إصلاح اقتصادي أم باب للانتفاع؟

علي قاسم | كاتب سياسي عراقي

يحتاج العراق إلى إصلاح اقتصادي حقيقي. وهذه حقيقة يصعب الاختلاف حولها. لكن الإصلاح لا يقاس فقط بحجم الأموال التي تستطيع الحكومة تحصيلها من قرار واحد. قيمته تظهر في قدرة الاقتصاد على تحمل نتائجه وفي مقدار ما يضيفه إلى كفاءة الدولة من دون أن يفتح كلفة جديدة في مكان آخر.

قرار تعديل سعر النفط الخام المجهز للمصافي المحلية يضع هذه المسألة أمام اختبار واضح. الحكومة تريد الانتقال من سعر منخفض للخام إلى آلية ترتبط بسعر شركة تسويق النفط سومو أو السعر المثبت في الموازنة مع خصم يبلغ 30 بالمئة. الفكرة تبدو للوهلة الأولى مالية بحتة. بيع مورد الدولة بسعر أقرب إلى قيمته التسويقية وتقليص الفارق الذي تتحمله الخزينة.

لكن الاقتصاد لا يعمل بهذه البساطة. فالبرميل الذي يدخل المصفاة بسعر أعلى لا يتوقف أثره عند دفاتر الشركة. هناك كلفة تكرير. وهناك صيانة. وهناك أجور. وهناك قدرة إنتاجية تختلف جذرياً بين مصفاة وأخرى. وهناك مشتقات يحتاجها السوق المحلي. وفي النهاية هناك مواطن يدفع ثمن أي خلل يظهر في هذه السلسلة حتى لو بقي سعر البنزين المعلن ثابتاً.

وفق المعطيات المتداولة حول هيكلية الكلفة قبل تطبيق الآلية الجديدة. كانت المصافي الحكومية تشتري البرميل بنحو 16 ألف دينار. وتبلغ كلفة تكريره وتشغيله نحو 6750 ديناراً. ومع إضافة الكلفة يصبح إجمالي إنتاج البرميل المكرر نحو 22750 ديناراً. بينما تقدر قيمة المشتقات المباعة محلياً بنحو 25 ألف دينار. أي أن هامش الربح قبل احتساب الآلية الجديدة ليس كبيراً أصلاً.

هذه الأرقام تغير طريقة قراءة القرار. فالمسألة لا تتعلق بمؤسسات تحقق أرباحاً ضخمة يمكن انتزاع جزء منها بسهولة. نحن نتحدث عن قطاع يعمل بهامش محدود ويحتاج إلى موارد مستمرة للصيانة والتطوير والحوافز. وتشير المعطيات المقدمة إلى أن 75 بالمئة من صافي الأرباح تذهب إلى الخزينة العامة. بينما توجه النسبة المتبقية إلى الحوافز والعمليات التشغيلية والصيانة والتطوير.

إذا ارتفع سعر الخام بصورة كبيرة بينما بقيت قيمة المشتقات المحلية على حالها. فإن المعادلة الحسابية ستتغير فوراً. المصافي القديمة ستكون أمام كلفة أعلى من دون أن تمتلك بالضرورة القدرة على رفع إنتاجيتها بالسرعة نفسها. وهنا تظهر المشكلة التي يثيرها المعترضون على القرار.

قد تحقق الخزينة إيراداً إضافياً عند نقطة شراء النفط الخام. لكن ماذا يحدث إذا تحولت المصافي إلى مؤسسات خاسرة. من سيمول الصيانة. من يمول قطع الغيار. من يدفع الحوافز. ومن يتحمل كلفة إعادة تأهيل المصافي التي تحتاج أصلاً إلى استثمارات كبيرة.

المفارقة أن الدولة قد تكون قد نقلت الكلفة من بند إلى آخر بدلاً من إلغائها.

وهذه النقطة تستحق التوقف عندها. لأن الوفر المالي الذي تتحدث عنه الحكومة لا ينبغي أن يحسب بمعزل عن النفقات التي قد تظهر لاحقاً نتيجة القرار. إذا احتاجت المصافي إلى دعم إضافي. وإذا ارتفعت كلفة التشغيل. وإذا تراجعت قدرتها الإنتاجية. وإذا اضطرت الدولة إلى استيراد مشتقات إضافية. فإن جزءاً من الإيراد المتوقع قد يعود إلى الاقتصاد من باب آخر.

عندها يصبح السؤال متعلقاً بصافي الأثر وليس بحجم الإيراد الأولي.

هناك فرق بين أن توفر الدولة عشرة مليارات دولار فعلياً. وبين أن تسجل إيراداً إضافياً ثم تنفق جزءاً كبيراً منه على معالجة النتائج التي أحدثها القرار نفسه.

وهنا تظهر مشكلة أخرى أكثر حساسية. وهي أن المصافي العراقية ليست على مستوى واحد من الكفاءة. مصفى كربلاء يمثل نموذجاً مختلفاً عن المصافي القديمة. فالتكنولوجيا الحديثة تتيح له تحويل نسبة أكبر من البرميل إلى منتجات بيضاء ذات قيمة أعلى. بينما تواجه المصافي القديمة تحديات تقنية تجعل جزءاً كبيراً من إنتاجها يذهب إلى المنتجات الثقيلة.

هذا الفارق يجعل تطبيق قاعدة سعرية واحدة على الجميع بحاجة إلى مراجعة دقيقة. فالمصفاة الحديثة تستطيع التعامل مع سعر خام أعلى لأنها تستخرج قيمة أكبر من البرميل. المصفاة القديمة قد تدخل في معادلة مختلفة تماماً. لذلك فإن الإصلاح الذي يتجاهل الفروق بين أصول القطاع قد يعاقب المنشآت الأضعف بدلاً من أن يدفعها إلى التطور.

قد يقول المدافعون عن القرار إن استمرار بيع النفط الخام للمصافي بسعر منخفض يعني استمرار دعم غير مبرر. وهذه حجة لها أساس اقتصادي. الدولة التي تملك مورداً نادراً تحتاج إلى معرفة أين تذهب قيمة هذا المورد. كما أن الدعم المفتوح قد يتحول إلى باب للهدر إذا غابت الرقابة والكفاءة.

لكن معالجة الدعم لا تعني بالضرورة رفع الكلفة قبل إصلاح المنظومة التي ستتحملها.

يمكن للدولة أن تسأل أولاً عن كفاءة المصافي. وعن حجم الهدر. وعن كلفة البرميل. وعن نسب التحويل إلى مشتقات عالية القيمة. وعن كلفة الصيانة. وعن قدرة كل مصفاة على تمويل نفسها. ثم تبني آلية تسعير تدريجية ترتبط بمؤشرات واضحة للأداء.

عندها يصبح السعر أداة للإصلاح. وليس مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات.

المخاوف التي يطرحها خبراء اقتصاديون ونواب ونقابات وعاملون في قطاع التصفية تنطلق من هذه النقطة تحديداً. الاعتراض لا يدور فقط حول رقم سعر البرميل. هناك خشية من أن يؤدي القرار إلى الضغط على المصافي الوطنية وتحويل بعضها إلى مؤسسات خاسرة. ثم تتسع دائرة المشكلة لتصل إلى العاملين والصيانة والإنتاج المحلي.

وهناك أيضاً مسألة الاستيراد. فإذا أصبحت كلفة التكرير المحلي مرتفعة إلى درجة تفقد المصافي قدرتها التنافسية. فقد تجد الحكومة نفسها أمام خيار استيراد كميات أكبر من المشتقات. عندها ينتقل العراق من استثمار قدرته على التكرير إلى شراء منتجات جاهزة من الخارج.

قد يبدو ذلك حلاً سريعاً لتغطية الحاجة المحلية. لكنه يحمل كلفة أخرى. فالدولة التي تستورد مشتقاتها تدفع بالعملة الصعبة. وتصبح أكثر حساسية للأسعار العالمية ولأسواق الطاقة ولظروف النقل والتأمين. وكلما ارتفع الاعتماد على الخارج أصبح القرار النفطي أكثر تعرضاً للصدمات الخارجية.

المواطن في هذه المعادلة هو الحلقة التي يصعب تجاهلها.

صحيح أن الحكومة تستطيع إبقاء أسعار البنزين والكاز والنفط الأبيض والغاز السائل ضمن مستويات مدعومة. لكن حياة المواطن لا تتحدد بسعر البنزين وحده. أي ارتفاع في كلفة الإنتاج أو النقل أو الزراعة أو الخدمات قد يجد طريقه إلى أسعار السلع اليومية.

وهذا يحدث في اقتصاد يعاني المواطن فيه أصلاً من فجوة بين الدخل وتكاليف الحياة. رواتب شريحة واسعة من العاملين في القطاع العام لم تعد تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها أسعار السلع والخدمات. والعامل في القطاع الخاص يواجه ضغوطاً مختلفة تتعلق بالأجور واستقرار العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

لذلك فإن الحديث عن عدم رفع سعر البنزين لا يكفي وحده لطمأنة الناس. المواطن لا يشتري البنزين فقط. هو يشتري الغذاء. ويدفع أجور النقل. ويسدد كلفة السكن والتعليم والصحة والخدمات. وكل قطاع يتأثر بكلفة الطاقة يملك طريقاً للوصول إلى جيبه.

المشكلة هنا ليست أن القرار سيؤدي حتماً إلى ارتفاع مباشر في أسعار الوقود. هذه نتيجة لا ينبغي افتراضها من دون دليل. الخطر الأكثر واقعية هو أن يخلق القرار سلسلة من الضغوط داخل الاقتصاد ثم تظهر آثارها في أماكن أخرى.

الإصلاح المالي يحتاج إلى النظر في هذه السلسلة كاملة.

هناك أيضاً سؤال يتعلق بالمال الذي تقول الحكومة إنها تريد توفيره. إذا كانت الآلية الجديدة ستزيد إيرادات الخزينة بمليارات الدولارات. فمن الضروري أن يعرف المواطن ماذا سيحدث لهذه الأموال. هل ستذهب إلى الاستثمار. هل ستستخدم في تطوير المصافي. هل ستوجه إلى بناء منظومات تكرير حديثة. هل ستخفض العجز. أم ستعود في صورة دعم جديد للمشتقات والأجور والصيانة.

إذا كانت الدولة ستأخذ من المصافي إيرادات إضافية ثم تعيد إنفاق جزء منها على المصافي نفسها. فقد لا يكون الوفر بالحجم الذي توحي به الحسابات الأولية.

وهذا لا يعني أن الإصلاح غير مطلوب. يعني أن طريقة قياس نجاحه يجب أن تتغير.

نجاح القرار لا يقاس بما يدخل الخزينة في السنة الأولى فقط. يقاس بما يبقى بعد احتساب كلفة الصيانة والدعم والاستيراد والتشغيل والتأثيرات الاقتصادية غير المباشرة.

العراق أمام فرصة لإصلاح قطاع التصفية. لكنه يحتاج إلى ترتيب الأولويات. تحديث المصافي القديمة يجب أن يسير مع إصلاح التسعير. رفع الكفاءة يجب أن يسبق تحميل المؤسسات كلفة أعلى. الاستثمار في التكنولوجيا يجب أن يترافق مع إعادة النظر في الدعم. والرقابة على الإنتاج يجب أن تكون جزءاً من المنظومة منذ اليوم الأول.

قد تكون المشكلة في العراق أن القرارات الاقتصادية كثيراً ما تبدأ من سؤال كم ستدفع الدولة. بينما ينبغي أن تبدأ أحياناً من سؤال آخر. ماذا نريد أن يصبح عليه القطاع بعد خمس سنوات.

إذا كان الهدف بناء صناعة تكرير قادرة على إنتاج مشتقات عالية القيمة وتقليل الاستيراد ورفع إيرادات الدولة. فإن الطريق يحتاج إلى استثمار وإصلاح إداري وتقني قبل أن يحتاج إلى تغيير سعر البرميل.

وإذا كان الهدف فقط زيادة الإيرادات في المدى القصير. فقد تحقق الخزينة رقماً أفضل في الحسابات. لكنها قد تدفع لاحقاً كلفة أكبر للحفاظ على القطاع نفسه.

وهنا تبرز قضية تحتاج إلى وضوح أكبر من مجرد الحديث عن التطوير. ماذا تريد الدولة أن تفعل بالمصافي إذا أصبحت غير قادرة على تحقيق التوازن المالي وفق الآلية الجديدة. هل ستتجه إلى تطويرها فعلاً. أم ستدفعها الخسائر المتراكمة إلى البحث عن مستثمرين من القطاع الخاص.

الاستثمار بحد ذاته ليس مشكلة. وقد يكون مدخلاً ضرورياً لإنقاذ صناعة التكرير وتحديثها. لكن التجربة العراقية تجعل السؤال عن شكل الاستثمار وآلياته أكثر أهمية من شعار الاستثمار نفسه. من سيحصل على هذه الأصول. وبأي شروط. ومن يراقب العقود. وكيف تضمن الدولة عدم تحول حاجة المصافي إلى بوابة جديدة للامتيازات والمحاصصة والنفوذ السياسي.

هنا يعود المواطن إلى مركز الصورة. فإذا انتهت المصافي إلى مؤسسات ضعيفة ثم جاءت عملية التطوير عبر صفقات لا يعرف المواطن تفاصيلها. فقد يكون قد دفع مرتين. مرة عندما تحمل الاقتصاد كلفة القرار الجديد. ومرة عندما تتحول أصول الدولة إلى مجال جديد لتوزيع المنافع بين المتنفذين والأحزاب.

لذلك فإن تطوير المصافي يحتاج إلى شفافية تسبق الاستثمار نفسه. يحتاج إلى إعلان واضح عن قيمة الأصول. وحجم الخسائر. وكلفة التطوير. والجهة التي ستدير العملية. والعائد المتوقع منها. والأهم أن يبقى الأصل العام ملكاً للمجتمع لا فرصة جديدة لإعادة توزيع الثروة تحت عنوان الإصلاح.

الإصلاح الحقيقي لا يعني أن يبقى النفط الخام رخيصاً إلى الأبد. ولا يعني أن تتحمل الدولة خسائر المؤسسات غير الكفوءة إلى أجل غير محدد. الإصلاح يعني أن يتغير القطاع نفسه بحيث يصبح قادراً على تحمل السعر الجديد.

وهنا يصبح توقيت القرار جزءاً من جوهر القرار.

فالعراق لا يفتقر إلى الموارد. مشكلته التاريخية ترتبط بكيفية تحويل هذه الموارد إلى اقتصاد أكثر كفاءة وأقل هدراً وأكثر قدرة على حماية المواطن من تقلبات السوق.

رفع سعر الخام قد يكون جزءاً من هذه العملية. لكنه يصبح أكثر منطقية عندما يسبقه إصلاح جوهري في المصافي. وعندما تكون هناك خريطة واضحة لاستثمار الإيرادات الجديدة. وعندما تعرف الدولة مسبقاً من سيتحمل الكلفة إذا لم تتحقق النتائج المتوقعة.

القرار الاقتصادي الجيد لا يكتفي بأن يبدو صحيحاً في جدول الحسابات. يجب أن يبقى صحيحاً عندما ينتقل من الورق إلى المصنع. ومن المصنع إلى السوق. ومن السوق إلى دخل المواطن.

وهنا تحديداً تستحق الحكومة أن تُسأل عن ترتيب الخطوات. هل نحن أمام إصلاح يبدأ من إعادة بناء القطاع ثم يعيد تسعير موارده. أم أمام قرار يبدأ بتحصيل المال ثم يبحث لاحقاً عن الطريقة التي ستتحمل بها المنظومة كلفته.

الفارق بين الخيارين ليس محاسبياً فقط. إنه الفارق بين إصلاح اقتصادي يعيد بناء القدرة الإنتاجية للدولة. وإجراء مالي قد ينقل المشكلة من خانة إلى أخرى.

الآراء الواردة في المقال تلزم صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي شبكة إنماز نبوز