كما أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية في أكثر من مناسبة إحالة ملفات تخص وزارة الكهرباء إلى القضاء، تضمنت مخالفات مفترضة في عقود إنشاء محطات إنتاج وخطوط نقل ومشاريع توزيع.
بدوره، سجل ديوان الرقابة المالية الاتحادي ملاحظات رقابية متكررة على تنفيذ عدد من المشاريع، تتعلق بالتلكؤ وعدم الالتزام بالجداول الزمنية والتغييرات المتكررة في العقود، وهو ما أدى إلى ارتفاع الكلف النهائية وتأخر دخول مشاريع عديدة إلى الخدمة.
الكلفة الاقتصادية للأزمة
لا تقتصر أزمة الكهرباء على كونها أزمة خدمات، بل أصبحت عبئاً اقتصادياً مباشراً على الموازنة العامة.
فالدولة تنفق سنوياً مليارات الدولارات على شراء الوقود، واستيراد الغاز والطاقة، وصيانة المحطات والشبكات، في الوقت الذي تبقى فيه إيرادات الجباية أقل بكثير من الكلف التشغيلية بسبب نسب التجاوز وضعف التحصيل.
كما أن استمرار الأزمة يفرض على الحكومة تخصيص مبالغ إضافية كل عام لإنشاء مشاريع جديدة أو معالجة اختناقات الشبكة، وهو ما يستنزف الموارد المالية التي كان يمكن توجيهها إلى قطاعات أخرى مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي تحسن في كفاءة قطاع الكهرباء ينعكس مباشرة على خفض الإنفاق الحكومي وتقليل فاتورة الاستيراد، فضلاً عن تقليل الدعم غير المباشر الذي تتحمله الدولة.
الاستثمار… أول المتضررين
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن لأي بيئة استثمارية أن تزدهر في ظل انقطاع مستمر للطاقة الكهربائية.
فالمستثمر المحلي أو الأجنبي يضع استقرار الكهرباء ضمن أهم معايير اتخاذ قرار الاستثمار، لأن توقف الإنتاج يعني ارتفاع الكلف التشغيلية وانخفاض القدرة التنافسية.
ولهذا السبب، اضطر العديد من المصانع العراقية إلى الاعتماد على المولدات الأهلية أو إنشاء محطات كهرباء خاصة، ما رفع كلفة الإنتاج بشكل كبير، وجعل المنتج المحلي أقل قدرة على منافسة السلع المستوردة.
كما أن عدداً من المستثمرين يؤجلون مشاريعهم أو يطالبون بضمانات حكومية لتوفير الطاقة، وهو ما يؤثر في تدفق الاستثمارات الأجنبية ويحد من فرص تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
الصناعة العراقية… ضحية مزمنة
القطاع الصناعي كان من أكثر القطاعات تأثراً بأزمة الكهرباء، إذ تعتمد المصانع على الطاقة المستقرة لضمان استمرارية خطوط الإنتاج.
ويؤكد اقتصاديون أن انقطاع الكهرباء أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقليل ساعات التشغيل، وإغلاق عدد من المشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن زيادة الاعتماد على الوقود لتشغيل المولدات، وهو ما انعكس على أسعار المنتجات المحلية.
ولذلك، فإن إصلاح قطاع الكهرباء لا يمثل مشروعاً خدمياً فحسب، بل يعد ركناً أساسياً في أي خطة حقيقية للإصلاح الاقتصادي، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي.
الذمة المالية… اختبار للجدية والإجراءات القضائية
إن أهمية الوثيقة الأخيرة لا تكمن فقط في طلب تدقيق الذمم المالية، وإنما في الرسالة التي تحملها، وهي أن جميع من تولى إدارة الوزارة خلال واحد وعشرين عاماً سيكون خاضعاً للمراجعة والتدقيق القانوني.
لكن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بإرسال الكتب الرسمية أو استكمال الإجراءات الإدارية، بل بمدى قدرة الجهات الرقابية والقضائية على تحويل نتائج التدقيق إلى ملفات قانونية حاسمة، ومحاسبة كل من يثبت القضاء تورطه في الإثراء غير المشروع أو هدر المال العام، واسترداد الأموال حال ثبوت التجاوزات بحكم قضائي بات.
لقد أنفق العراق، بحسب البيانات المعلنة، أكثر من 120 مليار دولار على قطاع الكهرباء، وهو رقم كان كفيلاً، وفق تقديرات العديد من الخبراء، ببناء منظومة كهربائية حديثة قادرة على تلبية احتياجات البلاد لعقود. وبين هذه الأرقام الضخمة والواقع الذي ما زال يعيشه المواطن، تأتي وثيقة وزارة الكهرباء لتعيد طرح السؤال الذي لم يجد العراقيون له جواباً منذ أكثر من عشرين عاماً: هل تكون مراجعة الذمم المالية بداية لكشف الحقيقة ومحاسبة المقصرين بالقانون، أم أن أكبر ملف استنزف المال العام سيظل عصياً على الإغلاق؟


