ضحايا أم مجرمون؟.. الأطفال على إشارات المرور وخلفهم «مافيا التسول»

زينب حسن | كاتبة سياسية عراقية

مع ارتفاع عدد المتسولين، تتحول هذه المبالغ الفردية إلى مصدر دخل كبير للجهات التي تدير مجموعاتهم، وهو ما يفسر المخاوف من وجود شبكات تستغل الأطفال والنساء في المناطق التي تشهد حركة تجارية وزحاماً كبيراً.

الفقر والبطالة.. ليس التفسير الوحيد

ترتبط ظاهرة التسول بصورة مباشرة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية. وتشير البيانات إلى أن نسبة الفقر في العراق تدور حول 22%، الأمر الذي يجعل الظروف المعيشية الصعبة أحد العوامل التي تدفع الأسر والأفراد إلى الشارع.

لكن الفقر وحده لا يفسر حالات التسول كافّة؛ إذ تشير التقارير إلى وجود أشخاص وعوائل مشمولين ببرامج الحماية الاجتماعية، مما يطرح سؤالاً حول مدى كفاية هذه الشبكات، وآليات وصول الدعم إلى مستحقيه، وما إذا كانت هناك جهات تستغل الأطفال حتى في الحالات التي تتلقى فيها الأسرة مساعدات حكومية. لذا، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على الحل الأمني وحده، بل تتطلب معالجة اقتصادية واجتماعية موازية.

التسول الأجنبي.. بُعد آخر للظاهرة

لم تقتصر الظاهرة على العراقيين، إذ تشير التقارير إلى قيام السلطات العراقية بإبعاد وتأشير ترحيل أكثر من 40 ألف متسول أجنبي خلال السنوات الأخيرة. وتثير هذه الحالات مخاوف إضافية عندما يكون دخول بعض الأشخاص مرتبطة بالعمل أو الزيارات السياحية والدينية، ثم يجري استغلالهم في التسول.

ويزداد القلق عندما يتعلق الأمر بالأطفال والنساء؛ لأن استقدامهم أو نقلهم لغرض استغلالهم يندرج، بحسب ظروف كل حالة، ضمن إطار الاتجار بالبشر الذي يعالجه القانون العراقي.

ماذا يقول القانون العراقي؟

تتضمن التشريعات العراقية نصوصاً تتعامل مع التسول، إلى جانب قوانين أكثر تشدداً عندما يتحول الأمر إلى استغلال منظم. ويتعامل قانون العقوبات مع بعض صور التسول، فيما توجد حماية خاصة للأحداث ضمن قانون رعاية الأحداث.

أما عند توافر عناصر الاتجار بالبشر، فيبرز قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 كمرجع أساسي، إذ يذكر التسول صراحة ضمن صور الاستغلال التي تشكل جريمة. وبحسب التوجه الحقوقي والقانوني، فإن الأولوية في حالة الطفل المتسول يجب أن تكون لحمايته ومعرفة الجهة التي تستغله، وليس معاملته كمرتكب للجرم.

بين العقوبة والرعاية

تطرح ظاهرة الأطفال المتسولين تحدياً أمام الدولة: هل تتعامل مع الطفل بالعقوبة أم بالحماية؟

تدفع المنظمات الحقوقية باتجاه اعتبار الطفل المتسول ضحية تحتاج إلى الحماية والإعادة إلى المدارس، مع ملاحقة من يستغله. ويؤكد الإطار القانوني لمكافحة الاتجار بالبشر أهمية حماية الضحايا، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية والمأوى، وإعادة دمجهم في المجتمع، بالتوازي مع معاقبة الجناة.

حملات أمنية وحلول اجتماعية

تتطلب مواجهة الظاهرة تعاوناً بين المؤسسات الأمنية، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، والجهات المعنية بالطفولة والقضاء. فالجهد الأمني ضروري لتفكيك الشبكات، لكن القبض على المتسولين من الشوارع وحده لا ينهي المشكلة؛ لأن عودتهم تبقى قائمة ما لم تُعالج الأسباب الجذرية.
وتبرز هنا أهمية توسيع برامج الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر الفقيرة، وإعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مراكز متخصصة لتأهيلهم، بالتوازي مع ملاحقة شبكات الاستغلال.

ظاهرة تتجاوز الحلول الأحادية

لم يعد التسول في العراق قضية فردية يمكن اختزالها بشخص يمد يده في الشارع؛ فالأرقام تشير إلى ظاهرة تتداخل فيها الحاجة الاقتصادية مع الاستغلال والجريمة المنظمة. وبينما يظل الفقر والبطالة من أبرز العوامل المغذية، فإن بروز التسول الإلكتروني والشبكات المنظمة يجعل القضية أكبر من مجرد أزمة اقتصادية.

إن المعالجة الحقيقية تبدأ من حماية الطفل، ودعم الأسرة، وتوفير فرص العمل، وتطوير الرعاية الاجتماعية، إلى جانب تشديد الملاحقة القانونية للجهات التي تحول حاجة الإنسان إلى مصدر للربح. فالطفل عند إشارة المرور ليس هو الهدف من العقوبة، بل السؤال الأهم: من وضعه في الشارع؟ ومن يحصد الأموال التي يجمعها؟